الإنسان اللامرئي

د. العادل خضر

يبدو أن شخصية «الإنسان اللامرئي» تلك التي ابتدعها الروائي البريطاني هربرت جورج ويلز Herbert George Wells، في روايته الشهيرة «الإنسان اللامرئي «The Invisible Man»، التي نشرت سنة 1897، قد ألهمت كثيراً كتاب الرواية ومخرجي السينما، فصارت موضوع الكثير من الروايات والمسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية. ففي مجال الصناعة السينمائية تم إنتاج تسعة عشر فيلماً، أخرج الفرنسي فردينان زيكا Ferdinand Zecca أولها سنة 1909 بعنوان «اللص اللامرئي»، أما آخرها، إلى حد الآن، فقد أخرجه الإيطالي غبريال سلفاتورس Gabriele Salvatores سنة 2014 وعنوانه «الفتى اللامرئي».
بطل رواية «الإنسان اللامرئي»، وهي من نوع الخيال العلمي، العالم غريفين Griffin الذي اخترع طريقة علمية مكنته من أن يصبح لا مرئياً. وبعد أن جربها بنجاح على قطة جارته كرر التجربة على نفسه حتى يختفي من عيون دائنيه. غير أنه وجد عسراً شديداً في التعامل مع وضعه الجديد كمتابعة بحوثه العلمية، فساءت حاله وأصابته لوثة ضاعفت من كراهيته البشرَ. فشرع في استغلال قوته الجديدة، بسرقة الطعام ليعيش، ثم بالسطو على المحال التجارية والاعتداء على الأشخاص. وبإمعانه في أعمال الطيش والانحراف انتهى الأمر بغريفين أن بدأ يشعر بأنه إنسان لا يُقهر. ولما اشتُبِه في أمره فر إلى مدينة «مرفأ بيردوك» Port Burdock حيث لاقى بالصدفة زميله القديم الدكتور كامب فقص عليه حكايته. غير أن كامب توجس خيفة من مشاريع الإنسان اللامرئي الإجرامية، فأفشى سره وسلمه إلى السلطات المحلية. ولكنه تمكن من الفرار وهو يحمل شعوراً بالإهانة عميقاً أفضى به إلى حال لا تُعالج من جنون العظمة. فجعل مدينة «مرفأ بيردوك» تحت قبضته، وأعلن أنه سيد الإمبراطورية الجديد، واضعاً بذلك حداً لسلطان الملكة، وقرر أن يبدأ حكمه الإرهابي بإعدام الدكتور كامب. بيد أن سكان المدينة توصلوا معاً إلى القبض عليه وإعدامه دون محاكمة. وبموته استعادت الجثة هيأتها المرئية. وهي عودة متأخرة تشي بأن «الإنسان اللامرئي» قد فرط، لما أضحى لا يُرى، بالعُرى التي كانت تشده إلى مواثيق المدينة وعهودها، وانتهك، بتحوله إلى شبح لا يراه أحد، عقدَ سكانها الاجتماعي. فإنسان لا يراه أحد هو إنسان ميت قد خرج من مدن الأحياء ليقطن في عوالم الموتى النائية.
 
الموت
إن ارتباط الموت بفقدان الإنسان لوجهه المرئي ليذكرنا بثقافة الإغريق القديمة. فقد كانت حضارتُهم حضارةَ الشمس العاشقة للحياة، وكانت ثقافتُهم ثقافةَ الولع بالنظر والعيان إلى حد مفرطٍ، يختلط فيه ذلك العشق بذاك الولع اختلاطاً تصبح فيها حياة الإغريقي القديم معلقة في نظرة. فالموت لا يعني عنده انقطاعَ النفَس على غرار الإنسان العربي، وإنما فقدان البصر ونور العين. فإن كنا نقول في لسان العرب حين يقضي المحتضر نحبه: أسلم الروح وأطلق زفيره الأخير فإن الإغريقي يقول في هذا السياق: سرح نظرته الأخيرة. فأشد من قتل العدو له هو سَمْل عينيه كما جرى لأوديب هذا الميت الحي.
