نظرة على ترجمات القصة والرواية النسوية العربية

إياد نصار* 

بدأت ترجمات القصة والرواية العربية الى اللغات الاخرى- وبالذات الفرنسية- منذ أواسط القرن العشرين، بينما تأخرت الى اللغات الاخرى الى ما بعد ذلك، وشملت بالدرجة الأولى عددا من الروايات، تليها وبدرجة أقل مجموعات قصصية لروائيات وقاصات من غالبية الدول العربية. وما زالت الأعمال السردية النسائية التي تترجم كل عام في ازدياد وتشمل أصواتاً جديدة. تناولت الروايات المترجمة مسائل عديدة مثل مقاومة الصور النمطية للمرأة، والبحث عن هوية، والتمرد، والمطالبة بحرية المرأة وحقوقها، ومقاومة الحط من مكانة المرأة وكرهها، والنظرة الاشكالية للمرأة في التراث، وإبراز صوت المرأة الداخلي، وبناء الهوية الوطنية، وتأكيد دور المرأة في أوقات الحرب والسلم، والاحتفاء بانجازاتها، ومشاركة المرأة في القضايا القومية، والدعوة الى علاقة جديدة بين الرجل والمرأة، وحرية التعبير عن مشاعرها المكبوتة...الخ. وقد تنوعت التقنيات السردية والبنى والأساليب والمدارس، من الواقعية الى الرمزية الى التاريخية الى السيريالية. كما تنوعت الأصوات الروائية التي شملتها الترجمة بشكل يعطي تمثيلاً جيداً لحضور المرأة مكانياً وزمانياً- من شمال إفريقيا الى مصر والسودان الى منطقة الخليج الى العراق وبلاد الشام منذ خمسينيات القرن الماضي الى الآن، مروراً بمراحل تطور الرواية النسائية العربية، بما يعكس التغيرات الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية المختلفة.

يتعين في البداية التفريق بين الأدب العربي المترجم، والأدب العربي المكتوب بلغة أجنبية. وهناك الكثير من الأعمال من كل نوع. وتركز المقالة على الأعمال الروائية والقصصية النسوية العربية المترجمة الى لغات أوروبية، ولا تتناول الأعمال التي تكتب أصلاً باللغة الاجنبية مباشرة- مثل روايات الجزائرية آسيا جبار- إلا المترجم منها الى الإنجليزية.

تلعب عوامل مهمة دوراً في مدى انتشار أو انحسار ترجمة الأعمال الادبية النسائية العربية الى اللغات الأوروبية. هناك بلا شك، وكما في أي مشروع ثقافي يتداخل فيه الإبداع بالمال، قوانين العرض والطلب، ومدى استطاعة الأديبة العربية كسر حاجر العزلة والخروج الى بلدان عربية وأجنبية، من خلال الكتابات واللقاءات والمؤتمرات والنشر وبناء الصلات مع المثقفين في تلك الدول، وقدرة الأديبة على التحرر من القيود الاجتماعية المكبلة لها في إطار تجربتها في بلدها، ومدى نجاحها في فرض صورة مغايرة للتصورات الشعبية حول أدب المرأة، ومدى تغطية الصحافة العربية والدولية للنشاطات المتعلقة بالأديبات العربيات وتقديم أعمالهن للقراء. وهناك سبب آخر يتعلق باللغة ذاتها، يتمثل في اختلاف تركيبة اللغة العربية وجمالياتها الأسلوبية عن باقي اللغات الاوروبية.

ازدادت في الآونة الاخيرة حركة الترجمة من الأدب العربي الى اللغات الاخرى وبالذات الانجليزية. وهناك الآن دور نشر غربية عديدة مهتمة بتوقيع عقود ترجمة الروايات العربية في فرنسا وألمانيا وانجلترا والولايات المتحدة وكندا واسبانيا وايطاليا وغيرها. وهناك حلقات بحث وملتقيات ومؤتمرات تقام في أماكن مختلفة، كالجامعات ومراكز الدراسات الأكاديمية المعنية بالمنطقة العربية، وعلى هامش معارض الكتب في العواصم الغربية والتي تولي ترجمة الإصدارات الجديدة من الرواية والقصة القصيرة العربية اهتماماً كبيراً.

