المنحى التواصلي في الملفوظ السردي قراءة جديدة في "مقهى الباشورة" للسواحري

د. ابراهيم خليل*

ما من مرة أعدتُ فيها قراءة مجموعة " مقهى الباشورة " للأديب الراحل خليل السواحري، إلا ووجدت فيها نافذة جديدة أنظر منها إلى هذه النصوص،

نظرة تختلف عما كنت قد رأيته فيها من قبل. وبمناسبة صدور طبعتها الجديدة في سلسلة " كتاب الجيب " أعدتُ قراءة القصص، فتراءى لي أنّ الأديب الراحل كتبها وفي وكده أن يحقق الدرجة القصوى من التواصل مع القارئ المتلقي، بصرف  النظر عما إذا كانت أركان القصة الأخرى تحقق له الدرجة المرجوة من الإتقان الفني، أم لا تحقق.

النص التفاعلي

فهاجسه الأول، والأخير، أنْ يتفاعل القارئ بما في القصص جملةً، وتفصيلا. ابتداءً من العنوان، ومرورًا بأسماء الشخوص، وانتهاءً بالنسيج اللغوي الذي يهيْمنُ عليه طابع التواصل، أو لنقل: التفاعل النصي بين المرسل (الكاتب) والمرسل إليه ( القارئ) فكيف يحقق كاتب قصصيٌّ مثل هذا التفاعل عن طريق اللغة، التي هي مادة السرد ومحتواه، إذا سلمنا- جدلا- بأنَّ الحكاية – في نهاية المطاف- لا تبتغي إلا تحقيق هذا الهدف التواصلي؟.

الجوابُ عن هذا التساؤل نجده في ما حرص عليه الكاتب من الاقتراب باللغة السردية من القارئ، ونحن نجد في كلمة " اقتراب " تعبيرًا افتراضيًا غير دقيق، لأنّ الواقع يشيرُ إلى التحام الكاتب – من خلال اللسان- بالقارئ. فهو يعبّرُ عن الحوادث، وعن الشخوص، وعن المواقف، والأماكن، بكلام هو من كلام القارئ ذاته، لا سيّما ذلك القارئ الذي يقف المستوى الثقافي حاجزًا بينه وبين فهْم الكاتب. لهذا ينتهك القاصّ سلطة الكتابة، باعتبارها لغة مُنْضبطةً، ومنقَّحة، وفصحى، لا تخلو من تصنّع، مستسلمًا لإيقاع المَحْكيّ الشفوي. فالراوي العليم، الذي يتكرَّرُ في قصص كثيرة، يروي الحدث، والمشهد السرديَّ، من خلال رؤية الشخصية، ومن خلال ما يدور في خلدها من حوارٍ داخليّ. فها هو ذا ينقل إلينا ما يراه عطا أبو جلدة في " باب العامود" من تجمع للعمال قائلا: " يتكوّم العمال" ويزيد " يلتقطونهم بالسيارات إلى الورش" ففي كلمات: يتكوم، ورش، والمذلة، و" تفو " على هذه الدنيا التي تسير إلى الوراء، ينحو الكاتب لألفاظٍ دارجة ذات وقع دلالي، وصوتي، خاص على وعي القارئ الذي يسمع هذه الكلمات، ويستعملها في حياته اليومية كثيرًا. وبإمكان الكاتب أنْ يستعمل على لسان الراوي، الذي يبدو مثقفًا إلى حدٍّ ما، كلمة مشاجرة، بدلا من" طوشة"، وإهانة، وبدلا من " بهدلة"، وغدًا، بدلا من " بكرة"، وفخورًا، بدلا من متباهيًا، ويقطع، بدلا من " يمزع الشارع نصفين"، وطفتُ بدلا من " بَرَمْتُ " القدس، ويستولي، بدلا من " يَتَسلْبَطُ " التي يكثر استخدامها في مثل هذا السياق، أما تناقر، ومْخَرْمَشة، ومراجل، وتنبل، ومشّاية بدلا من حذاء، فألفاظ تضفي سيرورتها على اللسان طابع الألفة على النصوص، وتجعل القارئ – من حيث لا يدري- يتعاونُ مع الكاتب في إضفاء الدلالاتِ السياقيّة على القصص.

