هدير الحمام

أسامة ملحم*

" السيّد" الجندي في الحاجز، في يمناه بندقية وقوانين الطوارئ، سوطه، وفي يسراه الكفّة الأخرى، يفترض أن يكون واجب الالتزام تجاه إنسانيته ، إذا توفرت ، فأي الكفّتين يا ترى ترجح ،  في ميزان عقلية المحتل المختل ؟.

لا كفّة وسطى ، في الوسط الشخص " الأخضر" ، أخضر؟ ، ألأخضر هو الزي العسكري .

ألجندي  ذلك الماسح البصري الذي يُشَخّص لون البشرة وملامح التراب في الوجوه، ويميز الأصوات وسلامة مخارج الحروف، يفتش عن " ضاد" مثلاً في ثنايا الحوار المبتذل ، ليدينك بالانتماء إلى ذاتك.

الحوار  على  أرض الصليل الزائف ، زائفٌ ، وهديل الآليات العسكرية.

في عنق الزجاجة ، الحاجز ، حيث عبثاً تفتش عن مكامن الوضوح في الوجه الخفي للقمر ، في عنق الزجاجة كل شيء ضيّق ، الفضاء ، الأفق ، الأمل ، مساحة الأفكار ، الفرص ، الطريق ، الحلم ، اللغة والحوار . الحوار؟ الفصول ضيقة وعتمة الليل والنهار، وعبثاً تفتش عن مكامن الغموض في الوجه الجلي للقمر.

" السيّد " الجندي يأمر بندقيته فتأمرك بالتوقف ، ولماذا عليك ، أيها المدني الامتثال لإملاءات دمية عسكرية لونها أخضر ؟ أي أخضر ، أي بطيخ ؟.

تحاول أن تتجاهل حالتك الراهنة ، لا لتخرج من لزوجة موقف زُج بك فيه، بقدر ما أنت لا تريد أن الانتقاص من فرصة التمتع بفرحة لقاء من ودعتهم للتو، وقد حملت من عطر من أحببت ، هناك ، إلى من أحببت هنا ما تعجز حتماً عن حمله ناقلات الجند مجتمعة، وهي على أهبة غزوة .

" السيّد" الجندي في الحاجز ، على ضآلته ، يختال مزهواً كمن أدخل أمن المنطقة بأسرها، في عهدة ربّاط نعليه اللمّاعيّن، لدرجة تنعكس فيهما رتبة قائده العالية على كتفيه العاليتين ، إذن الحوار .. أم كلثوم في مذياع سيارتك تصدح بالأولة في الغرام ، وأنت طرب ودّعت عما قريب أحبةً على أمل لقاء قريب،  ولاقيت ذلك الوجه المحلوق عن آخره يلمع كما تلمع سبطانة بندقيته وبسطاره. يهجم عليك بالسؤال " إلى أين ؟" إلى أين ، تُستَفَز ، وأي سؤال هذا ؟ وأنت تنتقل انتقال الدم من قلب الوطن إلى رئتيه  " وكان وصاله وداع من بعد طول امتناع " تتدخل أم كلثوم.  يحملك استفزازه على "التطنيش " فلا تُحَمّل يدك مشقّة الامتداد إلى مفتاح الصوت لتخفضه، لتؤكد هويتك قبل أن يطلب منك بطاقتك المشخصة .

" السيّد" الأخضريُستَفَز فليس هذا الصوت الذي يحب ولا اللغة .

" ماذا تنقل في صندوق السيّارة ؟"  تخال أن البندقية هي التي تسألك.   

وتحاور ذاتك " رائحة القدس ورام الله ، ريحة الحبايب " عبأت قلبي بها فتجدد نبضه، وفتحت مسام جلدي عن آخره لعلها تتغلغل في شراييني وتقيم ".  

-" هوا " قلت .

" السيّد" الجندي الذي ملامحه لا تتماثل مع هذا التراب، ولم " يُريحن " من ريحانها، ولم  يُملّح  من ملحها،  ولم يَعُبّ نَفَسَه الأول من هوائها فلم يفهم مدى أهميّة هذا الهواء لرئتيك، ولمّا لم يجد بحوزتك غير الهوى والأوراق الثبوتية سليمة فيحررك على مضض ٍ، أنت يهُزّ بدنك أن تكون تأشيرة دخولك من الداخل إلى الداخل على يديه .

فوق نقطة التفتيش علم يخفق، يقفز إلى ذهنك مصطلح " هدير الحمام " لماذا ؟.

" سافر حبيبي " تختم أم كلثوم بالصوت العالي.

 

*  شاعر وكاتب من فلسطين ـ الجليل