بيد أن موت «الإنسان اللامرئي» في آخر الرواية لم يُغيبه تماماً عن الأنظار. فقد ظل طيلة قرن ونيف كطائر الفينيق ينتفض من رماده لينجُم تارة في هذه الرواية أو تلك، وطوراً آخر في هذا الفيلم أو ذاك. فشخصيات الأدب والفن خالدة لا يصيبها أبداً البلى ولا يُفنيها الاندثار، إلا أن استمرارها في أعمال أخرى يدل على أنها قد خلفت سلالة جديدة مختلفة في شكل وجودها عن هيئة السلف الأول. فإن كان «غريفين» في عالم الخيال العلمي أقرب إلى الشبح الميت منه إلى الإنسان الحي فلأنه عجز عن إيجاد الطريقة العلمية التي تمكنه من استعادة هيئته المرئية. هذه القدرة الخارقة على الاختفاء كالأشباح والظهور كالأحياء هي من خواص الحكايات القديمة والخرافات. ففيها نجد البطل يفوز بطاقية سحرية (أو رداء) تمكنه من الاختفاء إن وضعها على رأسه والظهور من جديد إن خلعها. فالإنسان اللامرئي اليوم لا يُشبه بطل رواية ويلز الذي انقطعت سبلُ عودته إلى العالم المرئي، وإنما يُشبه بطل الخرافات فينة يلوح وفينة يختفي، تماماً كالشبح «إيريك» بطل رواية «شبح الأوبرا» «Le Fantôme de l’Opéra»، وهي من روائع الأدب الفرنسي، ألفها غاستون لورو Gaston Leroux سنة 1910، وأخرجت للسينما سنة 1925. ولا تُعزى شهرة هذا الشبح إلى مكانته العظيمة في ثقافة الجماهير، والموقع الذي شغله في الخيال الشعبي منذ مطلع القرن العشرين إلى جانب شخصية دراكولا التي ابتدعها برام ستوكر Bram Stoker، وإنما إلى إعادته ترتيب العلاقة في مجال المرئي بين «ما نَراه» و«ما يَنظر إلينا». فإذا كانت الأشباح «تنظر إلينا» و«لا نراها»، ولا تُبادلنا النظر لأنها تشغل مجال اللامرئي برمته فإن هذا المجال الذي كان محكوماً منذ عهود طويلة بـ«النظرة المؤمنة» قد زاحمته نظرة أخرى يسميها «جورج ديدي هبرمان» Georges Didi-Huberman بـ«النظرة التحصيلية» (من تحصيل الحاصل). وهي الرؤية التي لا يرى المُعاين في الأشياء إلا ما فيها لا أكثر ولا أقل، أما الرؤية المؤمنة فلا تكون ممكنة إلا إذا كان الناظر يعتقد أن وراء ما نراه من صور الأشياء حقائق أخرى تسكنها. فالرؤية التحصيلية ملازمة لطريقة العيان في الأزمنة الحديثة قد ساهم الفن الحديث في بنائها، فجعلنا نرى في التوابيت مجرد صناديق فارغة لا شيء فيها، ولا يوجد خلفها شيء، لأنها لا تُخفي شيئاً. ويمكن أن نمثل الفرق بين هاتين الرؤيتين بمصباح علاء الدين وقنديل ديوجين. فالأول إن كان يُفْرك حتى يخرج منه الجني خادم المصباح كما توهمنا الحكاية، فإنه في الحقيقة كان يدعك ليخرج منه نور يضيء الخفي من الكائنات ويحرر المحجوز منها منذ غابر الأزمنة. أما قنديل ديوجين، هذا الفيلسوف الإغريقي الكلبي، فكان يوقده في وضح النهار ويتجول في أرجاء المدينة باحثاً عن الإنسان. فنور الشمس الذي حجبه عنه الإسكندر المقدوني، ذات مرة، لما وقف مع حرسه ليسأل عنه، فرد عليه ديوجين: «ابتعد عن شمسي»، أو «أنت تحجب شمسي»، إنما هو نور ناقص الإضاءة لا يكفي لرؤية ما يُرى. وفي كل الأحوال، فإن مصباح علاء الدين يظل محكوماً بتلك الرؤية المؤمنة التي تشتغل وفق القاعدة التالية: «نتخيل أكثر كلما نظرنا أقل». أما قنديل ديوجين فيظل رمزاً لتلك الرؤية التحصيلية المحكومة بقاعدة «ما لا يُرى لا وجود له». فهذه المُسلمة البصرية هي أيضاً مُسلمة وجود تُعيد توزيع العالم إلى منطقتين منها ما يُرى ومنها ما لا يُرى. غير أن ما لا يُرى في الأزمنة الحديثة لم يُلقَ به بعيداً في كون من أكوان الغيب، وإنما صار موجوداً وإن تخفى. فـ«غريفين» في رواية «الإنسان اللامرئي» و«إيريك» في رواية «شبح الأوبرا» قد صارا مرئيين لما تحولا إلى جثتين. فنهايتهما تؤكد أن ما لا يُرى ليس كائناً ما ورائياً وإنما هو كائن قد فَقَدَ أسباب الوجود فصار كجثث الموتى والنفايات. فالمقابر والمحارق وحتى المتاحف هي أمكنة قد جُعلت اليوم لكل من خرج من دورة الاستعمال بعد أن فَقد شفافيته، فدُفن في أماكن مغلقة معتمة بعد تكفينها، أو تحنيطها، أو تجميدها، أو تحويلها إلى رماد.
