كيا/ سرفيس

محمد الأحمد*

 
انتشر خبر الحادث كشرارة في هشيم.
ـ تأكد لهم بأن الفاعل كانت امرأة وقد تركتهُ جثة مهشمة الراس ملقاة في ساقية احدى البساتين القصية".
أصغيت لما للموضع من أهمية تجعله حادثاً لا ينسى.. حادثا ليس ككل الحوادث الكثيرة، والمتشابهة التي نسمع عنها دون ان نتفاعل معها، حادث مثير بطلته امرأة. جعلنا متفاعلين معه رغم بقية الحوادث المجلجلة الأخرى وهي تمر عابرة، وأن لا يكون بينه وبين ما يحدث من أحداث كثيرة قريبة الشبه، أي نسيان، جعلها التكرار حوادث تعبر كفعل عابر، منسي بين الأحداث الجسيمة العابرة، المتشابهة في الزمن التي أعتدنا تكرارها علينا كأفعال جسيمة متشابهة. باتت تصل الينا من كل حدب وصوب.
كأنما قطرة حبر انتشرت ولم تستطع رفعها ورقة نشاف، قد امتصّت الحبر، ثم تلفت، ولكنها لم تستطع ان ترفع أثره من على سطح ورقة الكتابة أبداً. هكذا عصفت بي بداية حكايتي مع "ليلى"..
رحتُ اقول في نفسي:
- "كأي قتيل في زمن الرجال القتلى"؛
خبر عادي جداً، لكن ان يكون القاتل أمرأة، فذلك امر استثنائي، لن يخلو من الإثارة. لكنهُ الحادث الذي تبرأت من ساحته الرجال، كيف تم ذلك التأكد المطلق.. فاخذ بعدها المطلق جريمة لها منحى بلون جديد. امرأة باتت قادرة على ذلك الفعل، كخبر بات يستدرجني لمواصلة الاصغاء، ونزع سماعة الموسيقى عن أذني ، ورحت مركزا في ما يجري حولي. قبله كنت طائفا، منزوعا من العالم لا يشغلني فيه، سوى اني في كل مرة أعبر الموت، للمرة المليون، وان اعود للحياة مستعدا لموت جديد..  
"على الأقل نكون ملمين بتفاصيل حكاية قد تصلح لثرثرة مشوقة"..
لم أكن أول الراكبين، ولم أختر طوعا المقعد الذي جلست عليه، برغبتي المحض. وجدتني منقاداً اليه بخجل بليغ؛ رغم من اني لا أحبذه، بجانب السائق الذي سوف يبقي محرك سيارته يزمجر تحتي، وتتصاعد منه أبخرة العوادم الخانقة.
كأن المقعد مهيأً للانطلاق بي الى الفضاء المتلاشي في أية لحظة. غير ثابت معه.
أن أكون جالسا في المقعد الامامي. ربما ؛ ذلك يعرضني ان أمسي تحت طائلة نظر من يستوقفنا، بحجة الأمن، واستتبابه. أكون الاول الذي يطلب منه بطاقة الهوية، وان يرد على الأسئلة المتشجنة بالأجوبة الناعمة،  حيث تفتيش الشوارع لا يعني سوى بسط الذل على جميع العابرين، وينبغي الاجابة على جميع الأسئلة المسلحة.. ببعض الخنوع والاستسلام، لم نعد نميّز بينهم قطاع الطرق والعسكر النظامي، الأمر متداخل، ولم يعد يعني شيئا من أسماء الأمان. مسلحون يغطي وجوههم الزي الواحد الحاضر بجميع تحصيناته. لا يمكن للمواطن التفريق بين الأوراق، حيث هم على الاغلب غير معرّفين الجانب، مليشيات، او عسكر، او عصابات خطف، كل منهم يقطع الطريق في المكان والزمان الذي يريد، ولا يهمه قربه او بعده عن نقطة تفتيش رسمية، او غير رسمية، ثمة خلل كبير مرسوم بعناية فائقة، لأجل ان يكون ذلك الخلل مكملا لتبعات اخرى.
أكون ككل مرة الجالس الصامت بغير ارتياح، في المكان الذي لا اريد، حتى جاء الى المقعد الملاصق لمقعدي أحد الطلبة، بغية إلتحاقه بمكان دراسته. نظرتُ اليه بطرف عيني، ووجدته حليق الرأس ببشرة سمراء اطلق لحية صغيرة دون شاربين، كأنه ملصق لبقعة سوداء أسفل حنكه، غير متناسقة. بدت مثل ذرق طير وقع عليه، وأهمله دون غسل.. لكنه كان بعطر طيّب فاح من ملابسه غطى بها على ما شممته داخل المركبة من مزيج روائح اخرى.. بعد ذلك اخذ الذاهبون الى مركز المدينة، يتوافدون تباعاً، وكل منهم يلقي على مسامع الحاضرين سلامه، فلا يحل السلام إلا بألفاظ السلام. توالوا كل منهم الى مقعده بركود، يَسمعه