يلفت الانتباه أن أغلب ما تتم ترجمته  في هذه الآونة( الحديث يدور في العام 2010) ، هو روايات ومجموعات قصصية نسائية، تشكل نحو 80% من الأدب العربي الذي يترجم للانجليزية.  وما قد يثير الاستغراب أن روائية مصرية شابة هي ميرال الطحاوي، التي حققت شهرة كبيرة مفاجئة في وقت قصير منذ صدور روايتها الأولى "الخباء" عام 1996 والتي- ورغم أن روايتها ترجمت لغاية الان الى تسع لغات- ترى أن الادب العربي يبقى خارج كل المنافسات على حساب طغيان الأدب الصيني والياباني والهندي وغيره من الآداب..

بينما تستنكر نوال السعداوي الاهتمام بالاصوات الروائية الشابة في حديث نشرته صحيفة العرب الدولية: "يهتمون بواحدة اسمها ميرال الطحاوي ويترجمون لها ويرفضون الترجمة لنوال السعداوي". وفي حوار آخر قالت أن "النقاد المراهقين الذين تجاوزوا الستين يهتمون بالشابات الجميلات"! أما الروائية رضوى عاشور فقالت بأن الحنان الأبوي للنقاد يفسد كتابة الشابات اللواتي يتراجع مستوى ابداعهن بعد التدليل! وحاول  محمد زكريا عناني أستاذ الادب الانجليزي في جامعة الاسكندرية، تفسير سبب اهتمام الغرب بكاتبة شابة ظهرت فجأة وتُرجم لها لغاية الان روايتان هما: "الخباء" و"الباذنجانة الزرقاء" بأنه يعود الى "افتتان الغرب بسحر الشرق البدوي، الذي تتبدى فيه المظاهر الانسانية قسوةً أو ليناً على طبيعتها العفوية البدائية والغامضة".

تظهر مفارقة ساخرة بين الشرق والغرب، لدى عقد مقارنة حول مسألة دعم الانتاج الأدبي النسوي العربي، من قبل دور النشر والمؤسسات الاكاديمية المهتمة بالترجمة. ففي حين أن دور النشر العربية أو المؤسسات والجمعيات المؤمنة بأهمية نشر الأدب النسوي الى العالم تظهر بصورة خجولة، فإن دور النشر في الغرب اضطلعت بمهمة كبيرة طوال العقود الأربعة الماضية في اكتشاف الكتابات النسوية، وتشجيع نشر أعمال الكاتبات وإدخال هذه الأعمال في المناهج المدرسية والجامعية، ولا بد من الاعتراف بجهود مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة التي تعد رافداً مهماً في طباعة الأدب العربي الحديث بالانجليزية، وقد قامت بطباعة كل أعمال نجيب محفوظ. واذا كان يمكن لنا أن نمثل الاعمال المترجمة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات على مستوى العالم بقطرات، فإنها بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل صارت مثل سيل جارٍ، حيث يطبع سنوياً حوالي عشرين كتاباً من الأدب العربي المترجم في الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر.

وفي حين تفتقر دور النشر العربية الى أقسام متخصصة بترجمة الروايات العربية الى اللغات الأخرى، مثلما تفتقد الى هيئات استشارية في الآداب العالمية، تقوم باختيار الأعمال ضمن برامج تهدف الى تقديم ما يجسد مختلف مراحل تطور تلك الآداب واتجاهاتها، وذات قيمة نقدية وتاريخية وفنية، وفي حين تخضع أغلب الاختيارات لرغبات فردية، فإن بعض دور النشر الأجنبية والمراكز الأكاديمية والبحثية التابعة للجامعات، تقوم بترجمة الروايات والقصص العربية ضمن خطة لتعريف القاريء الغربي بها، وإتاحة المجال للنقد لدراسة اتجاهات الأدب العربي في تلك الفترة.

ومما يجدر ذكره أن مجلة "دو" الثقافية السويسرية كانت قد خصصت عددها لشهر آذار في العام 2007، للأدب النسائي العربي تحت عنوان "الأدب العربي بأقلام بنات شهرزاد" وقدمت فيه عدداً من الكاتبات العربيات اللواتي حققن شهرة بلغ صداها الى الآداب الاخرى، وتُرجمت أعمالهن الروائية الى لغات عديدة، وحصلن على جوائز تكريم في تلك الدول.

واشتمل العدد على مساهمات وحوارات مع عدد من الكاتبات من بعض الدول العربية مثل: سعاد عميري من فلسطين عام 1948، لطفية الدليمي من العراق، ليلى العثمان من الكويت، سميحة خريس من الأردن وبشرى خلفان من سلطنة عمان وغيرهن.

