أحـمـد صـدقـي الـدجاني..رجل الفكر والحوار والتجسير

د. عـبـد القادر حسين ياسين*

عـرفـته قـبل أن  ألـتـقـيـه. 
كان ذلك في أمسية شعـرية في جامعـة دمشـق في أواخر السبعينات. 
سمعـتُ رجلا يجلس خلفي ويتكلم اللغـة العربيـة الفـصحى، وبالطبع جذب ذلك انتباهي ، فالـتـَفـتُّ إلى الوراء ، لأجد رجلا وقـوراً يكلم ولـداً صغيراً بهذه اللغة الراقـية . 
لم تكن ردة فعلي الاستغـراب ، كما يـُتـَوقع ، بقدر ما كانت الإعجاب بشخـص يحترم إرثه ولغـته ، ويحاول نقـلها إلى هـذا الصغـير بتلقائية وحنان دون تصنع وتكلف. 
سألت من يكون ، وكان عليَّ أن اعـرف قـبل السؤال :
انه الدكتور احمد صدقي الدجاني، إذ كنت قد سمعـتُ عـنه الكثير. 
فهمتُ في ما بعـد لماذا يهمه استعمال اللغة العـربية الفـصحى.
دائماً منفـتح على الحوار الـبـنـَّـاء ، ويحترم الاختلاف في الرأي ، وكان يتدخل دائما للتهدئة وإيجاد القـواسم المشتركة ، للوصول إلى نتيجة ايجابية. 
إحتـَرَمَ التراث واشتغـل به لغة وفكراً وحضارة ، وسعى عبر ذلك إلى إحياء هذا التراث قاعـدة للتطور،  ولكنه لم يؤمن يوماً بالانغلاق والانعـزال،  لأنه اعـتـنـق الانفتاح على حضارات أخرى، والتفاعـل بين الثقافات و"تجديد الفكر استجابة لتحديات العصر" ، كما يقول عـنوان احد كتبه.
آمن الدجاني بشعبه وأمتـه ،  ولا نملك إلا أن نكبر فيه إيمانه ، ونـقـتـدي به، فالأمة لا تقوم لها قائمة إلا برجال من أمثاله، فـقـد عاش مفكرنا حياته مـنـتـصب القامة ،وترك للأجيال من بعـده ذكراه الطيبة، ومكتبة غـنية بكتاباته وإسهاماته، التي ستبقى مشـاعـل نيـّرة ، ينهـل منها أبناء الأمة العربية وكل باحث عن المعرفة والحـقـيـقـة التاريخية .
كان أبو الطيب (وهذا لقيه) مفكراً من طراز نادر من قادة الرأي ، 
كان يقـود ولا يسوق ، يـُوحي أكثر مما يـُوصي،  يـَصبو أكثر مما يَـدعـو. 
لا يـُـفـتي ولا يـُـمـلي،  لا يـُحرّض على الخـصوم ولا يعـرض بهــم. 
إذا عارض لا يخاصم ، وإذا جادل لا يـُماحك. 
كان أسلوبه في الـتـفـكير والـتـدبـيـر واضحـاً ساطعـاً، مبادر ومباشر. 
يـفـكر بصوت عال فإذا هو أمام جمهوره، مستمعين ومشاهـدين، تجسيد حيّ للشفافـية . 
ومن إجتماع هذه الشخصيات الثلاث ،الإنسان والمفكر والمـنـاضـل،
انبثقـت شخصية جامعة مانعة ، جعلت من الدجاني، بحق ، ضمير فـلسطين والأمة والإنسانية. 
وإذا كان لـقـبـه بين محـبـيـه وأصدقائه أبا الطـيـّب ، فإن دوره في الحياة العامة كان ، بلا مبالغة ، ضمير الأمة والإنسانية. 
ذلك أن أبا الطيب كان في تفكيره وتدبيره، مفكراً ومناضلاً من أجل فلسطين والعـرب والإنسانية ، في جميع قضايا الحاضر والمستقبل. 
يتجلى ذلك، أكثر ما يكون، في أرائه ومواقفه من قضايا ثلاث: فـلسطين، ووحـدة الأمة، والعولمة وتفاعـل الحضارات.
رَحـَل أبو الطيب في ذروة عـطائه في العام 2003 عن 67 عاما ، رَحـَل وقـد كان ، بعـد، مـبدعـاً وفاعـلاً وواعـدا.
كان آية في البيان. 
أوتي لساناً عـذباً وجناناً ليس كالجنان ، فـلـزم الـفـُـصحى ولزمته ، وما غادر ساحتها ولا غادرته. 
كان يتحدث الـفـصحى مع الناس كـافـة ، ممن صغـر  وممن كبر، وممن ازداد بها علما  ، وممن لم يأته عـنها خبر، وممن يخـطون بـيـمـيـنـهـم وممن لا يخـطـون، وممن يجلون اللسان العـربي ، وممن هم عـنـه مـُعـرضون... 
لكن حديثه لم يكن كأي حديث يلقى بلسان وشـفـتـيـن، بل كانت عـذوبـتـه ترد محـدثه باسم الـثـغـر ، قـريـر العـيـن ، طـيـب الـنـفـس ملآن الـيـديـن. 
فـقـد كان مـُحدثه يشعـر أن أنواراً تحيط بما يسوقه من عـبارة.. 
وان أسراراً تكمن في ما يأتيه من إشارة.
وخلال مصاحبته ، عـرفـتُ أن الكلام فـنّ وعـلـم وخـلـق وأدب ، وان زينة المرء جنان ولسان.. لا فضة ولا ذهـب..
 
(الصورة المنشورة للمفكر الراحل احمد صدقي الدجاني).

* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقيم في السويد.