يوميات قبرص: الوليمة الأرسطية

لطفية الدليمي*

1 - ليماسول 

صوتي يهادن الزرقة في ذاكرة الشتاء، ووجهك يتراءى في سونيتات اغريقية، يزجر الأسئلة ويتوارى مسحوراً بمنطق الأورفيين وشبق الديونيزيين،ورياح من معابد أثينا تراود غابة أرز على مشارف نيقوسيا ليلتحم الأكروبول بوديان الرعاة وثغاء الماعز،

 وتتهاوى الأعمدة في كروم الزيتون والأعناب وأقبية النبيذ عندالمعبد الحجري.

في قبرص يولد الليل من البحر، ويولد النهار من زهور الجهنميات التي نبتت تحت قدمي افروديت حال هبوطها إلى بافوس، نهاراتي تبدأ من الصفر المطلق وتنتهي في حاشية حلم، فأتبدد بين البحر والصفر، وأرشف ملح المتوسط لأمسي بئرا تفورُ بالدموع من أجل ما لا يأتي، وأما ما ضاع مني فما عاد يخصني، كل ما تركته  ورائي وهبته أعطية للعدم في بلاد تنز من سرتها الفواجع.

في شرفة الفندق يستوي كأس الشاي وهدير البحر وحواسي تذوب في فقاعة شذى، والزمن يتآكل بين موجة وأخرى، وأنا أوازن فرار الزمن مني بحب شاسع لرجل لا مسمى، وأتبادل الأنخاب مع ظلِّه الذي يتلاشى في ارتداد موجة وتبددها.

وجه يتراءى في حرير الغياب، وعينان تقنصان النجمة الوحيدة التي تمشط أحزاني وتلعق رماد الحروب عن شفتيّ، ثم تهيئني لإحتمالات و ميتات  تمطرُها على ربعي الخالي: هذه الروح المتوحدة، وهذا الجسد المتبتلُ في رمالهِ ومفازاتِ الأبد.

يحيقُ بي الرحيل الى جزيرة ِالمصائر المتشظية بين حضارتين وثقافتين، وأستطلع لدى عرافةِ معبد دلفى ما تبوح به أصداء زيوس وهمسات الكاهنات الضارعات أمام البانثيون فتقود العرافة ظلال الرجل إليّ، أسرقه منها، فترسل أثينا البومة طائر حكمتها الى صباحي لأصوغ من انتظار الغريب تاريخاً للشجن الحكيم، أدجن وحشتي بنبيذ بافوس ورشفة شاي، وينتابني بحرٌ وتخطفني مرافئ وكاتدرائيات ومعابر وجبال. أحاول لغة أسكبها في الليلة المقمرة، أحاول شايا أسود أنيق الشذى من ( إيرل غري)، لكن أمواج المتوسط عاتية في الليلة المقمرة والوحشة ترفرف في جسدي مثل سارية الغزاة. فترتد الكلمات إلي بعد ارتطامها بمستحيلات العيش في هذا العالم، ليتخذُ الشايُ مذاقَ الدموع و طعم  الضلال في التيه البحري.

أطرق على التاريخ فلا يرتد صدى، التاريخ أمة من الموتى والأساطير، أطرق على الليل فلا تنهمر النجوم، أطرق على الحاضر المائل فلا أجدني، على البحر القادم من أثينا، على الموجة الراكضة إلى كريت، أطرق على أحزان مدني فلا يرتد صدىً، ويرتعش الشاي في استدارة الألم، كما ترتعش مدينة في أول الغزو..

2- الوليمة الأرسطية المائلة 

سفن الميسينيين تسبق زوارق الآخيين محملة ً بالزرقةِ واللقالقِ والجرار المترعة نبيذا. آشوري غائم الحدقتين يهبط في ميناء كتيون، يسوق الغمائمَ بسوط ٍ له مقبض ُذهب وجديلة شعر عذراء، يسأل عن مقهى يقدم شايَ النسيان والجواري المجلوبات من تراقيا، ومن ذراعيه يعبق عطر سميراميس وشذى المسك الجبلي.

