التشكيل الأدبي واستنساخ الواقع. . قراءة في رواية " نتوءات قوس قزح" لمصطفى عطية جمعة

أحمد طوسون*
في روايته " نتوءات قوس قزح"  (صدرت  في القاهرة عن دار سندباد للنشر والتوزيع  2010) يطرح الناقد والروائي د. مصطفى عطية جمعة تشكيلا أدبيا يحاول أن يعيد استنساخ الواقع بأحد مدن الهامش (مدينة الفيوم) منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى زمن السرد الروائي من خلال شخصية "بدرية" التي تعكف الرواية على سرد الزمن الممتد من طفولتها إلى كهولتها.

من خلال فصول الرواية الأربعة والتي حرص الكاتب على أن يعطي لكل منها عنوانا جانبيا منفصلا عن عنوان الرواية.. (عطر البنفسج يعطر البكور والضحى- لفحُ شمس الظهيرة- بين القيظ والثرى- برودة شمس العصاري).

ورغم أننا كما يبدو ظاهريا أمام بناء حدثي يتنامى من طفولة بدرية إلى كهولتها، إلا أن السارد اختار أن يزاوج بين البناء الحدثي للشخصية الرئيس (بدرية) طولياً عبر حياتها، وبناء حدثي آخر يبدأ من صبيحة يوم في حياة بدرية العجوز وينتهي بالغروب على مستويي الزمن (بانتهاء اليوم)/ وغروب حياة الشخصية الرئيس في الحدث الروائي (بالإشارة إلى وفاة بدرية في نهاية اليوم).

تزاوج التنامي الحدثي عبر مساحة زمنية محددة وقصيرة ( زمن اليوم الواحد) مع التنامي الحدثي عبر مساحة زمنية امتدت لأكثر من ستين عاما من طفولة بدرية إلى كهولتها، استتبع بالضرورة الانتقال بين زمني الماضي والحاضر الآني في السرد الروائي.

التزاوج الزمني بين الآني والماضي من خلال استعادة "بدرية" لذكريات ارتبطت بأصحاب الشواهد التي تذهب بدرية لزيارتهم في المقابر فتستدعيهم على مستوى الحدث الروائي.

وعلى عكس ما هو متعارف عليه عن أطياف قوس قزح وانعكاساتها المبهجة، تبدو أطياف بدرية عبر رحلة حياتها من الطفولة إلى الكهولة _  باستثناء النقط المضيئة في حياتها متمثلة في الزوج الذي ساعدها على تربية شقيقيها وأداء رسالتها النمطية إلى النهاية واستمرارية الحياة_  لها ظلال قاتمة ارتبطت بالموت منذ طفولتها.

 بداية من موت الأب في مرحلة مبكرة من حياة الطفلة بدرية، ثم أعقبه موت الأم بعد شهور من وفاة الأب، ومروراً بوفاة العم والزوج والأستاذ عبدالتواب صديق الزوج.. إلخ وانتهاءً بموت بدرية نفسها في نهاية الرواية.

وقد حرص السارد نفسه على الاحتفاء بمشاهد الموت ورصدها بعناية في أكثر من موضع  في الرواية رغم تعدد الموت وتكرار مشاهد الغسل و الجنازة وفتح القبر!،

كما حرص غالبا على حمل البشارة لأهل الميت، كما حدث عند موت الأب

(  نظر العم إليهما ثم إلى المغسل.

قال حميدة بحنان:

-         أم أحمد، أحببت أن أبشرك.

بصوت متقطع النشيج:

-         خـ..يـ..ــرا!

 وجهه بدر منور..

.........( بكاء عال)

.. مبتسم وجسمه معطر بعطر ربنا، الله يرحمه.

بكاء عال، قطعه صوتها:

-         مات وهو في الصلاة.

-         البشارة أمانة يا أختي، وأنا أبلغتك ما شفته.) ص18 و19.

وكما تكرر أيضا عند موت الأم:

 ( خرجت زوجة المغسّل "حميدة" يفوح عطر العود من ثوبها الأسود، تفحصتها بدرية،  كانت منبسطة القسمات، نظرت إلى زوجة العم، وهمست:

-         الله يرحمها أم أحمد، بشارتها خير.) ص 29.