 
المجتمع الشفّاف
وسواء أكان الإنسان مرئياً أم غير مرئي، فإن ما تنبأت به الروايتان هو أن الإنسان المعاصر صار، منذ مطلع القرن العشرين، يعيش في مجتمع جديد وَصَفَ الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو Gianni Vattimo بعض ملامحه في كتابه «المجتمع الشفاف» «La Société transparente». وهو مجتمع إن اقترن ظهوره بعدة نهايات كنهاية التاريخ الواحد الذي كتب الإنسان الأبيض فصوله بمنع شعوب أخرى (بدائية أو محتلة) من كتابة تاريخها، فإنه من ناحية أخرى مرتبط بظهور «مجتمع الاتصال» على نحو شبه ضروري. ذلك أن لوسائل الإعلام ووسائطه المختلفة ضلعاً كبيراً في ظهور مجتمع ما بعد الحداثة. فهذه الوسائل وتلك الوسائط لم تُساهم في جعل المجتمع أكثر شفافية فحسب، وإنما جعلت منه مجتمعاً شديد التعقد، بالغ الفوضى. فكلما كان مثال الميديا media الأعلى ومعاييرها الأساسية هو إعادة إنتاج الواقع على نحو تام، وبأكثر ما يمكن من الموضوعية، والتماهي الكامل بين الصورة والأصل، أصبحت فكرة الواقع ذاتها عصية على التصور. وهو عصيان قد تنبأ به نيتشه في فقرة من كتابه «غسق الأوثان» لما كتب: «إن»عالم الحقيقة»قد أضحى في النهاية خرافة». فبلوغ الواقع في ذاته مجرداً من كل وساطة رمزية ممكنة، كالصور التي تمثله، أو التأويلات التي تفسره، إنما هو مشروع يُخفي رغبة طفولية في بلوغ واقع مثالي خيالي غير ملوث مكتف بذاته من فرط شفافيته وصفائه. فالإنسان في «المجتمع الشفاف» غير قادر على بلوغ الواقع في كثافته وطراوته وامتلائه إلا بوساطة الميديا طالما ظلت علاقته بذاته أو بالآخر أو بالواقع لا تنعقد إلا بما يشاهد ويسمع بالصورة.