رعوني غريب يترجّل من سفينة أداد سيد العواصف مدرعاً بالأناشيد والعاج، ومتوجاً بإكليلِ آيات من نينوى، يبحث عن معبد الجزيرة المشيّد بأقراص عسل وأجراس من شهوات، وسفن الأثينيين تغادر التاريخ الى الوليمة الأرسطية لتضيع في تيه الذكورة الفادح، وتضحي بالأثينيات المأسورات في حفل ديونيزيوس قرابين لوليمة أرسطو المائلة، وسفن المهاجرين تصارع نوء البحر في شتاء الأوديسة، وأنا بنيلوبي، التي تنقضُ نسيجَها كلّ ليلة أمام معبد أثينا، وتعيد حياكته في الصباح لخداعِ الزمن وعشاقها و وتترقب بزوغً وجه من وراءِ سديمٍ أو معبد ٍ أو حكمة منسية.

سفن الآخيين تحمل آلهة من نحاس ومعبودات من برونز وأيقونات من كنائسَ بيزنطية، وتبحر تحت سماءٍ من خشخاش أحمر، سفن الفراعنة توصدُ المرافئ بصورة رع فيفيض النور على أروقة بوسايدون وشارع الملكات في ميناء ليماسول ، سفن وربابنةٌ وملوك و جيوش وغزاة يحرفون الوقت عن مساراته، ويشيرون إلى انتظاري برايات قرمزية، أخالهم فوضويين من بقايا الكومونة و سرعان ما يلتهم الموج  راياتهم وبروقهم.

أنصت في ليلة النوء إلى هذر الموج ولغط المرافئ وصراخ الغرقى وموسيقى الحانات، وأنا اطل من شرفة فندق ( لويس أبولونيا بيتش ) على المتوسط الهادر وأستل صوتك أيها المجهول من براثن  الموج، وأعلقه أيقونة على جبل وراء مدينة تسكر بالدم، أهجس في الليل همساً عبر المزامير، ويغمرني عطر ليمون مملحٍ بالعبرات، والشاي لا يتسع لغير اليقظة على موسيقى ثيودوراكيس.
أذوب وحشة في نبرة الرعد، أذوب في عرفِ موجة ضالة، ورغوة البحر تلعق قدمي الغاطستين في ساعة الرحيل فأمسك بزمام أوهامي حيث يتداعى جليد الصمت، وأهرب من يقظة النار. يدركني نبض الطين، يدركني ماء الحياة، تدركني رجفة الأصابع، تدركني لذة الموت، فتجيء الحياة من عماء الخليقة الأولى: ومضُ ابتسامة يبادلني الشغف المحرم،
  انحراف مفردة ٍ في حبكة الحكاية الباهظة.

أهيئ في الشرفة المطلة على البحر قدحين من شاي معطر بالبرغموت، وأصفح عن حيادي، أروّضُ الحب في مضامير نكراني، أسوط الكلمات لأخرسَ رنينها الصدّاح، أفتك بالمعنى وأزجر الاستعارات، وتنتحب اللغة بين صمتي ووجه الغريب. حوارات الليل ظلُ لآلامي السعيدة، وأنت الغريب النائي  تهتف من أبعد الشبهات : أنا قدر على مقاس حلمك يا ابنة أور.

 3 – البحر أزرق من حبر الاساطير 

  هو البحر يسمي النهايات ِ ابتداء والبدايات خرافة. هو البحر شاي أزرق من حبر الأساطير، هو البحر حرير من أنين السماوات،أرفو به صدوع الحروب وخسائري وتمزقات حياتي بين المنافي، وأحتشد بأشذاء نبيذك المخمر في خوابي الكلام. هذا أول القول وآخر الهفوات، واللغة تسترد أقاليمها من أفواه الذين تماثلوا للخرس تحت سياط الجلادين وبنادق المارينز. لا لغة تقال بعد، ولا طوفان غير عباراتك البكماء، لا سبيل لي سوى فراري مني إلى بلاد لا اسم لها.

