رواية المديني "في بلاد نون" : تأكيد الطابع الحواري للرواية

د.إبراهيم خليل* 

تعتمد رواية أحمد المديني في بلاد نون (المركز الثقافي العربي 2018) على ضروب متعددة من السرديات، بعضها مستمد من التراث العربي، وبعضها من الحكايات الشعبية،وبعضها من الواقع الاجتماعي في بيئة ذات طبيعة ريفية تهيمن عليها المعتقدات الخرافية، والمغيَّبات، والإيمان الفطري الشديد بالخزعبلات التي يتاجر بها الحكاؤون، والسحرة، والمشعوذون، والمنجمون، تاراتٍ أخر، وهذا التركيب المتنوع من المحكيات السردية يُضفي على الرواية خصوصية، وجدَّةً، تمسك بتلابيب القارئ فلا يكاد يترك النصَّ حتى يأتي على قراءة آخره.. 

ففي بداية الرواية تصحو ساكنة البلدة- التي قد لا يكون لها وجود في الواقع المادي المحسوس، لكنَّ لها وجودا مدويًا في الواقع التخييلي الذي اخترعه الكاتب المديني- تفيق ساكنة البلدة – مثلما يسميها الراوي- على أصوات آلات، وقرقعة جرافات، وهدير شاحنات، تقوم بأعمال الحفر، والتجريف، في الطريق الرئيسي الذي يشطر القرية إلى شطرين، وتقع أنظار الساكنة على العمال الذين استقدمهم لمباركي - مُتعَهّد-  بناء على تكليف شريف (رأس المملكة) من الحاكمية العامة للإيالة في العاصمة، لإعادة تنظيم البلدة، وتأهيل الشارع الرئيسي فيها تمهيدًا لنقلها من العصور الوسطى إلى الحداثة، بما تعنيه هذه الحداثة من ادعاءات بالرفاهية. وذلك على الرغم من أن هذه البلدة ما زالت تكتوي بأحداث أو انتفاضة 1973 التي قتل فيها من قُتل، وسُجن منْ سجن ، بدليل أن الحفريات الرامية لتطوير الشارع تمخَّضت عن اكتشاف مقبرةٍ جماعية تحت التراب.

للا نونة

على أنَّ الرواية لا تقف بنا عند هذه الصورة من صور العلاقة بين ساكني البلدة، التي لا يُعرف لها اسم غير اسم نون، ونونة أحيانًا، والحاكمية، التي قلَّ أن تشغل نفسها بالناس، وبما يعانون. وإنما تدلفُ بنا إلى الوعي الجمْعي حين يختلط بالحكاياتِ الشعبيَّة، والخرافات، فالمدعو (سلّام)- وهو أحد شخوص الرواية- جاء إلى القرية قادمًا من ساحة الفَنا بمراكش، باحثًا عن بيئة مُواتية لمهنته من حيث أنه حكواتي يعيش على سرد الحكايات، أولا، ويبحث لنفسه عن حكايات جديدَة ثانيًا. وقادته قدماه – بعد مشقّة- لمقهى تديره سيدة(هنيّة) تدَّعي أنه – وهو الشيخ المشرف على الهلاك- فارسُ أحلامها، الذي تنتظره منذ سنين، وإلى هذه المقهى يتردد كثير من الأشخاص من مستويات مختلفة، ومن هؤلاء ساعي البريد المعروف بقبَّعتهِ، ودراجته الهوائية. وعلّوط الذي يساعدها في إدارة المقهى. ولا تفتأ هنية هذه ترمي بشباكها حول سلام، فتنجح في اصطياده تارة، ويَتَأبّى عليْها تاراتٍ أُخَر، لكنَّ أخشى ما تخشاه، وأكثر ما تحذره، هو أنْ يصوِّب نظره صوْبَ الجبل، الذي يركز عليه الراوي تركيزا شديدًا، فهو يمثل جانبًا من الخرافة التي تقوم عليها سرديات الرواية. ففي هذا الجبل تقيم مَنْ تشبه القديسة (للا نونة) – وهي شخصية غامضة تختلفُ الشائعات حول أصلها، وحول مذهبها، وهل هي مسلمة، أم مسيحية، أم يهودية مما يضفي عليها بعدًا رمزيا لا تتضح دلالته إلا في النهاية – تتلقى هذه المرأة بريدًا في نهاية الرواية يطلب منها أن تشخص إلى العاصمة للتَتَشرَّف بمقابلة الحاكمية العامة، في الإيالة. وتدور الأحداث في هذا الجزء من الرواية حول رحلة (للا نونة) من بلاد نون إلى العاصمة، وهي رحلة متعثِّرة، تتعرَّض فيها لكثير من المقالب. أحد هذه المقالب – التي لم تكن متوقعة- أنها ينبغي أن تنتظرَ دوْرَها، لأن كثيرًا من الأشخاص الذين همْ منْ مقامات أدنى من مقامها – وفق اعتقادها – مطلوبون للغرض تفسه، وهو مقابلة زعيم الحاكميَّة.
ومما يؤذي هذه القدِّيسة، بصفة خاصة، أن رجال المخزن يعاملونها معاملة الأشْخاص العاديّين، وهي تظنُّ نفسها أرفع مقامًا، وأعلى شأناً من سائر الناس، وفي نهاية القصَّة يتضح أنها لا قيمة لها، ولا شأن. 
هكذا تحبَطُ آمالُ ساكني (بلاد نون) الذين تعلقت آمالهم بتلك الزيارة، وتوقَّعوا لها أن تكون بُشرى خير يعمُّ البلاد، وتلمس نفعه العِباد، ولكن اتضح أن الحاكمية في العاصمة تفكّرُ بكلِّ شيء إلا هذا الذي يتمنُّون، ويرجون.
 