رغم غياب الضرورة الفنية فقد تحققت البشارة بحسن الخاتمة في الحالتين بموت الأب أثناء صلاته، وبنطق الأم للشهادتين أمام ابنتها بدرية.

 ( اهتز الفم بالشهادتين، لمعت الوجنتان براحة إيمانية، اهتز الجسد، سكن.)ص 29 .

لكن ما قد يعده البعض حشوا لا يقدم إضافة دالة داخل النص، والاستغراق في لقطات لا تدفع الحدث، يبدو في نظري متوافقا مع نهج السارد في استنساخ الواقع والحرص على التفاصيل الصغيرة حتى وإن لم تضف فنيا أو دراميا للحدث، لذا يكتفي السارد بالإشارة عند الحديث عن بشارة أخرى تمثلت في خروج الكثيرين خلف جنازة بهية أخت زوج بدرية، لأن السارد لم يكن بحاجة إلى استنساخ اللقطة الخاصة بالبشارة كما حدث في المثلين السابقين لأنها لم تكن حاضرة في الواقع، وإنما كانت اللقطة المستدعاة لبدرية تحكي عند شاهد قبر زوجها.

 ( .. ياه، أنا كنت مقصرة في زيارتها، جريت، وأنا ألف الطرحة على رأسي وأصرخ في الشارع، طلت الرؤوس وهي مغبرة بالنوم- خيرا يا أم عاصم.

قلت : الحاجة بهية الله يرحمها، وسبحان الله كان مشهد خروجها، ناس من كل مكان، حي الصوفي كله طلع، والجامع امتلأ بالمصلين عليها. كانت طيبة ، أرقدها المرض، وهدّها، ولكني شفتها_ بعينيّ _ تصلي بجفونها.) ص 107.

 

أو كما حدث في بشارة موت الزوج (نادي) لأن السارد كان قد استسلم كليا في صراع السرد/ الحوار إلى أن ينهض الحوار بين شخوص العمل، أو في صورة المنولوج على لسان "بدرية" بمهمة السرد داخل النص الروائي.

 ( وقعت مني، في الشارع، وقعت كأنك قاعد من السجود، وجهك ناحية القبلة)ص   110

 ( الوجوه أصفرت،...........شفت صفرة الموت وأنت وجهك كما هو، هادئ.. ساكن) ص110 .

أما آخر البشارات فقد زفها السارد نفسه حين وصف مشهد النهاية لبطلة عمله الروائي.

 ( عزمت أن تصلي سنة العشاء والوتر،فرشت السجادة، استقبلت القبلة، لم يمنع شالها البرد المتسلل إلى مفاصلها.

التكبيرة، الفاتحة، الركوع، السجود، تقعد من السجود....

..............

الوجه منور، الجسد دافئ.

جامع قايتباي يغصُّ بالمصلين. ) ص 114 .

لم تكن كل هذه البشارات التي احتشد بها النص الروائي من قبيل المجانية ،وإنما تمثل انحيازا كاملا من السارد لبطلة نصه الروائي ( بدرية) ودائرة المقربين لها.

 أما العم الذي وصمه السارد بمحاولة استغلال ميراث أبناء أخيه وجعله في صراع ظاهر أحيانا وخفي أحيانا أخرى مع بدرية وشقيقيها وأخوالها، فلم يشفع له أنه كان سببا في انتقال بدرية وزوجها إلى البيت الجديد وإخراج المستأجرين من الأرض وتسليمها  من دون طلب من أبناء الأخ.

 ( طرقات على باب الشقة، فتحت بدرية، دخل العم.

-   سلام عليكم، ثلاثة من المستأجرين من أرضك يا بدرية قبلوا أن يأخذوا إيجار ثلاث سنين ويطلعوا والباقي اثنان سنحاول معهما.

وقف نادي ساهما، زغردت بدرية:

-         أخيرا عادت لنا أرض أبي.

تساءل نادي:

-         لم تخبرنا عن هذا يا عمي؟!

-         كنت أحاول، و وفقنا ربنا.

شعرت بحنو العم في تجاعيد وجهه المتغضن.) ص 78 .

