مستويات التبئير والتقاطعات السردية في "نقش في الحرف"

محمد يوب*
1: تعدد السرد ووحدة الرؤية
تعتبر القصة القصيرة جدا من الأجناس الأدبية الحديثة التي تتصف بالزئبقية،

والانفلات الذي ينهض ويتحرك على مستوى المفردات و الجمل القصصية، وتزداد تعقيداً وصعوبة في الدراسة النقدية عندما تُسرد بصيغة الجمع، حيث تتعدد الرؤى وتتعدد معها أساليب السرد المختلفة عند القصاصين المشاركين في مشروع قصصي.

وفي "نقش في الحرف" لجماعة برشيد المغربية، تزداد المجموعة القصصية صعوبة وتمردا على القارئ/الناقد، لما تحمله من رؤى متباعدة ومختلفة باختلاف وجهات نظر أصحابها، مما ينتج عنه صعوبة في اختيار آليات قراءتها، فيشعر القارئ وهو يقلب صفحاتها أن كل قاص قد نفث بعضاً من روحه في اختياراته التجريبية، وصب فيها رؤيته إلى العالم انطلاقا من منظوره الخاص ومن زاوية قراءته للعالم، لكن هذه الرؤى المتناقضة المنطلق لها الهدف نفسه والتوجه ذاته،وحينها يصبح الاختلاف والتناقض في الرؤى في خدمة التفتح الإبداعي...

إنها رؤى ثاقبة إلى العالم  تتقاطع عموديا وأفقيا مع الطرح العام للمثقفين المغاربة،تعبر عن آلامهم و وآمالهم بكل صدق وإحساس مرهف.وكان لهذه الطريقة في الكتابة أثر كبير في نفسية المتلقي حيث إنه أصبح عنصرا مشاركا في عملية السرد القصصي. لقد أصبح المتلقي هدفاً عندما استوعب المجموعة القصصية، وتذوق دلالاتها وحمولاتها الفكرية،ومن ثم أصبح عنصرا مشاركا متورطا في عملية السرد، وذلك بقراءة ماوراء السطور، فلا تلبث عيناه أن تزيغا عن القراءة إ ويجد نفسه منغمسا في جوهر مواضيع القصص ومقترحا لمجموعة من الحلول الممكنة التي تعطي تفسيرا وتأويلا للأسئلة المطروحة، والإشكاليات التي تبقى معلقة وتحتاج إلى إجابات تقترب أو تبتعد من المشروع الفكري و المنهجي المخزون والمنقوش في ذاكرة الأدباء الخمسة.

ففي قصة"وهم" للقاص محمد أكراد الورايني نجده قد استغل وسيلة الحوار،فأثناء حوار الحبيبين عن صدق حبهما،يجد القارئ نفسه عنصراً مشاركاً في هذا الحوار من خلال الفضول المعرفي لتتبع ما وراء هذا الحوار،وما تخفيه الحبيبة تجاه حبيبها (قالت له إنها تسمع دقات قلبه تنطق اسمها..ابتسم وقال في نفسه:طيبة أنت وواهمة أنت....أما هي فكانت تردد في خلدها كلاما آخر)ص28 .

وتزداد المجموعة القصصية قوة وترفع مستوى وإيقاع الرؤية إلى العالم عندما يطرح القاص كمال الدين الصقلي، موضوعا بالغ الأهمية وهو استغلال بعض المنتفعين من أزمات الفقراء وذلك باستغلال أراضيهم الموجودة في المركز عن طريق إحراق بيوتهم القصديرية وعدم الرد على استغاثاتهم،وتركهم تحت رحمة النيران التي تلتهم أغراضهم من أجل الانقضاض على أراضيهم وترحيلهم إلى المجمعات السكنية الضيقة المنتشرة في أطراف المدينة(بعد الإطفاء بأيام انشق رماد دور الصفيح فانبعث فندق من خمس نجوم)ص56 .

وهي الصورة نفسها لدى القاص عبد الغني الصراض، الذي تتبع عن قرب تحين الفرص عن هؤلاء المنتفعين الذين يتصيدون الفرص تباعا،واستغلال حاجة الفقراء(على الجانب الأيمن من الحارة التي تحمل تاريخي ،انهار المسجد العتيق..المدرسة القديمة.على الجانب الأيسر من الحارة التي أحمل تاريخها،شمخت الملاهي ...المراقص...و..) انهيارص16 .