المبدأ الحواري
يراوح المديني في روايته هذه بين المحاكاة الساخرة، ومحاكاة المقامات الهمذانية، بأسلوبها المصنوع، وحوارها المقتضب الذي لا يخلو من إثارة " أنا سلام، واحد من رواة هذا الزمان، أمشي في الأرض أجمع الحكايات، وأبيع السلوان، والأحلام بالمجان، أما طريقي فلا أعرفها، يقودني إما حدسي، أو رفقة أجدها كيفما اتفق، وسأبقى هكذا إلى أن يأخذني قَدَري إلى رمْسي، فماذا عنكَ أنت؟ " (ص73) وتارة يحاكي أسلوب الرواية الحديثة بما فيها من واقعية، أو إيهام بواقعيَّة الحدث: " كان في طريق عودته إلى بيته، وقت الظهيرة. يوم مُشْمس. حارّ في نهاية شهر يونيو(حزيران). في مثل هذا اليوم للدار البيضاء موعدٌ مع مدخل الصيف.. إنْ لم يزحف أحيانا بهجمة تعرَقُ لها الأطْرافُ.. وتقوى معها الرطوبة فيضيق التنفُّس.. وتُفتح كلُّ النوافذ على الأزقة "(ص110) . 
ويستخدم في أحايين أخرى لغة المؤرخين في سردهم الوقائع، أو روايتها بأسلوب كتَبَة الحوليّات، أو الجغرافيِّين، رابطاً بين الرواية، من حيثُ هي فن سردي حديث، وكتب الرحلات، متخذًا سمت ابن بطوطة تارةً، وتارة سمتَ ابنِ جُبَيْر " ونونة قرية أثرية تقع على سفح جبل بجوار العُقم، منطقة الحداء بجوار ذمار أرض اليمن. يحيط بها سور عظيم ذو أبواب.. وبه مسجد الناصرية. ولا زالت آثارها قائمة إلى يومنا هذا. وفيها آثار لسدِّ الخانوق.. وعليه كتابات حميْريَّة قديمة (ص 137) ".
علاوة على هذا الخليط من لغات شتى، ثمة اقتباساتٌ من كتابات العشَّابين، والعطّارين، وتعازيم السَحَرَة، والمشعوذين، ومن رؤى الحالمين الذين لا يفَرّقون بين الحلم والواقع، مع اقتباساتٍ من العقد الفريد، والرَوْض العاطِر، إلى أحاديث ذات حكايات، وقصص، بعضها من صحيح البخاري، وبعضها من سُنَن ابن باجة بتصحيح الألباني. (ص185) إلى نوادر أخرى، ومُلَح، بالدارجة المغربية، والأمازيغية، والأغاني التي بعضها فصيح، وبعضها عاميٌ ملحون. 
وهذه الأمشاجُ من اللغات تؤكد – بصفة عامة- أنَّ المديني في " بلاد نون " لا ينحو بكتابته الروائية منحاه في ظلِّ الغريب، أو ممرِّ الصفْصاف، وغيرهما.. من رواياته، ولكنه ينحو - في هذه الرواية - منْحىً غرائبيًا، على مستوى الفكرة، التي تتمثل في عزلة الحاكم أو السلطة،عن الشعب، وعلى مستوى الأداء السردي يمحو الفوارق بين المتناقضات، ويقترح أسلوبًا في الكتابة الروائية يجمع بين الكثير من الأساليب، مؤكدًا الطابع الحواري للخطابِ الروائي. ويذكر أن للمديني أربع عشرة رواية كانت الأخيرة منها بعنوان " ظل الغريب " 2017 وثلاث عشرة مجموعة قصصية الأخيرة منها بعنوان " طرز الغرزة " وأربعة كتب في الرحلات، أبرزها كتابه " نصيبي من باريس". وثلاث مجموعات شعرية، و18 كتابا أدبيا تجمع بين التأليف، والترجمة، في حقول شتى، تغلب عليها  السرديات. وقد فاز بجائزة المغرب الكبرى للكتاب فرع النقد والدراسات 2006 وفاز بها أيضًا في فرع السرديات 2009 والمديني يحمل درجة الدكتوراه من جامعة السوربون بباريس.

(ط1، المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء، 2018)  

* أكاديمي وناقد من الأردن/ الجامعة الأردنية.