وغير بعيد عن روح «المجتمع الشفاف» ما صاغه المفكر الفرنسي «غي ديبور» Guy Debord في كتابه «مجتمع الفرجة»، «La société de Spectacle» من أطروحات. يكفي أن نقرأ الفقرة الرابعة من كتابه حتى نقف على وجوه التعقد في مجتمع الفرجة. وقد جاء فيها: «ليست الفرجة مجموعة من الصور، وإنما هي علاقة اجتماعية بين أشخاص انعقدت بوساطة الصور». فلا وجود في «مجتمع الفرجة» لفارق بين الواقع والشكل الفرجوي الذي يمثله لأن الواقع قد أصبح بدوره مشهداً مبذولاً للفرجة. ويمكن، لإيضاح هذه الفكرة، أن نضرب مثالاً يتعلق بـ«إنسان الفرجة». فالأبطال القدامى ومشاهيرهم في المجتمعات التقليدية هم مجرد أسماء احتفظت بهم الذاكرة الجمعية، هذا إذا عرفنا هذه الذاكرة بأنها مسكونة بأطياف الموتى والمفقودين والمنسيين. أما أبطال اليوم فهم أبطال مرئيون، موجودون بالفعل لا بالقوة، لكنهم جاهزون دائماً للعرض ومتأهبون دوماً لصناعة الفرجة حتى وإن كان ما يعرضونه للناس تافهاً حقيراً. فالمهم في الفرجة ليس مضمون العرض، وإنما إقبال الناس على الفرجة ومشاهدة ما يبذل لهم، أمام أبصارهم، دون المشاركة فيه. وإن أردنا التعريف بـ«إنسان الفرجة» وجب أن نستحضر عبارة الأسقف الإرلندي بركلي Berkely «أن نكون هو أن نُرى»، Esse est percipi»»، ذلك أن هذا الإنسان لا يكون ممكنَ الوجود إلا إذا أبصرته العيون. فلا يكفي أن تلحظ العين شخصه، أو تشاهد صورته حتى تتوافر شروط وجوده، وإنما وجب أن يوجد في مجتمع الفرجة، لأن هذا المجتمع بالذات هو شرط وجود «الإنسان الفرجوي»، أي الإنسان الذي تُعرض صورته باطراد وتواتر شديدين، وتُنشر بكثافة في محافل المدينة، حتى تنتشر في مواضع عرضها واستعراضها. فمجتمع الفرجة هو لا محالة مجتمع المدينة بامتياز. ففي فضاء المدينة تتجمع عروض كثيرة إلا أن القليل منها يصلح للفرجة. فثقافة اليوم تتميز بعبادتها للصورة المرئية، حتى صرنا أسرى سلطانها سواء ما كان منها فاتناً أو رهيباً. فالمجتمع الذي صار التلفاز فيه يجذب إليه الناس قد عود جماهير المتفرجين على أن لا يصدقوا إلا ما يرونه.
 
شبهات
أمام وضع المرئي le visuel الجديد يتعين على الباحث المتأمل في تحول المجتمعات أن يرتاب في هذا الإفراط البصري. فكل ما هو مرئي مفرط في حضوره وظهوره قد أصبح مثيراً للتساؤل والشبهات. بل إن كل ما كان على مرمى البصر ليس بالضرورة قريباً منا على مرمى حجر. ذلك أن العلامات قد أصبحت اليوم عصية على التأويل، تُخفي وراء تجلياتها هوة سحيقة تجعل تفكيك شفرة دلالاتها أمراً عسيراً. فلا وجود للبديهي في عالم معقد، فقصارى ما يمكننا معرفته يظل محكوماً بشتى الافتراضات ومحفوفاً بالشك والارتياب، حتى صارت المعرفة شبيهة بكل ما هو مريب مشبوه ومثير للشبهات. ففي كل إفراط بصري يوجد شيء من العمى يجعل كل ما يُرى يختلف كلياً عما يُفهم منه. ولعله لأجل ذلك أضحى المبدأ الأساسي في مراقبة المجتمعات والثقافات هو أن الكائنات لا تبذل للعين إلا بعض وجوهها، فلا يظهر منها كل شيء، فاستحال حينئذ وجود تطابق تام بين