الشاعر أديب كمال الدين والنصّ المقطعي الكُتلي

علوان السلمان*

(قال: البارحة قرأتُ لكَ مرثيةً لروحٍ لم تمتْ بعد.
قلتُ: نعم، تلكَ هي روحي)  الشاعر أديب كمال الدين
 
النص الشعري بمجمل صوره ودلالاته اللفظية المعبرة عن الحالة النفسية ،بأسلوب حالم وعمق دلالي، يتداخل والسياق الجمعي بقدرة تعبيرية مختزلة لتراكيبها الجملية..مغامرة خلاقة يخوض غمارها منتج (شاعر) لتحقيق عوالمه الحلمية، وخلق رؤيته الإبداعية بتوظيف وسائل تصويرية وجمالية بسردية شعرية محفزة للتداعي بصفته حشدا لغويا وكشفا إدائيا يتجسد بشكل رمزي يشير لدلالة اجتماعية تقترن بالوجود الكوني بتجاوزه لجغرافية المكان والمألوف لتحقيق التجربة الشعرية التي هي (عملية الحياة والحركة العضوية..) على حد تعبير هربرت ريد..وخلق عوالم تتناغم فيها الرؤى وتتفاعل مع أنساق مكتنزة بالحيوية والدينامية.
   وباستحضار الأعمال الشعرية التي أنتجها الشاعر أديب كمال الدين بمجلّدها الخامس وأسهمت دار ضفاف اللبنانية بنشرها وانتشارها /2019.. نجد أنها تتسم بخصوصيتها التركيبية ووحدتها العضوية، مع إيحاء لفظي وتفرّد في الإيقاع والصورة التي هي (توسيع لأفق اللحظة الشعرية) على حد تعبير أدونيس.. واللفظة الرامزة والفكرة المنبثقة من بين مقطعياتها النصية التي تقوم على الخيال الشعري وما يولده من صور شعرية وعلاقة احتدامية مع المكان:
ما دمتَ قد أنفقتَ عمرَك
تتأمّلُ في ميمِ المرآة،
فكيفَ سترى
ميمَ الذي كانَ مِن العرش
قابَ قوسين أو أدنى؟
***
ما دمتَ قد أنفقتَ عمرَك
وأنتَ تضعُ قدميكَ الحافيتين
في راء الفرات
ليلَ نهار،
فكيفَ ستركبُ غيمةً
تُحلّقُ بكَ بعيداً بعيداً؟ / ص 13
  فالشاعر في نصه المقطعي (الكتلي) ،يجمع ما بين المتعة الإدهاشية والمنفعة الفكرية كرسالة يتبناها في مضمار الشعر، من خلال التساؤلات التي تطرحها صوره المحتضنة للهمّ الذاتي والذات الجمعي الآخر مع تناص قرآني وعاطفة مكتنزة بالوجد تكشف عنها تعابيره الكتلية التي تعبر عن لحظة تأملية متساءلة بإيجاز وتكثيف جملي متميز بعمق المعنى واعتماد النزعة البلاغية وتقنية الانزياح.. إذ يحاول المنتج (الشاعر) أن يقدم صورا مشهدية تجمع بين المعنيين الحسي والذهني لتحقيق العمق التصويري بكل أبعاده التي تكشف عن الذات لتحفيز أثرها في ذاكرة الآخر بحوار ذاتي (مونولوجي)، وإثبات كينونته عبر صوره المتميزة بصفات دلالية منبثقة من نسيج مختزل..مكتنز بطاقة إيحائية مع توظيفه تقانات فنية كالاستفهام الباحث عن جواب يسهم في توسيع مديات النص..والتكرار الدائري (ما دمت...) التقنية الأسلوبية التعبيرية التي شكلت لازمته عملت على خلق موسقة داخل وحدته البنائية..فضلا عن أنه يعكس جانبا من الموقف النفسي والانفعالي الذي تفرضه طبيعة السياق وتآلفه مع الوجود بكل مكوناته:
رأيتُكِ، فجأةً، في أعلى الشّجرة.
ما كنتِ حمامة ولا بيضة ولا زهرة،
بل كنتِ امرأة.
فدهشتُ لجمالِكِ المُطَلسَم،
ونزلتُ أجرُّ خطاي بوقارٍ رماديّ
على الدرجِ المرسومِ على الشّجرة.
***
اسمُكِ السّين