هناك اهتمام متزايد بترجمة ما يصدر من أعمال سردية وشعرية عربية في العالم عموماً وفي الغرب خصوصاً، لكن ما تحظى به الرواية من اهتمام لا تحظى به القصة أو الشعر بالدرجة نفسها، حتى تكاد تكون الرواية في نظر الغرب- وحتى في نظر العرب أنفسهم- ديوان العرب الجديد الذي يعبر عن شخصيتهم وهويتهم وقضاياهم ومشكلات واقعهم، بعد أن كان الشعر كذلك ردحاً طويلاً من الزمن. وتتوافر في بعض الدول الغربية مجموعة من المترجمين المحترفين البارعين مثل دينيس جونسون ديفيز وكاثرين كوبهام ،وكذلك من المستعربين المتخصصين بدراسة وتعلم اللغة العربية مثل الايطالية إيزابيلا كاميرا دافليتو، الذين قدموا خدمات جلّى على صعيد ترجمة الكتب من روايات وقصص قصيرة وأشعار ومسرحيات قديماً وحديثاً.

يطرح كتاب "تقاطعات: الجندر والأمة والمجتمع في الرواية النسائية العربية" الذي صدر العام 2002 عن جامعة سيراكوز بالولايات المتحدة، أسباباً أخرى وراء الاهتمام المتزايد بترجمة الادب النسائي العربي وهو قيام الثورة الإسلامية في ايران، وطرح قضايا الحجاب ومنع الاختلاط، بالإضافة الى أن الأمم المتحدة قد خصصت العقد- منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين الى منتصف الثمانينيات- ليكون العقد العالمي للمرأة. ويمكننا أن نضيف الى السبب الاأول تلك النماذج المتشددة من النظرة للمرأة التي جاءت بها الحركات السلفيةـ والتي أخذت تحارب الأدب النسائي الذي رأت فيها تحرراً يهدد قيم المجتمع الإسلامية.

وفي إطار الجهود التي تشهد اهتماماً غربياً بترجمة الأعمال القصصية والروائية العربية- وخصوصاً النسائية منها- تم في صيف عام 2008 توقيع ستة عقود لترجمة روايات لكاتبات سوريات وأردنيات وفلسطينيات الى اللغة الالمانية، من خلال مبادرة لإحدى دور النشر العربية في مدينة كولونيا الالمانية. وشملت عقود الترجمة أعمال الروائيات عبير أسبر، روزا ياسين حسن، سمر يزبك، مي جليلي، ونعمة خالد بالاضافة الى الروائية الاردنية سميحة خريس. وذكر مدير الدار أن ما شاهده في مشاركته في معرض فرانكفورت للكتاب قد أذهله، فحجم الكتب العربية في المعرض، وحجم الكتب المترجمة الى الالمانية يدعو للرثاء.

ترى القاصة والروائية الفلسطينية نعمة خالد، بأن الترجمة تمثل فرصة لاطلاع الآخر على المنتج الثقافي العربي، وفرصة لتغيير الصورة النمطية للمرأة. وتتهم نعمة الغرب والكتّاب العرب من الذكور بترسيخ هذه الصورة النمطية. أما القاصة والروائية السورية سمر يزبك فقالت لا بد للمرأة أن تواصل البحث عن ذاتها وحريتها، لأن خسارات الحرية أقل بكثير من خسارات العبودية.

ومن الكتب الهامة التي صدرت باللغة الانجليزية حول الروايات النسائية العربية كتاب صدر في العام 2003 عن مطبعة جامعة تكساس، لمؤلفته نوار الحسن غولي تحت عنوان "قراءة السير الذاتية للروائيات العربيات: شهرزاد تحكي قصتها". وفيه توظف المؤلفة معرفتها باللغة العربية والانجليزية ودراستها في مؤسسات تعليمية في الشرق الاوسط والغرب، في مراجعة النصوص الأصلية العربية في الروايات بتلك النصوص في الترجمات الانجليزية، كما "تفكر بعقلية القارىء العربي" وهي تراجع النصوص المترجمة، تفادياً لأي سوء فهم في التعرف على أجواء النصوص نتيجة مشكلات الترجمة.

ورد في افتتاحية المجلة الثقافية السويسرية "دو" : "إن الفرق بين التركيبة اللغوية العربية وبين اللغات الأوروبية كبير، فبينما نميل نحن (في الغرب) الى الجمل القصيرة، تميل الجملة العربية الى استخدام الرموز والصور الجمالية، فاللغة العربية هي لعب بالكلمات تنبعث منها الموسيقى الى أذن المستمع. وتعرف اللغة العربية العديد من المصطلحات والتعابير والكلمات، التي قد نحتاج الى جملة كاملة لترجمتها الى لغات أخرى، لذا فهناك صعوبة في الترجمة الى اللغات الاوروبية".