ما يُرى وطريقة رؤيته. فالأشياء مافتئت تزداد كثافة وتعقداً خاصة في مجتمعاتنا المعاصرة، وأضحت معرضة أكثر من أي وقت مضى لهذا التباعد الضروري بين الرؤية والفهم. بل يمكن أن نعتبر انعدام التطابق هذا من خواص المجتمع المعاصر الذي يقترح الفيلسوف الإسباني دانيال إينيرارتي Daniel Innerarity تسميته بعبارة «المجتمع اللامرئي»، وهي العبارة نفسها التي اتخذها عنواناً لكتابه، «La Société invisible». ولكنه منذ البداية يعتبر تسمية «المجتمع اللامرئي» يمكن أن تكون في حد ذاتها خطأ في الحكم والتقدير، خصوصاً عندما تطلق في «مجتمع شفاف» لا عقبات فيه من شأنها أن تعيق النظر. فمشروع الأنوار كان منذ مائتي عام هو إنارة الواقع الاجتماعي بمحاربة كل مظاهر التعتيم التي تخفي حقائقه وتحجب أسراره. ويبدو أن ما يبرر هذه التسمية «المجتمع اللامرئي» هو تكاثر ظواهر التخفي في ثقافتنا اليوم، وهي ظواهر لا تزدهر إلا في أفق المؤامرات والدسائس والمعارك والنزاعات، حيث يتفشى العنف بشتى أنواعه المسمومة. ولهذا يؤكد دانيال إينيرارتي أن دور المفكر اليوم سواء أكان فيلسوفاً أم مراقباً لتحولات المجتمعات أن يكون عمله شبيهاً بعمل الجاسوس، أو مفتش الشرطة الذي يرتاب ويشك في وضوح الوقائع التي يسهل تأويلها. ولذلك وسم الفصل الأول من كتابه بهذا العنوان الجذاب: «الفلسفة بوصفها شكلاً من الجوسسة». فمن أفلاطون إلى ماركس، ومن القديس أوغسطين إلى ديكارت، ومن نيتشه إلى فرويد، كانت الفلسفة شغفاً بكل ما هو مُلغز سري، وعملاً دؤوباً لا هدف له سوى كشف هذا الخفي المستتر وتسميته. ومنذ بدايات الرومنطيقية إلى اليوم، احتلت صورةُ الجاسوس أو المفتش، شيئاً فشيئاً، مكاناً محورياً في الثقافة الحديثة. فإذا كانت الأنطولوجيات القديمة والتيولوجيات الكلاسيكية تتساءل عما يختفي وراء تجليات الطبيعة فإن الفكر الفلسفي النقدي أصبح يتساءل، في عالم قد هيمنت فيه شبكات التواصل المختلفة ووسائط الميديا، عمَ يختفي تحت العلامات، ويتحجب في المخيال الثقافي، ويتستر في الرسائل، ويتوارى خلف شاشات الحواسيب والسمارت فون؟
إن هذا الارتياب المفرط في الخطابات قد طغى على كل المقالات التي جمعها أمبرتو إيكو Eco في كتابه «حرب الزيف» لفضح إستراتيجيات الإيهام. وهي إستراتيجيات لا تعني عند إيكو التقابل بين الصحيح والزائف كما يمكن أن يفهم من عنوان الكتاب، إذ لا توجد في الكتاب تحليلات للخطابات الزائفة محكومة بميتافيزيقا الحقيقة، بل لا يوجد شيء من هذا القبيل. فما يعرضه إيكو في مقالاته هو خطابات تخفي بدورها خطابات أخرى، أو خطابات تعتقد أنها تقول شيئاً ما ولكنها تخفي في واقع الأمر هشاشتها ووَهَنَها وتناقضها الخاص.
وعلى غرار إيكو، أصبح تفكير أغلب المفكرين المعاصرين، من بارت إلى بودريار، ومن بنيامين إلى دي بور، شبيهاً بتفكير الجواسيس والمفتشين، لأنهم باتوا يرون في كل الظواهر اللغوية أشياء خفية وفي الظواهر البصرية أشياء لا مرئية. وكلما قويت درجات التخفي واللامرئية عندهم ارتفعت درجات الارتياب في تفكيرهم.