ومع أنّ هذا غير قليل في الكتاب، إلا أنّ القاصَّ لم يكتفِ بذلك الذي يضطلع به المعجم السرْديّ، ولكنه يضيف إلى ذلك - في ثنايا السرد القصصي - عباراتٍ ترتبط بأداءٍ صوْتيٍّ مألوف، ومعين، لدى عامة الناس، ممن يتكلمون اللهجة الدارجة في البيئة التي تتحدَّث إليها، وعنها، القصص، وهي القدسُ، وما يحيط بها من ضياع، وقرى. فشبه الجملة " من زمان" عندما تؤدى بنغمة صاعدة يلازمها الارتكاز النبري على المقطع الأخير، وعلى الصائت الطويل- تحديدًا-  وهو الألفُ، توحي بدلالة العبارة " منذ سنين طويلة ". وعندما يقول محمد في قصة" في الطريق إلى القدس " لنفسه: " والله وقعِتْ يا محمد يا ابن محمود " فإنه لا يقسم بلفظ الجلالة، ولكنّ هذا التركيب الذي يصدر عنه بنغمةٍ معيَّنةٍ يوحي بالندم على ما فرط منه. أو قوله على لسان محمّد في القصة ذاتها " دعْهمْ ينفلقون " فالظاهرُ أنه لا يبالي بما يسمعه من ضحك ساخر بهيئته الزرية في المسبح، لكنَّ الحقيقة هي أنَّ القارئ يلتقط من هذه الجملة معنىً آخر، وهو أنَّ محمدًا يعزّي نفسه، متظاهرًا بعدم المبالاة.

من منظور تداولي

على هذا النحو يكثر السواحري من العبارات التي يخرج فيها المعنى عن مقتضى الظاهر، فقول البطل في إحدى القصص: " يا الله.. رضاك، ورضا الوالدين " كلام لا ينمُّ  على أنه يدعو الله – تعالى- أنْ يُمطره بشآبيب الرضا، ولكنه – على وفق الموقع- الذي يجري فيه التلفظ، يعني أنّه عازم على الذهاب إلى عمله. فكأنه بذلك يقول يا رَزّاق يا كريم، أو توكلتُ على الله. وقد خاطب أحد الشخوص شخصية أخرى بقوله: إن تكلمت بشيء ليكون رأسك هو الثمن" فهذه الجملة المستعملة كثيرًا، والمتداولة في الأعمال الدراميّة، لا يستقبل منها القارئ هذا المعنى الحرفي، بل يتلقاها باعتبارها تهديدًا ووَعيدًا. و" إلعب غيرها يا أبو الفهد " كسابقتها يدركُ الكاتب أنها ضربٌ من التوعّد، والتهديد، وخيبة المسعى. وفي قصة " المختار " نجد الراوي يصف أبا الفهد هذا في مونولوج مباشر " حديدة أبو الفهد حامية ". ومن يقرأ العبارة من غير المحيط الذي كتبتْ عنه القصص، وكتبت لتخاطبه، فقد يذهبٌ به الظنّ إلى أنّ لأبي الفهد هذا حديدةً محماة، ولكن السياق – بطبيعة الحال- مع الخبرة في الموقف، والمكان، والزمان، والناس، وعاداتهم النطقية، والكلامية، توضح لهذا القارئ أن العبارة تعني استعداد أبي الفهد لضرب خصومه المذكورين في القصّة ضربًا شديدًا، لا هوادة فيه، ولا تردّد.

وهذا النمط من التعبيرات متوافرٌ بكثرة في القصص. وبتلقي القارئ لهذا لنوع من العبارات، مع خبرته السابقة التي نشأ عليها، يغدو على كثبٍ من القصص، ومن فحواها، أكثر ممّا لو كانت تقتصر على نسيج لفظي، وتعبيري، نمَطيّ، كذلك الذي اعتدناه في غير القصة من كتابات.

