آليات التدمير العبثي في رواية "مرهاة"

سعيد الشفاج*

 
 “مرهاة” رواية للكاتبة السودانية آن عادل الصافي صدرت سنة 2018، وهي تراجيديا ملحمية تضم مأساة شخوص بل مأساة شعب غير محدد الهوية لكن العثور عليه سهل والتعرف عليه هين (لا وجود لاسم مكان محدد ). 
لست هنا للحديث عن وقائع وتفاصيل عمل سردي يبحر في 211صفحة لأن من أراد ذلك عليه ان يقرأ الرواية "هناك حروف عابرة للأحاديث بطعم الصدق ،يفنى الكلام و تبقى عالقة ما حيينا" 1 لكن هذه المقالة تحاول استدراج أهم الأحداث  ذات الدلالات الرعبية و من أدوات التخويف السردي المشحون بكمية هائلة من العنف البشري و التدمير الذاتي استنادا إلى أيديولوجية القتل من أجل السيطرة ."صوت انفجار ،ارتطامات، تهاو، هشيم زجاج متناثر، أصوات أناس،ضرب ،سقوط، ألم، دماء، موت حياة ،اشلاء بشرية، جروح ،أصوات سيارات خطوات ..."2 لاحظوا كم الدوار الذي أصاب المكان .
بطل الرواية أو شخصيتها " ربما غفيت او غفا بطل الرواية التي أقرأ او ربما بطل الفيلم الذي اشاهده اللحظة "3 له أسماء عدة فهو القروي القادم من سوط المجاعة بحثا عن شكليات البقاء نحو مدينة ما .و هو الغريب الذي هجر بلده كي يعيش قدر اكتشاف البشاعة في بلد آخر مزقته الحروب الأهلية و هو كذلك" سامي فاضل الأمير"4 الذي اقتنص اسم الآخر كي يتخفى عن أعين الشرطة، و  عن شعب يكره جنسيته .
هو موظف متخصص في الآثار والمخطوطات يعشق النقش والخط والزخرفة، مبدع ومهووس بالقطع الأثرية لدرجة الجنون ،بل حتى لدرجة سرقتها من الشركة و اصطحابها للمنزل كي تنام معه ثم يعيدها صباحا .هجر مدينته بحثا عن شيء ينقصه، شيء نادر ، رغبة في طرد الروتين و حياة الوظيفة المملة، ومن أجل التعرف على حضارة الآخر ، وهناك سيعيش مأساة تلو أخرى ، سيرى الموت أكثر من مرة يزحف كحية رقطاء نحوه ، سوف يتعرض لخطر  وقوع انفجار تلو الأخر،  لكنه سينجو منها تاركة فيه آثار الدمار جسدا و روحا .
إنه الغريب الذي يصر على البقاء في بلد تتقاذفه أهواء الساسة والعصابات، وسيحب الناس هناك وسيحمونه لأنه عدو مختلف .في تلك المدينة الشرقية سيمتهن التصوير الفوتوغرافي ثم سيشتغل في مزرعة من أجل شيء غامض لا يعرفه .او ربما للهروب من هذا الشيء . داخل رحلة البحث ستطل عليه "مرهاة"امرأة من المجهول تؤنسه، تمسح أحزانه بمناديل الحب وبنظرتها الملائكية. امرأة لا هي بالخيال المحض او بالواقع المحض، انها روح تراود البطل عن نفسها .وتمنحه سر البقاء. 
الرواية ليست مجرد حكاية، إنها محيط شاسع من القيم وتشخيص دقيق للخراب الذي ضرب الشرق، ولما تعرضت له حضارات قديمة من التشويه ووصف للناس الذين يصرون على البقاء وسط برك الدم وأشلاء الجثث ،لأنهم اعتادوا ذلك ولأن الموت أصبح فردا من العائلة . إنها رواية تلخص رحلة الخوف للإنسان العربي وحجم ما لحقه من لعنات .
تنتهي رحلة بطلنا الغريب في مستشفى للعجزة مع أمثاله من المحبطين الذين يعيشون على ذاكرة مهترئة و ماض بطولي لم يصنعوه إلا من اوهامهم. في دلالة واضحة عن العجز التام عن استشراف المستقبل  وصنعه.
في رواية "مرهاة" كم هائل من الخراب النفسي والجسدي والمعرفي ، وقد استطاعت الكاتبة تشخيص دوي الانفجارات في أسماع من يقرأ حتى وكأن القارىء يشم رائحة الدخان المتصاعدة من أشلاء الجثث المرمية .لذا فهي رواية رعبية وليست رواية رعب وسنحاول تشخيص مظاهر ذلك في هذا العمل الذي جمع أطراف الإنسانية المتناثرة.
 
1- الرواية ص7 
2- الرواية ص 47
3- الرواية ص 50 
4- اسم مستعار للبطل حتى لا يتعرف عليه أحد و هو في الأصل لشاب مات مقتولا

* روائي وناقد من المغرب، والمفالة جزء من كتاب نقدي  قيد الإعداد.