 4 - ميناء بافوس 

رماد براكين بافوس يعلو زبد البحر، صخور الآلهة سوداء ترتمي في الخليج الأزرق، وترتل أنشودة أفروديت المستلقية على شغاف الغمام، أما رمادي فإنه يصون جمرتي بانتحاره البارد. والشاي له طعم الحنان الماطر من النوارس السعيدة وهي تلطم زجاج المقهى بعد أن عبرت جسد أفروديت النائمة في المرفأ، ونثرت أجنحتها على النهار الغارق في دموع الضارعات أمام معبد دلفى، وأنت أيها الغريب تنشر قلوعك فوق سفينتي المحطمة، تلوح لي بالنجوم التي قطفتها من جبل أوليمبوس وتعزف على قيثارة أورفيوس قبل أن أهبط وحيدة إلى جحيم ارشكيكال ملكة الموتى وأقاليم الظلمات.

مثل برق مباغت تأتي احتمالاتك مما وراء الغيوب وتتوارى في نشيجي، ثم تغدو الى أسوار كورنثة أو معابد منف وتهتف بي من معبد آمون:

- غداً تجديني عند باب الحياة أو إن شئت تعالي إلى الغد، فأنا أقيم على تخوم الشمس.
تسقيني رحيق أساطيرك ممزوجاً بخلاصات أعناب وتمور، تخبرك ملكة العالم السفلي أن لا تلتفت نحوي وإلا قضيت عليّ لكنك تنسى الوصايا وتنساني عند مفارق النوء على شاطئ المتوسط، وأنت ترود المخاطر بين حزن وحزن، وتبدد تراتيلك في البراري وبين الخلجان الغامضة، وتهدرني عند احتراق اللغات تقتفي خطى يوليسيس وتصطاد أيقوناتي من المضائق المالحة، وتلوّح لسماء سوداء ترملت بموت سيدها العتيق حسب بلاغ نعي مبتسر من نيتشة.

يجرفني موج المتوسط الى خلجان السيرينات وأمون يخطفك من عناقي. تعزف ميوزى على درع سلحفاة وتسحر الملاحين فيلقون بأنفسهم في عين العاصفة، أما أنت فتنجو من سحر السيرينات بالفلك الذي صنعته لك من نسيج أهوائي وحرير الانتظار.

تترنح مخموراً في مدنك وأقنعتك  وأنتظر وحيدة في شارع (مكاريوس). أرنو إلى رحيلك في الغمر والسيرينات يكممن فمي بأيديهن التي من أصداف البحر، ويحِلنَ دون بلوغ صرختي الى مسامع الإله آنو في أور المحتلة. تقدم لى النادلة الصغيرة قدح الشاي فأرى السيرينات مرسومات على الخزف القبرصي، محاطات بالراقصين العراة وضاربي الطبول وحاملي التقدمات من ماعز الجبل وطيور البر وعسل الكهوف، والشاي البافوسي له طعم شهقة على وسادة الريح و نورس سعيد يلاطفني بجناح مغموس في الليل ينثر على قميصي ملح الخليج الأخضر ليورق جسدي بأعاجيب من وهم حبي لرجلٍ من ظلال، وبلادي ظلال تنوء بأغلال فقهها الأبله.

5 - نيقوسيا 

المدينة تموه وجهها  بأقنعة لندن مستعيرة حافلاتها الحمر ومتاجرها واسم عملتها، المقاهي والحانات مكتظة بالسائحين وأنفاس شاي تعبق من سماورات خزفية في مقهى صغير على رصيف شارع مكاريوس، لا شيء يغوي في لسعة البرد الجبلي سوى قدح شاي في مقهى أنيق رصت مقاعده تحت مظلات شاسعة ونصبت مدا فئ كهربائية كأعمدة النور تحت سقف المظلة. وحدي أحمل وطناً زائلاً وحولي العشاق والمحتالون والأمهات والبنات اليافعات والرجال المتأنقون بمعاطف وأوشحة من صوف الكشمير، والسائحون البلهاء يحدقون بالكامرات أو يرشفون كؤوس البيرة مع أطباق رخيصة من البيتزا، ويشترون ملصقات لفيلم زوربا الذي صورت بعض مشاهده في هذا المقهى. 