حتى أسماء الأعلام التي تردُ في القصص اختارها الكاتب اختيارًا يقرّبها من الكنى، والألقاب الكاريكاتيرية الساخرة، التي يستعمُلها القرويون من باب التفاكه، والتندُّر، بعضهمْ على بعض. فهذا أبو جلدة، وذاك أبو بلطة، والمختار، والهرش، والأزعر، والفار، والجعّار، والهمشري، إلخ.. أسماءٌ لا تهمّنا دلالاتها – بطبيعة الحال- ولكن يهمُّنا وقعها على القارئ الضمنيimplied reader بتعبير إيزر Iser، فهو بما يُتداول في محيطه من ألقابٍ كهذه، يشعر تجاهها ببعض الألفة، والمحبة، التي تساعده على التلقي، والتفاعل الحميم بالقصص.

على سبيل التناص

ويضيف الكاتب إلى هذا كلّه فيضًا من الأمثال الشعبية الدارجة، التي تتخلل كلا من محكيّ الراوي، وحوار الشخوص، المباشر منهُ، وغيْر المباشر. فقول الراوي، مستبطنًا ما يدور في خلد أبي بلطة، وذهنه، وتفكيره: أن مكاسب الاحتلال " مثل الفجل أوله منافع وآخره مدافع" وهو قولٌ يحرك لدى القارئ ارتباطاتٍ، ودلالات، فيها غير قليل من التهكم، ومِثله قوله: " إنّ ما أكله بيضًا سيخرجُه فروجًا" وهو مثل لم يُفقدهُ الصقل الفصيح ما يوحي به من سخرية لاذعةٍ وحادّة. وهذا غير بعيد عن قول الراوي في قصة" الطريق إلى القدس" تيتي تيتي مثل ما رحت ِ جيتي " فإيقاع المثل ها هنا جعل القصة متناغمة مع الحكاية الشعبية حين تحكى، أو تتلى، أو تردد فيها مثل هذه العبارة للدلالة على العودة بخفي حنين ، أو أن الشخصية في ذهابها وإيابها " من بيت اشكع لبيت اركع".

والمعروف أنّ المثل الشعبي في " المقام السردي " يؤدي دور الاقتباس من نصوص أخرى في لغة الشعر. فعندما يستدعي الشاعر جزءًا من نصّ، أو منْ حكاية، أو نموذجاً تاريخيًا، أو أسطورة، على سبيل التناص، إنما يحرك عن طريق هذا الاقتباس الكثير من المفاهيم، والإيحاءات، في وعْي المتلقي، وكذلك القاصّ- ها هنا - يربط عن طريق هذه الأمثال، التي تمثل خيوطا رئيسية في نسيج المحكي القصصيّ بين وعْي القاص، ووعي الشخوص، ووعي القارئ الضمْني. أي أنّ التفاعل التواصلي يتحقّق من تبادل الأدوار بينه وبين الكاتب، فكأنّه يسهم إسهامًا في مَحكيّ القصة، وكأن الكاتب يساعد القارئ بهذا الملفوظ على ممارسة " التدليل " أي جعل النصّ يدلّ على كذا وليس كذا، وبهذا يغدو أكثر ثراءً، وأكثر غنىً، وأكثر لصوقاً بالواقع، مما لو كان خالياً من هاتيك العبارات القصيرة المكتنزة التي صاغها اللسان الجمعيّ، لا الفردي. وهذا ينسجم تمام الانسجام مع ما يذهب إليه جادامير Gadamer في " فلسفة التأويل " من ضرورة اندغام الذات ( القارئ) بالموضوع، وهو هنا النص، للتوصل إلى فهم عميق للمحتوى.

ونجاح السواحري في ترويض اللسان، وترويض الحكاية، متنقلا بهما من منزلتهما المعتادة إلى أخرى، تتماهى فيها لغة القصة بلغة القارئ التي تصوّر رؤيته للواقع، بقدْر ما تصوّر رؤية الكاتب، حققَ للقصة القصيرة الدرجة القصوى من التفاعل التواصليّ، وهذا ما يتغيّاهُ الكاتب المؤمن بأنَّ الإبداع القصصي موقف تفاعلي.

 

* ناقد وأكاديمي من الأردن مقيم في السعودية