لم يشفع له كل ذلك وظل السارد على انحيازه المطلق ضد العم ( على خلفية استنساخ نمط العم المستغل من الواقع) رغم أنه لم يقدم دراميا ما يجعل المتلقي ينحاز لانحيازات السارد سواء بالتعاطف مع بدرية ( رغم تضحياتها) أو ضد العم.

( وجه العم المتغضن ساكن، وعيناه نصف إغماضة، أسدل رموشه، وضم ركبتيه، وربط حنكه مع رأسه.) ص 79 .

فلم يحمل موت العم أي بشارة عن حسن الخاتمة.. بل أن الموت لم يفلح في إنهاء العداء بين بدرية وعمها، فنجدها حريصة على التأكد أنه دفن بعيدا عن قبري أبيها وأمها!..

(تمتمت بدرية:

-         أين دفنوه؟

انتبه لسؤالها ولملامحها الجامدة، أدرك قصدها:

-         بعيدا عن قبري أبيك وأمك.) ص79 .

نلاحظ هنا أن الجملة الحوارية دالة فنيا على المقصود، لكن أحد ظواهر النص التي تشكل ملمحا هاما "التزيّد الحواري" بلا معنى ولا فائدة إلا محاولة استنساخ الواقع حتى على مستوى الحوار، والذي يصل أحيانا إلى حد الترهل والحشو دفع السارد إلى الاستطراد والتزيّد.

(- بعيدا عن قبري أبيك وأمك.

- كنت قد أوصيت التربي ألا يحفر جانب أبي وأمي لأحد.

- المقبرة من زمان لم تفتح، وحالها كما هو.

ترددت ثم قالت:

-         أنا أزورها كل أسبوع، والتربي يعرفني، وقد طلبت منه هذا) ص 79 .

كل هذه القتامة التي يستدعيها الموت بأجوائه المقبضة تضافرت مع أطياف قاتمة أخرى تعرضت لها بدرية ( على المستويين المادي والمعنوي) على خلفية ما تعرضت له من إجبار على ترك تعليمها بعد موت الأب والأم، ومحاولة إجبارها على الزواج ومحاولة العم السيطرة على ميراثها! .

التحولات عبر الزمان والمكان والأشخاص:

لعل أحد أهم الملامح التي يجدر الإشارة إليها رصد السارد لمظاهر التحول عبر الزمان والمكان والأشخاص.

الزمن:

قسم السارد الرواية إلى أربعة فصول كما أشرنا، وحرص أن يفتتح كل فصل من فصول روايته بعنوان يحمل إشارة زمنية.. فالفصل الأول حمل عنوان (عطر البنفسج يعطر البكور والضحى).. والعنوان ضم صراحة توقيتاً زمنياً ملموساً من دون إهمال الدلالة الفنية داخل الرواية أو الدلالة النصية لكون الفصل الأول هو البداية والمفتتح كما هو البكور بداية اليوم ومفتتحه، وكذا الحال لباقي فصول النص التي حملت عناوين: (لفحُ شمس الظهيرة- بين القيظ والثرى- برودة شمس العصاري)، بما حملت من توقيتات زمنية صريحة ( الظهيرة، القيظ "الهجير"، برودة شمس العصارى التي تكون مفتتحا للغروب)، وما حملته من دلالات فنية ونصية.

هذا الاختيار جاء نتيجة وعي السارد لأهمية الزمن في العمل، لذا كان انتقاله بين زمني الحاضر والماضي واعياً ومتعمداً، وافتقد عفوية وسلاسة الانتقال بين الأزمنة داخل النص،  حيث عمد السارد إلى الانتقال بين زمني الحاضر والماضي بشكل صريح وتقليدي، باستخدام المقاطع الصغيرة التي يفصلها السارد بفواصل نقطية، كما عمد إلى تحديد زمن الحدث ( في الماضي / في الحاضر) بنعت البطلة أو الشخصية الرئيس بصفات تحدد هوية الزمن في المقطع المحدد.. فيستخدم السارد أوصاف (الحاجة، العجوز) للدلالة على الزمن الحاضر .

 ( تعود الحاجة بدرية لصوت عبدالباسط...) ص8 .

 ( ها هي العجوز بدرية تحمل الماء..) ص 12

أو استخدام أوصاف ( الصبية، الطفلة) للدلالة على الزمن الماضي.