ويبدو أن الإنسان اللامرئي في أشكاله الديجيتالية الجديدة قد أجج هذه الطرق في التفكير. يؤكد ذلك تلك القواعد الجديدة التي ابتدعتها شبكات التواصل الاجتماعي في بناء العلاقات الاجتماعية. وهي قواعد من نوع خاص تدور جميعاً على مبدأ «السرية» أو «الخصوصية» أو la confidentialité. وهو مبدأ لا يعمق الاختلاف بين الذوات، وإنما ينفي انفصالهم وتميزهم، ليصبحوا جميعاً لا مرئيين، لا أحد يعرف الآخر إلا بمقدار ما تسمح به صفحات الفيس بوك الشخصية، وما يدون على جدرانها. فبقدر ما يحمي هذا المبدأ سرية الفرد وخصوصيته فإن الثمن الذي ينبغي أن يدفعه كل من ينخرط في هذه العوالم الديجيتالية هو أن يكون لا مرئياً. لكن أن يكون المرء لا مرئياً إنما هو طريقة في تدمير للوجه الذي تعقد بواسطته كل العلاقات الاجتماعية في الفضاء العمومي. فالوجه هو الذي يستقبلني منك ويوجهني إليك، ويُحييك كل يوم فتحييني بمحياك. وعندما ينتفي الوجه، ضماناً لكل سرية، يتأسس عالم الأقنعة التي تحجب الوجوه، فتترك محالها شاغرة، ليشغلها هذا الآخر الذي لا نعرف اسمه ولا وجهه، حتى صار قريباً من الشبح الذي عرفه دريدا في كتاب «أطياف ماركس» بأنه ذاك الذي يرانا ولا نراه ولا يبادلنا النظرات، ولا العبارات. فاختفاء وجه الآخر يقلبه إلى شبح، أو كائن قريب من الشبح، لأنه في عام ديجيتالي محروس بقواعد «السرية» أو «الخصوصية» يمكن أن نتكلم بلا اسم، ونتحدث بلا صورة، ونَشْتُم بلا وجه، ونُوقع بلا ختم. فهو بهذه الملامح قريب من العدو هذا إذا سلمنا بأن العدو لا يوجد بالضرورة خارج الحدود، وإنما يسكن هنا، ويعيش معنا، ولكننا لا نعرف له وجهاً. فهل يكون هذا الآخر اللامرئي قد أصبح بالقوة عدواً بعد أن غير أرض المعركة، فلم يعد ينازل ويخاصم في الفضاء العمومي، في العراء وتحت شمس الحقيقة الحارقة، وإنما صار يعارك ويحارب في فضاء جديد، فضاء افتراضي، فضاء ديجيتالي، فضاء لا ينتج إلا الهويات الخفية التي انتشرت كالوباء في شبكات التواصل الاجتماعي. فهذا الفضاء الجديد قد اكتسح الفضاء العمومي، وحل محله، فأصبحت السياسة تمارس فيه وبه، هذا إذا عرفنا السياسة على النحو الأرسطي القديم بأنها ممارسة تهدف إلى العناية بالشأن العام، أو بشؤون المدينة، في الفضاء العمومي. فعندما يتغير فضاء السياسة الواقعي بآخر افتراضي، فإنه ينتج بالضرورة مجتمعاً جديداً هو «المجتمع اللامرئي»، الزاخر بالهويات اللامرئية. وهذه الهويات التي يخفي كثير منها وجهه، إنما هي هويات نُحتت على منوال العدو. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل هذه الهويات الشبحية هي بالضرورة هويات قاتلة؟ وقبل كل ذلك: كيف يمكننا التعرف إليها؟ هل نحتاج هذه المرة إلى مصباح علاء الدين لنرى بنوره السحري هذه الأشباح، أم ينبغي أن نستضيء بقنديل ديوجين المُزْهر في وضح النهار علنا نعثر على الإنسان لا على أشباحه؟ وقبل هذا وذاك: بأي نور سنرى ما لا يُرى إذا كنا جميعاً نتحول كل يوم في هيئة «الإنسان اللامرئي»؟
 
سبب للارتياب
أمام وضع المرئي الجديد يتعين على الباحث المتأمل في تحول المجتمعات أن يرتاب في هذا الإفراط البصري. فكل ما هو مرئي مفرط في حضوره وظهوره قد أصبح مثيراً للتساؤل والشبهات. بل إن كل ما كان على مرمى البصر ليس بالضرورة قريباً منا على مرمى حجر. ذلك أن العلامات قد أصبحت اليوم عصية على التأويل، تُخفي وراء تجلياتها هوة سحيقة تجعل تفكيك شفرة دلالاتها أمراً عسيراً. فلا وجود للبديهي في عالم معقد، فقصارى ما يمكننا معرفته يظل محكوماً بشتى الافتراضات ومحفوفاً بالشك والارتياب، حتى صارت المعرفة شبيهة بكل ما هو مريب مشبوه ومثير للشبهات. ففي كل إفراط بصري يوجد شيء من العمى يجعل كل ما يُرى يختلف كلياً عما يُفهم منه.
 
(الصورة المنشورة : لوحة الرجل الخفي للفنان هنري ماغريت).
 
عن "الاتحاد" الإماراتية.