اكتفي بالشاي ورنين اليونان يتعالى في مقطوعة من موسيقى البوزوكي يعزفها رجل نحيل على الرصيف المقابل، أغمض عيني وأرشف الشاي وأراك تنبثق من العبير الساخن. موسيقى البوزوكي تحضن جسدي وتحتويني النغمات الشرسة وتغويني بالغناء، وأقاومها تغويني بالرقص فأعاندها، تغويني بعناق ظلك الغامض، وحين أحيطك بذراعي لا أمسك سوى الهواء، ولا أرى غير الجدار الذي يشطر قلب نيقوسيا إلى مدينتين : تركية ويونانية. تصطدم أصابعي بقدح الشاي وأحدث ضجة تستدير معها الوجوه اليّ وتنقذني ابتسامة النادلة السمراء من ارتباكي، وتسألني إن كنت أريد المزيد من الشاي، أقول لها:

نعم.. وأعيد تكوين اللحظة من رنين خسائري.

 6 - في متاهة لارنكا 

قلب المدينة مخصب بالموسيقى وأعياد باخوس، تأخذني أوهامي إلى حيث يقام في الكنيسة البيزنطية قداس المساء، أجتاز الممر الرخامي، الأعمدة الهيلينية، البوابات المنحوتة من خشب السنديان، وأجلس على المصطبة العتيقة، أتجلس معي؟ عيناي غائمتان برؤيا مرورك، عيناي مطبقتان على نظرتك، شمعة عملاقة تضيء المذبح وصورتك تغالب الأيقونة المذهبة وتحط في حدقتي وتنام في الألق. مخدرة بموسيقى الأرغن العملاق أذوب على سنديان الأعمدة، تغادرني صورتك إلى غيابك وأنا مستغرقة في التراتيل تنسدل علي عباءات البخور، وغواية زهور غامضة هي مزيج من أقحوان الخريف والمنوليا التي تستدرج الحواس إلى هيامات الرغبة.

يرش القسس مساء الكنيسة بالمزامير، ويوصدون باب الجحيم بالغفران، ويستبقون لي رشقات من ذهب الأساطير. ينتهي كل شيء، أمضي في متاهة المدينة القديمة وحدي أسير ساعات دون أن أخرج من المتاهة ويرشدني شذى الشاي إلى المقهى البحري المستلقي على حدود الماء وزبد الأمواج، أطلب شاياً وفطائر تفاح وأنتظرك حتى يتحجر الموج في هيئة حوت أو سفينة، ويتجمد البحر متخذا سيماء بوسايدون ويشير إلى سفن من فضة البرق، تهيم في عبق الشاي والزوارق تروح مترنحة في أحضان الزرقة: استعارات ماجنة لرحيل الرعاة نحو كهوف النشوة.

 يسوّد الشاي أكثر في قدحي، تسوّد حافات الأفق، ليل البحر أسود ترقشه ثقوب ضوء  وأنت تغالب الثمل في حانة ترش عتمتها على  الحواري العتيقة. أعابث كل اللغات، لا رنين للكلمات، وحدها مدينتك تضج في الزمن، أفراسها تترادف في تأبين البطائح الضحلة وذئابها تنوح لدى مرور القمر، أعدو في مياهك لاشيء سوى أصداء من طوفان التكايا، وغير فقهاء يتنادون في عتمات الزمن ويتداولون جدل التطهر من قطرة دم أو لمسة أنثى قبيل الركوع.

يدك تلوّح لمدن الغد، ودمك سحابة تمطر همس المرايا، تلويحتك تستدرج وحشتي إلى معابد وأيقونات، أتبعها.. أتبعها مسرنمة مغيبة بفتنتها، ونداءاتك تتخاطفني كأنها موسيقى السيرينات، فأجدني قد ضللت الطريق إلى خوفي وشخصت بمصيري إليك في رؤيا التيه المائي أرنو إلى المضيق الأخضر، أنصت الى صوت مغنٍ ريفي يترامى في الزرقة مع ناي من قصب يروي حكاية الاسكندر لعابري التاريخ المتعجلين.

* روائية وكاتبة من العراق مقيمة في الاردن