 ( ها هي الصبية بدرية تجاور أمها..) ص27

 ( ما يحدث كل يوم تستيقظ  الصبية  على نداء زوجة عمها).

أو قيامه بوضع شفرات تحدد هوية الزمن بسهولة للمتلقي كالأحفاد والأبناء بالنسبة للزمن الحاضر، والأب والأم بالنسبة للزمن الماضي.

هذه القصدية لم تمنع السارد من استخدام تقنية التداخل الزمني باستخدام تقنية (الفلاش باك) بشكل سلس في بعض المقاطع.

الشخوص:

شخوص العمل نمطية تدور كلها في فلك الشخصية الرئيس ( بدرية)، ووجودها مرتبط بدفع تنامي البناء الحدثي للشخصية الرئيس (بدرية).

سارت حياة بدرية في خط متواز مع المسار الزمني،  ولم تشهد تحولات ذات معنى مع التحول الزمني.. عكس الشخصيات الثانوية التي نكتفي بعرض بعض نماذجها وأبرزها شخصية الأستاذ عبدالتواب الذي شهد تحول كبير في شخصيته بعد الإعارة، فأصبح ذلك الشخص النهم للمال، والحريص عليه وعلى الحصول عليه بأي طريقة حتى لو عمل سائقا بالأجرة على سيارته البيجو التي اشتراها بعد عودته من الإعارة، ورفضه العودة للتدريس وطلب نقله إلى عمل إداري!.. رغم أنه الشخص نفسه الذي أقرض صديقه ليفتح مكتبة أراده أن يشاركه فيها، لكن عبدالتواب رفض وأعلن تمسكه بالتدريس فقط من دون شريك.

 مظاهر التحول التي أصابت عبدالتواب وزوجته زيناهم، لم يشر السارد لأسباب هذا التحول مكتفياً بالسفر كفاصل هام ومحوري في إحداث التحول في شخصية عبدالتواب ( وكل من سافروا إلى بلاد النفط وعادوا مكدسين بالأموال وبقيم جديدة على المجتمع المصري) لكنه لم يحلل ولم يقدم وجهة نظر تساعد المتلقي في البحث عن أسباب هذا التحول.

الأمر نفسه بالنسبة للعم الذي كان حريصا على السيطرة على أرض أخيه، وحرمان أبناء الأخ منها يتحول فجأة إلى العم الحنون الذي يرعى مصالح أبناء أخيه، ويقوم بإخراج المستأجرين من الأرض وتسليمها لبدرية عكس السياق الطبيعي للشخصية منذ بداية النص.

كذا الأمر نفاجأ بموافقة سوكا زوجة إبراهيم التي اعتادت الزواج من أجانب لمنحهم الجنسية على زواج إبراهيم بمصرية مع بقائها على ذمته، وكأنها لا تمت لحضارة أخرى ترفض بشدة فكرة تعدد الزوجات فكيف حدث هذا التحول في شخصية سوكا ومتى؟ .

 لا نجد إجابة داخل النص.

المكان:

السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على عجالة بعيداً عن التحولات والتغيرات التي رصدها السارد في المكان سواء على مستوى الشارع، أو البيت القديم ( بيت العائلة الذي استأثر به العم وأولاده) أو حتى التحول الذي أصاب المقابر وإحاطتها بالمباني العالية من كل جانب.

هل نحن أمام خصوصية ما للمكان داخل النص؟الإجابة بالتأكيد: لا.. فليس مجرد إطلاق اسم بلدة أو حي داخل أحد النصوص يعطي خصوصية ما للمكان، وأنا لا أجد فارقاً كبيراً إن تم تغيير اسم حي الصوفي أو اسم جامع قايتباي أو اسم الفيوم باسم أحياء أو مساجد أو مدن أخرى،  حيث لم يتطرق السرد إلى روح المكان وتفاصيله الصغيرة المميزة، بل مر عليه مرور العابر الذي أبى أن يستظل تحت ظل شجرة من هجير السفر.

وعلي أخيرا الإشارة إلى أن فنية أي سرد تكتسب أهميتها في النهاية من مضمون الدلالة، سواء حضرت الحكاية أم غابت.

 

* كاتب من مصر.