كل منا الردّ على "سلامه". لم يكن من عادتي ان لا اردّ على السلام، ولم يكن من عادتي ان التفت الى الخلف، ولكني افرز حفيف الاقدام من بين الجلبة، التي تحاول الصعود بمهل، لأعدّ مع نفسي بقية المقاعد الممتلئة. حتى تمتلىء المركبة وتتحرك بنا بعد الوقوف الطويل، اذ بقيتُ مشنّفاً اذنيّ لأستمع بسقمٍ الى تواصل تلك المساحة الصوتية التي تصف الأحداث الضاغطة بحوادث القتل المتتابع، في كل مكان وزمان،والذي مازال يجري، ولن يستثني احدا على الاطلاق. حوادث موت زؤام يجرى علينا كغيمة ماطرة ترش كل الناس، عطاياها، وتزمجر على مساحة أيام لا تقاس إلا به..
"كيف وصلت المرأة اليه؟"..
"هو الذي وصل اليها"..
وجدت نفسي كهواة الاستماع، أحاول ان التخيل كيف يكون صاحب الصوت، او صاحبته، وأحزر ما يرتدي من ملابس، اذا تعودت على ذلك عندما كنت موظفا في الاذاعة أستلم المكالمات عبر الهاتف مع الناس، وأحاول تقيّمها قبل أشركها كي يدمجها المخرج ويشركها مع مذيع البرنامج، الذي كان اسمه "انت على الهواء" ثم يذيع ما يود قوله على الهواء، مباشرة، ولكن الحال تغير منذ ان احالنا "برايمر" الى التقاعد، مع اغلب كوادر وزارة الاعلام، ووجدت نفسي عاملاً على جهاز استنساخ قديم نوع" كانون". صرتُ به مستحصل قوت يومي، محل مؤجر من بناية متداعية بقيت مسافتها في وسط مركز المدينة، حيث انتصفت المسافة بين محكمة الاحوال الشخصية، وأحدى فروع مصرف الرافدين، فتعودت ان اصل المكان يوميا، بواسطة الـ"الكيه/ سيرفيس" حيث لم تكن لي معرفة بإجادة قيادة مركبة، ولم يكن لدي المال الذي يمكنني من شراء سيارة اصل بها موقع عملي.. 
أجدني في كل مرة قد أصغيت جيداً الى تلك النُتف من أذيال كمّ كثيف من القصص الذائبة بين الفضاءات.. كأنما اللحظات سوف تبقى ساكنة ومستقرة في أطراف فضاء مفتوح النوافذ، رغم تصاعد رائحة النيكوتين، وافواه مليئة بأسنان متسوسة، لفقراء يقصدون أرزاقهم، وهم يكدحون من أجل قوت يومهم.. متحدرون لأجل عمل كشريان يصل الحياة الى أهليهم، تتوحد قصصهم بالرغم من تراكمات عيون تتقاطع وتتشتّت خطوط بصرها الى أبعد ما يصل اليه النظر.
أعهد احيانا؛ عيوناً أخرى متطلعة بحذر، وأخرى لا مبالية، لكنها تنصبّ في قامة امرأة اخرى قادمة كالأمل، ولعلها تكون الشخص الأخير الذي سوف يملأ المقعد الفارغ لأجل ان ينطلق به مشوار يومنا.. 
"امرأة من منطقتكم اغتالت مسؤولا حكومياً"..
في الغالب أترك لأذنيّ حرية ان تلتقطا الكثير من البوح الذي يختلط فيه التحسر والغبن والانكسار، أرى وجوها أضرّ بها الخوف، جعلها بصوت واهن يئنّ متداخل بين حلقات تأتي بقلق وريبة، صار همهم المشترك..
- "يقال إنها هرست رأسه بمفك العجلات"..
- "البارحة"..
- "طبعا لم تسمع بالخبر لأنك يوميا تدفن وجهك بالكتاب ولا تريد ان تعرف ما الذي يحصل"..
حيث تندلع مسارات تلك القصص الطائفة في مساحات المركبة مختلطة بدخان العوادم والسكائر، وعطن أجساد متلاصقة، تشربت بها الملابس، تقاومها عطور رخيصة تشمها بينما كل منا يغوص في مقعده. من بعد ان تعودت الاعتماد على تلك الحكايات الشفاهية المنقولة ببراءة لمعرفة ماذا يحدث في العالم، من بعد ان أُلغيتُ من حياتي اليومية متابعة قنوات الاخبار التي صارت تجلب لنا الموت بأكثر مما نعرفه ونسمع به، صرت غير مهتم بالمرة، لكونها قنوات صارت ادوات الارهاب الضاغط، والذي يتبادل عبره السفاحون رسائلهم..
- "ليتني استطيع تدوين ما يمكنني تدوينه بصورة مصغرة عن ما يدور عبر هذه الحقبة الخانقة، ارسم عالما مصغرا، نموذجا، حكاية تعكس، رواية، شهادة عن العصر، كتابة".