وهو السّرّ،
وهو الموتُ السّرّيّ،
وهو سينُ مَن لا سين له
إلّا الجنون.
***
يتكرّرُ اللحنُ القديم
في صوتِ امرأةٍ لا تصلحُ للغناء
لكنّها تغنّي أبداً،
في غدرِ امرأةٍ سفحتْ دمي ودمَ الفرات،
في طفولةِ امرأةٍ غرقتْ بلغةِ الماء،
في طعنةِ امرأةٍ أبدلت السّينَ بالشين،
في قَدَرِ امرأةٍ زُلزِلَتْ حتّى رأت الله. ص 87 و 88
   فالشاعر في نصه المقطعي هذا هو الذات والموضوع، وقوى النفس مجتمعة خالقة لمضامينه الموغلة في العمق.. إذ يحاول بانفعاله الداخلي الذي هو انفعال نفسي وروحي، يعاني الحقيقة فيستحضرها بذاتها التي تنقل أسراره في جو من الإيحاء الذي يكشف عن اتفاق مع القيم الحياتية بشكل نفسي (سايكولوجي) يحقق امتزاج رؤاه الشعرية مع رؤاه الاجتماعية ،ونمو النص الذي لا يمكن أن ينمو نموا عضويا إلّا إذا كان لدى الشاعر عصب حدسي ينسج الصور ويمدها بما يبقي على وحدة النص وانسجامه وتآلفه.. فهو يتناول في نصه القيم الثابتة في الوجود سواء كانت خارجية تتمثل بالطبيعة أم داخلية تنحصر في النفس..هذا يعني إعادة سلطة العقل فيها وفعلية الواقع..لذا اهتم الشاعر بالطبيعة وتآلف معها وكأنها غاية بذاتها..فضلا عن أن النص يعتمد الوقوف على الروابط بين النفس وما حولها في عالم الحس مع حوارية تشكل الذات مركزها..ليؤلف الشاعر بين التجربة الذاتية في استكشاف غاية الوجود، والتجربة الإنسانية مع التعبير عن الأزمة. فضلا عن اعتماده النزعة التفسيرية، التعليلية الواعية لكي ينسج العبارة الشعرية بعمق الرؤيا التي تخفف من وطأة الوصفية والسردية، إذ أن صوره مكتظة بالجزئيات والنعوت والظروف التي تشكل معنى، فضلا عن أنه يختزل الوجود ويتتبع تفاصيله الوجدانية بمفردات الواقع الممزوج بالخيال لخلق صورة حركية مركزة مختزلة نابضة بالفعل الدينامي والتوهج الوجداني والتفاعل الحركي مع استثمار الأساليب البلاغية (الاستعارة والمجاز..) لخلق عوالم تفهم من السياق والدلالات السايكولوجية والسوسيولوجية من أجل إنتاج المعنى.. بتوظيف اللفظة المموسقة الواعية التي يقرر فيها معنى الأشياء ويحكم عليها حكما نفسيا واقعيا ينمّ عن أجواء محدقة بشكل تأملي واع:
حينَ ماتَ مختارُ القريّة
خلّفَ ولدين جميلين.
الأوّلُ سين
ممتلئاً كانَ بحروفِ الخير،
زرعَ بُستاناً للفقراءِ وثلاثةَ أبناء.
أضافَ الابْنُ الأوّلُ للبستانِ نهراً،
وأضافَ الثاني بيتاً للغُرباء،
والثالثُ أغنيةً وقصائد.
هذا عن سين،
ماذا عن صاد؟
ممتلئاً كانَ بحروفِ الحقد،
زرعَ مأدبةً للحربِ وثلاثةَ أبناء.
كانَ الابْنُ الأوّلُ مجنوناً كغُرابٍ ملعون،
والثاني مخموراً ليلَ نهار،
والثالثُ يصرخُ ألماً في رأسه
حينَ يقرأُ حرفَ الحاءِ أو الباء./ ص218