وتلتقي الرؤية عند القصاصين على مستوى اختيار المفردات المناسبة ،والعبارات القصصية الواحدة ،بل تزداد درجة التقارب لتنمحي الفواصل إلى درجة اختيار العنوان الواحد (انهيار)الصفحة16 و(انهيار)ص57 وهذا دليل على وحدة الموقف الأيديولوجي والفكري الذي يجمع هؤلاء الكتاب ،لأن إطارهم المرجعي والفكري و الثقافي واحد.

وهكذا يسترسل القصاصون الخمسة في التقاط مشاهد من الواقع الاجتماعي، ومن الحالات النفسية التي يلتقطونها من ملامح الفقراء الذين يستغيثون دون أن تلقى أصواتهم صدى أو ردا يشفي غليلهم ويحل همومهم،فكانت مجموعة"نقش في الحرف"وسيلة لتتبع هموم هذا المواطن المغلوب،وفرصة للحكي بصوت عال عبر بوابة الكلمة المعبرة و المسؤولة.

إن الأدباء الخمسة يتراجعون إلى الخلف ليتركوا الباب مفتوحا لصوت المتلقي، كي يصوغ قصته بالأسلوب الذي يريد،وبالمفردات اللائقة التي تناسب المحيط الذي يعيش فيه ومدى اتساع وضيق رؤيته إلى العالم.

 

2:مستويات التبئير في"نقش في الحرف"

تزداد الرؤية إلى العالم ضيقا إلى درجة التبئير((focalisation وتحديد زاوية الرؤية من أجل وضع الظاهرة الاجتماعية  بؤرة((focus تحت المجهر، وتسليط الأضواء عليها ليراها المتلقيوسيلة للتعبير عن همومه بلسان هؤلاء الأدباء، وكان الأدباء الخمسة خير معبر عن هموم القارئ وتطلعاته،وقد اعتمدوا على ضمير الغائب في كل القصص لتتبع المشاهد والأحداث القصصية كي ينحسر صوت القاص يتأخر قليلاً فاسحاً المجال لصوت القارئ الذي يساهم في ملء هذه الضمائر الغائبة بالضمائر المتكلمة،

إلى درجة اختلاط أصوات القراء بأصوات القصاصين الخمسة وكأننا أمام كراسة أو مدونة مكتوبة بلغة الفطرة و الطبيعة التي تجمع كافة شرائح المجتمع.

وترفع المجموعة القصصية المشتركة من مستوى الرؤية إلى مستوى التبئير،فنلاحظ بأن القصاصين الخمسة لا يكتفون بتسليط الضوء على الظاهرة الاجتماعية، وإبداء آرائهم فيها من خلال رؤاهم الفكرية ومواقفهم الأيديولوجية،وإنما يعتمدون على تضييق درجة الرؤية إلى حد الجمع بين الرؤية الذهنية التي توحي بالرؤية البصرية،وذلك بوضع الجملة القصصية تحت المجهر لتسليط مزيد من الضوء عليها،من خلال عملية التبئير،فقد حاول القصاصون التقاط مشاهد من الواقع بأعين القراء(بعد هبوطه من طلعاته لقصف غزة وأهلها،كان الطيار الاسرائيلي يسجل يومياته على مفكرته....اليوم الأول طلعة مباغتة ...قصف مكثف...قتل بالجملة...اليوم السادس،شعب لايموت)ص32. نلاحظ هنا مدى ضيق درجة الرؤية في هذه القصة حيث إن القاص الواريني ينقل إحساس الطيار الاسرائيلي، وهو يصف من الداخل وبشكل حرفي ما تتطلبه المذكرات و اليوميات في قصة قصيرة جدا،فنجده يتقمص دور البطل في القصة وهو يحكي مجريات أيام القصف على غزة،مبينا نفسية الطيار العدو وهو يحمل في داخله المعتقد الديني الذي يحدد أيام العمل عند اليهود في ستة أيام ليرتاح في اليوم السابع.

من هنا تظهر لنا عملية التبئير في التقاط المشاهد من الداخل و التعبير عنها وكأن القارئ يعيشها ويتفاعل معها،فالقاص يحول اللفظي إلى مقروء،كما يحاول ترجمة المرئي إلى لغة،وهذه الجمل القصصية توحي للقارئ بالنهوض والحركة في إطار زمكاني،في سياق يكسر أبعاد زمن الوقائع لتخترق بقوة زمن القص الذي كتبت فيه هذه القصص.

