نوبل2010 تذهب ليوسا روائي الفضاء المعرفي والعلاقات الحرجة

يوسا بعد إعلان فوزه

محمود منير*

أخيراً حالفه الحظ. فبعد انتظارٍ دام أكثر من عشرين عاما،ً فاز الروائي البيروفي ماريو فرغاس يوسا بجائزة نوبل للآداب الخميس الفائت 7 أكتوبر 2010، ورغم أن ترشيحات النقّاد رجحت فوز عددٍ من الشعراء ، منهم أدونيس و السويدي ترانسترومر، فإن الأكاديمية السويدية أبقت على "تفضيلها" للسرد فمنحت الروائي يوسا جائزتها.

موقع لادبروكس الشهير للمضاربات والتوقعات، الذي طالما صدقت تنبؤاته ً، وضع اسم الروائي البيروفي في ترتيب لم يتقدم عن الموقع العشرين ضمن الأسماء المرشحة التي أبرزت الشعراء حتى وقت قريب من إعلان الجائزة، لتتغير التوقعات لصالح الرواية مبرزة الأميركي مكارثي والياباني موراكامي والكيني واثينغو والهنغاري ناداس، لكن النتائج فاجأت الجميع فأحرز صاحب "حفلة التيس" أرفع جائزة أدبية عن أعماله حول "بنية السلطة والصور الحادة لمقاومة الأشخاص وثوريتهم وإخفاقاتهم" كما ورد في حيثيات منح الجائزة.

"السلطة" التي حلم بها يوسا طويلاً، المولود في البيرو العام 1936، دفعته إلى انتقاد الأنظمة الدكتاتورية في قارة أميركا اللاتينية، ولتبنّي آراءٍ ليبراليةٍ ومؤيدةٍ لسياسات الولايات المتحدة ولـ "ديمقراطيتها"، و"حلمه" بالسلطة" كان وراء ترشحه للانتخابات الرئاسية في بلاده، لكنه هزم أمام خصمه البرتو فوجيموري، الذي أبقى المعركة مفتوحةً من خلال رفع قضايا مالية "ملفقة" على يوسا، ما اضطره إلى مغادرة البلاد.

"لا يفترض بالكاتب أن يكون مسلياً فحسب"، عبارةُ تضمنها بيان الأكاديمية السويدية، في إشارةٍ ضمنيةٍ إلى معايير أخرى اعتمدتها، لجنة التحكيم في اختيار الفائز بجائزة نوبل للآداب 2010، وهو ما أكدّه سكرتير الأكاديمية في وصفه يوسا بأنه "أديبُ ملتزمُ بالمجتمع".

"التزام" صاحب "حرب نهاية العالم" لا يختلف كثيراً عن قدرة الكاتبة الألمانية هرتا مولر، التي نالت الجائزة السنة الماضية، في تصوير حياة المحرومين في ظل ديكتاتورية نيكولاي تشاوشيسكو  في رومانيا (موطنها الأصلي).

ارتباط يوسا، الحائز على جائزة ثربانتيس، بالسياسة لا ينفك مهما حاول الخلاص منه، ففي زيارته للعاصمة الأردنية عمّان قبل أربع سنوات، اشتكى من أسئلة المثقفين في أثناء لقاءٍ جمعه بهم بعنوان "اعترافات أديب"، التي طغت عليها السياسة، وخاصةً بما يتعلق بمواقفه من غزو العراق والقضية الفلسطينية.

في إحدى زوايا المركز الثقافي الملكي الذي احتضن اللقاء، أبدى يوسا لكاتب هذه السطور رغبته لو تركز الحديث حول رؤيته لتاريخ المنطقة العربية وتأثيرات حضاراتها القديمة، لكن اللياقة دفعته إلى الإجابة عن أسئلة ما كان يتوقعها.

رغبة يوسا، أستاذ النقد في جامعة برنستون بنيويورك، في الإخلاص للأدب صادقة لأسبابٍ كثيرةٍ ربما في مقدمتها خساراته الثقيلة بسبب السياسة، لكن رغبته لا تبدو مقنعةً لانخراطه الدائم في إبداء وجهات نظرٍ سياسيةٍ تثير الجدل حوله، وتؤكد مواقفه "اليمينية".

حَلُم صاحب "رسائل إلى روائي شاب" أن يكون كاتباً مسرحياً جيداً، لكنه حمل معه طوال نصف قرن، مخطوط مسرحيته الأولى بعنوان "هروب الأنكا" مواصلاً كتابتها كتعويذة ستموت معه، غير أنه لم يصمد أمام إغراء الرواية فنشر عمله الروائي الأول بعنوان "زمن البطل"، الذي حقق له شهرةً واسعةً حفزته لكتابة روايات أخرى لاقت استحسان النقّاد والقراء معاً.

"العمة جوليا وكاتب السيناريو" تعدّ إحدى الروايات الشهيرة له، لتحولها إلى فيلم سينمائي فحسب، والأهم لارتباطها بقصة حب نادرة جمعته بمطلقة عمه جوليا، وانتهت بزواجه منها رغم أنها تكبره بأكثر من عشر سنوات، وقد ألهمته علاقته هذه بكتابة تلك الرواية.

"العمة جوليا" كانت عشيقةً وبطلة إحدى رواياته، وكانت ضحيةً أيضاً حيث لم تبدِ رضاها عن تصوير يوسا لعلاقتهما في كتابه، ونشرت رؤيتها الخاصة لهذا الزواج في كتاب بعنوان "ما لم يقله الصغير فارغاس"، وأشارت إلى أن الانفصال حدث بسبب اعتراف يوسا أنه يعيش قصة حب مع باتريثيا ابنة أختها، وهي الزوجة الحالية للكاتب.

يوسا، الذي سيصدر روايته الأخيرة "حلم الرجل السلتي" في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، يرتكز في رواياته على وصف الضعف الإنساني، سواءً في تصويره موضوعاتٍ سياسيةٍ أو علاقاتٍ عاطفيةٍ، وتشكّل روايته "امتداح الخالة" أنموذجاً فريداً لأسلوبه حيث تعرض علاقةً محرمةً بين فتى لم يتجاوز الثالثة عشرة بزوجة أبيه.

القصة المثيرة التي أبدع خابتكارها يوسا في تلك الرواية، لم تكن إلاّ حيلةً ذكيةً لتناول ستة أعمالٍ فنيةٍ إيروتيكية ضمنها في آخر الكتاب لفنانين كبار مثل: "ملك ليديا يعرض زوجته على رئيس وزرائه" لجاكوب جوردانز، و"ديانا أثناء استحمامها" لفرانسوا بوشير، و"فينوس مع كيوبيد والموسيقى" لتيتان، و"رأس" لفرانيسي بيكون، و"جدارية دينية" لفرا انجيليكو، و"الطريق إلى منديتا" لفرناندو دي سزيسلو، فبرع في وصفه الأخاذ لتلك الأعمال، ملتقطاً تقاطعاتها مع سيكولوجية العلاقات الجنسية. 

راهَنَ يوسا على أسلوبه المختلف عن جميع أبناء جيله في قارته، وتعامل مع الأدب بوصفه فضاءً معرفياً، يوثق التاريخ ويستعير من دراسات علم النفس والعلوم الاجتماعية، فقطف نوبل التي قد تعوضه عن هزائمه السياسية.

* كاتب و صحفي من الاردن