هناك إشكاليات تتعلق بأصول وفنيات الترجمة- مثل الحذف- التي يعتبرها بعض المترجمين الغربيين تقنية ضرورية ومقبولة في عملية الترجمة، للتخلص من الاطناب المنفر في الوصف، أو في الزوائد اللفظية التي تثقل النص، أو الاسترسال المفرط عند تجسيد الحالات النفسية للشخصيات، ويقابلها التوسع والإضافة- لأغراض توضيحية أو أسلوبية- نتيجة اختلاف اللغات والثقافات. وتذكر آمال عميرة في الفصل الثاني من كتاب "تقاطعات: الجندر والأمة والمجتمع في الرواية النسائية العربية" الذي تناولت فيه بالدراسة أدب الكاتبة والناشطة المصرية نوال السعداوي، أن هناك اختلافات جوهرية تتراوح بين الحذف والإضافة وإعادة ترتيب الفصول بين النسخة العربية وترجمتها الانجليزية لكتاب "الوجه العاري للمرأة العربية"، بما يلبي حاجة الناقد الغربي عند دراسة الظواهر في المجتمع العربي. وإذا أقرينا بذلك، يجب ألا يتعدى حدود اللزوم واللياقة، وأن يكون بالتراضي مع المؤلف بعد مراجعة مشتركة لكل التعديلات، ويفترض عدم إلحاق خلل فادح أو فاضح بالنص الأدبي.

وقد تكون هناك إشكالية في الترجمة من الأدب العربي الى اللغات الأخرى، اذا كان في أحد بواعثها هو كتابة الرواية أو المجموعة القصصية، وفي ذهن الكاتبة أنها مشروع للترجمة قبل أن تولد، مما يعطي الانطباع بأنها تكتب لتقديم نماذج نسائية نمطية لإثارة فضول واهتمام القارىء والناقد الغربي المهتم بالاطلاع على الثقافة العربية، وما قد يعني ذلك من التركيز على قضايا حرية المرأة المسلوبة والقيود الاجتماعية والتابوهات وصور استغلال المرأة ومشاهد الجنس، التي تقترن كثيراً في ذهن القارىء الغربي بالأدب العربي.

عندما اختيرت الروائية الجزائرية آسيا جبار عضواً في الاكاديمية الفرنسية، شنّ الروائي الجزائري رشيد بوجدرة صاحب رواية "ألف وعام من الحنين"، هجوماً قاسياً عليها واصفاً رواياتها بأنها متوسطة المستوى وهي "ما يطلبه الفرنسيون". وسبق له أن وصف روايات أحلام مستغانمي بأنها مثل "ساندويتش البطاطا" فيما عدّه النقاد نوعاً من الغيرة الشخصية.

وفي  نيسان من العام 2009 عقدت ندوة مهمة في المجلس الاعلى للثقافة في مصر تحت عنوان "أدبنا في عيون الآخرين" نظمتها لجنة الدراسات الأدبية واللغوية، وقد شارك فيها عدد من أساتذة الجامعات والدارسين والنقاد. وطرحت الندوة موضوع الأدب العربي المترجم، وأجمع المحاضرون على أن الجهات المترجمة تعتمد على معايير غير موضوعية أحيانا في اختيار الروايات والقصص، التي يتم ترجمتها مثل العامل المادي والرواج التجاري أو العلاقات الشخصية والمعارف عن طريق أدباء آخرين.

وطرح في الندوة ما يشير الى أن الأدب العربي المعاصر حاضر يوضع جيد في الدول الأوروبية، خصوصاً في فرنسا. وقالت الدكتورة غراء مهنا رئيسة قسم اللغة الفرنسية بجامعة القاهرة إن رواية "نجمة" للروائي الجزائري كاتب ياسين، قد تم اعتمادها ضمن المنهاج الفرنسي ويدرسها طلاب المرحلة المتوسطة. وأضافت أن هناك حضوراً واضحاً للروائيات العربيات مثل آسيا جبار ورضوى عاشور ومي التلمساني وغيرهن، فلم تعد القضية وجود الأدب النسوي العربي من عدمه، بل بكيفية بناء الثقافة، وتحويل الادب العربي الى عامل يسهم إيجابياً في تغيير النمطية التقليدية.

*قاص وناقد من الأردن