في هذه المرحلة يختلط البعد الزمني بالبعد النفسي،ما يدفعنا إلى تصديق دلالات هذه القصص والتفاعل مع حمولاتها الفكرية القائمة على مبدأ الصراع والاختلاف المفضيات إلى التطوير و التجديد.

كما أن لغة السرد لا تكتفي بتمثل الواقع ونقله أدبا متخيلا،وإنما ترقى به في خط عمودي يساعد على تتبع حركية الأحداث وتطورها، رغم ضيق حجم فضاء القصة الذي تتحرك فيه هذه الأحداث.

في قصة"العرس" نرى وجها آخر من أوجه التبئير، وهو التبئير الخارجي الذي يعتمد فيه السارد على وصف المشاهد والأحداث من الخارج، من خلال نظرة بانورامية تتابع مجريات الأحداث من أعلى،وكأن السارد يجلس على منبر الأحداث ، يحاول اختصار الزمن وتكثيف مفرداته المتناثرة على بياض صفحة القصة لترسو أخيرا في ذهن المتلقي، فالقاص الطالبي يصف لحظة حزينة ابتدأت بفرحة العرس لتنتهي بحزن الانتحار في مشهد جنائزي ميلودرامي(دخلوا غرفة العريس..وجدوه قد علق نفسه بحبل بعدما قتل العروس.. كان نفس الحبل الذي لعبت به القتيلة وهي صغيرة) العرس ص45 . القصة هنا تميل إلى الوصف السيكولوجي والاجتماعي والسياسي للظواهر وللشخصيات الرئيسية في القصة،‘إنها كتابة تعتمد على النبش في الذاكرة و النقش في الحرف، ويستجيب فيها الحرف للذاكرة المخزونة في متخيل القاص وتلتقي مع متخيل القارئ،وهي حروف تنتظم لتؤثث فضاء هذه القصة.

 

3:خاتمة وتعليق

تدخل المجموعة القصصية  "نقش في الحرف"تدخل في إطار الكتابة الأدبية المشتركة، التي بدأت في الأعمال الروائية المشهورة لدى عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا في "عالم بلا خرائط"وهي الرواية التي تمزج بين أسلوبين مختلفين إلى حد التناقض، لكن لا يمكن التمييز بين صاحبي هذا العمل الأدبي الراقي ،وهذا ما يتجلى في هذه المجموعة القصصية لولا اختيار حيز مكاني لكل قاص ولولا كتابة عناوين قصص كل قاص على حدة،ولو تم ترك القصص تتحرك على عواهنها دون تدخل من يد الناشر أو التقني في الطباعة لكانت أفضل ،لأن هذه المجموعة تحمل الهم الاجتماعي و النفسي و السياسي المشترك،إلى درجة لا يمكن القارئ معها التمييز بين أسلوب أصحاب هذه المجموعة، لولا تمييزها بالعناوين وذكر أصحابها.إنها صادرة عن معاناة فئة من فئات المجتمع الذي يعتبر هو نبض الشارع المغربي وهي فئة الطبقة الوسطى التي تحمل الهم المعرفي و الثقافي.إن القارئ يشعر كأن هذه القصص صادرة عن عقل واحد وعن تجربة واحدة.

كما أن اشتراك مجموعة من القصاصين في مجموعة واحدة، يحيلنا إلى إشكاليات عميقة يمكن طرحها على شكل تساؤلات

:هل اشتراك هؤلاء الكتاب راجع إلى أزمة نصوص أم إلى  أزمة طباعة ونشر؟،

:هل لمهنة التدريس أثر في هذا العمل القصصي بحيث يمكن اعتبار هذه المجموعة القصصية نموذجا من نماذج مدونات القسم التي يسجل فيها كل تلميذ ذكرياته؟،

:هل عجز المبدع الواحد عن أداء دور المثقف العضوي؟،

:  وأخيراً هل آلية صناعة الثقافة ونشر الوعي الجمعي و الجماعي لابد له من إبداع مشترك لتمريره على الوجه الصحيح؟. 

 

* ناقد من المغرب