  فالخطاب النصي ينم عن اشتغال فكري ورؤية ترقى من الذاتي إلى الموضوعي، بسرد ينتمي  إلى المجال البصري ـ الواقعي ـ مع اعتماد بعض المهيمنات، والتمظهرات التي تتجسد في البناء المعماري الذي يعتمد التكثيف والتركيز والاختزال مع اقتصاد في اللغة، إضافة إلى أن الشاعر في نصه هذا لا يستغرق الحلم ولا تنعزل ذاته عن العالم الخارجي من خلال توظيفه ألفاظا مليئة بالحركة والحرارة والصدق،خالية من أميّة الكلمات والابتذال، تحمل بين طياتها ثقافة واعية تتكىء على واقعية خلاقة بأسلوب فني إبداعي،يبحث عن جوهر الكلام من خلال الظواهر، فيربط ربطا جدليا بين الذات والموضوع بأسلوب سهل ممتنع يجرّك بعد أن يشدك بقوة فتنحاز اليه،كونه يكتب بوجدان يستوعب الحياة ومن يتنفس عليها بصدق وبنفس شاعري متناغم،شفيف يدغدغ مشاعر متلقيه ويجعله جزءاً من النص القائم على الإضاءة المكتنزة فكريا ووجدانيا والمتكئة على ضوابط فنية وبنيوية معبرة عن لحظة شعورية مكثفة..خالقة لحقلها الدلالي لتحقيق زخمٍ من التكثيف الدلالي والأسلوبي والفني المؤثر في ذهن المستهلك (المتلقي)، فضلاً عن تحقيق عنصر الإضاءة السريعة للحظة المستفزة للذاكرة بما تحمله من معنى ايحائي يجرّنا إلى قول النفري الصوفي (كلّما اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة). 
   فالنص يختزل الوجود ويتتبع تفاصيله الوجدانية بمفردات الواقع الممزوج بالخيال لخلق صورة حركية مركزة مختزلة نابضة بالفعل الدينامي والتوهج الوجداني والتفاعل الحركي لخلق عوالم تفهم من السياق والدلالات  السايكولوجية والسوسيولوجية من أجل إنتاج المعنى:
الغرابُ علّمني بحقده الأعمى سرَّ الحُبّ؛
علّمني أن أرفعَ يدي
عبرَ الغيمِ إلى خالقِ الحاء
فيستجيب لدمعتي الحرّى،
وأن أضعَ يدي على قلبي
فتهبط الباءُ قصيدةَ حُبٍّ صوفيّة الأسرار،
عذبةً كقطرةِ المطر. / ص 360
  فالشاعر بوهج روحه يتنفس أجواء نصه ويسبح في فضاءاته الحالمة بنص رومانسي، وبناء متماسك شفيف فيستثير العواطف ويشحذ الخيال بشكل فني خال من الانفعالات الواهمة جامعا بين الصور النفسية والخبرة العاطفية في تصوير العلاقات الاجتماعية،فيربط بين الخيال والوحدة العضوية بصدق وجداني حتى أنه يبدو ظلاً يحاول أسر الدنيا، بنقل ما تعانيه نفسه نقلا مباشرا معتمدا الإيقاع والغناء اللحني، معتمدا الوسيلتين الأساسيتين لتجسيد التجربة الكلية التي يعتمدها الشعر، إذ أنه يعي أن النشوة الفنية تهدف إلى إدراك أقصى ما يدرك من الأشياء بنوع من المعرفة الايحائية أو المعرفة غير المنفصلة عن النفس أو المعرفة التي هي النفس ذاتها..لأن غاية الشعر هي اداء المعرفة بنوع من الرؤيا والحدس كما يقال..فضلا عن أن نصوص الشاعر تلقي الضوء على أهم الظواهر التاريخية للعصر متكئا على الفنون الدرامية والتشكيلية ورموزها..  
 هكذا نجد الشاعر أديب كمال الدين قد سجّل حضوره الواعي المنسجم مع تنامي المؤثرات النفسية والحسية والحضارية في مجمل تعبيراته النصية، كونه يرى أن الشعر الحقيقي هو الذي يولد وسط المعاناة فيعبر عن أصالة الشاعر الذي كان يعزف بعزف روحي في حالة من السمو والصفاء، ليؤكد ما جاء به(كروتشه): إن العاطفة بدون الصورة عمياء، والصورة دون عاطفة فارغة جوفاء.
 
(الأعمال الشعرية الكاملة: المجلد الخامس، أديب كمال الدين، بيروت، لبنان 2019 ) .
 
* ناقد من العراق.