 

- "قسمت المناطق الناس الى مناطق صغيرة، كأنما الناس حُبست في اقفاص دجاج ينتظر دوره في الذبح"..
فرزتُ صوت أمرأه عجوز بصحبة أبنتها، أوحفيدها، اذ نهرته ان لا يعبث بزجاج المركبة..
-  "كأنما الجريمة الوحيدة يبحثون عن مرتكبيها".
- "غايتهم ان يفرغ البلد من أهله ويأتي اليه سكان جدد من كواكب أخرى ليكون لهم بكامل ثرواته، حيث يجري تفريغ كوكب الارض من أهله فالذي مات والذي هاجر، والذي بقي مثلنا ينتظر دوره".
بعدها التحقت بنا عجوز أخرى عرفتها من صوتها المتحشرج الذي يكشف تاريخ عشقها للتدخين بإسراف، وهي التي صارت ترافقني يوميا الى مشواري، اظنها بها قد شكت ذات مرة  سوء معاملة مزارعين الخضروات كلما تجمعها منهم، لأجل ان تصل بها الى سوق المدينة وتبيعها هناك.  
أموت موتي اليومي ككل يوم، ولا انسى انني احيا لكي أموت مجددا، فانا الميت الحي الذي يقوم من الموت، وفي كل مرة ينسى انه يحيا، اقوم من موت لأقع في موت لا موت فيه. فأي سقم تمتزج فيه الأخبار بمصير الحكايات التي تعودوا على حكيها كشكوى هم بعضهم البعض، وكل بطريقته.
يمسح السائق الزجاج الذي أمامه، وبعدها ينادي بصوت تعودنا عليه من كل زملائه في المهنة، معلنين عن وجهتهم:
- "طالع الى السوق".
وينزل ليتمكن من أكمال وتنظيف ما يرى بوضح للزجاجة الامامية. فأتحرك بتلقائية الى أمام، أجدني قد سحبت المرآة المتراخية، برأسي لتتغير صورتها، عن دون قصد، توضحت أمامي صورة كل مقاعد "الكية"، حيث كان سبب عدم الانطلاق هو انتظار الشخص الحادي عشر، الأخير.. حتى يجلس في مقعده الفارغ فيَهِم السائق بالانطلاق.. كل الى مقصده.
تتواصل بين فراغ الصمت همهمات أخرى طغت على صوت المرأة العجوز الذي بقي يتواصل في رأسي مثل حريق لم يطفأ بعد، بقي يعلو فوق كل الأصوات المزيجة..
"لم يكن للمرأة أية علاقة بالإرهاب".
فقال صوت آخر:
"لكن يا خالة لو لم يكن هناك إرهاب لما احترقت البلاد بأيدي الفساد"..
ألتقت عيني بعينه، شعر بخوف، واراد ان يتراجع عما قاله، فآثرت ان أقول بصوت واضح، معطياه إياه مساحة لأمانٍ مفتقد:
- " بتنا نحن غرباء البلد"..
مضت العجوز تواصل الكلام مع امرأة بجانبها
- سمعت عن الفاعلة من عائلة معروفة..
- ربما مغرر بها..
تداخل بالحكاية رجل جلس جواري.
- جريمة شرف..
- هل انت محام؟..

 

ولم يجبها على سؤالها بعد ان تراصفنا جميعاً في مقاعدنا، وبعد ان عجّ الفضاء بحكاياته المتواصلة لتترسب في قاع ذهن الكاتب الذي يشاركني رأسي حيث يودّ تنظيمها من أجل كتابتها.. فقد لا أجد لهذه العزلة القصية أي علاج، سوى ان أمرّن ذاكرتي على التذكر، وأن أفترض خيالات منظمة متواصلة مع بعضها لتبدو حلقات موصولة، مقنعة.
سأقول انا المجنون وحنجرتي سُلخت بانتظار القول؛ لكنها لم تستطع النطق.
هاجت في أنفسنا مخاوف كبيرة، تعلقت بمصائرنا المجهولة. هل استطيع التعامل مع تواتر الأحداث بكل اتزان، بدلا من الكلام مع النفس وملامتها. يوميا اودّ الالتزام بما قررته، ان أتوجه الى الحاسوب، حالما أصل البيت، وان ادوّن اولاً ما فاتني تدوينه، من سطور؛ بشأن تلك المرأة الجميلة التي غزت عقلي بأخبارها، وفرض شخصها الشجاع على مخيلتي. مرّ علي أكثر من عام وأنا أبرر تكاسلي بانشغالات شتى، ومزاحمات نفسية، وكأني اعود الى البيت لآخر مرة، حيث أمضي وقتي في قراءة الأخبار في صحف الأنترنيت، وازداد خوفاً كلما ضاع مني الامل ان يعود البلد الى ما كان عليه من استقرا..
* أديب من العراق /بعقوبة.