مشروع طموح يُطلق "رؤية صوتية" للعالم في مهرجان عمّان المسرحي

قاب قوسين

تجربة مثيرة لمختبر لاليش المسرحي في ڤيينا، يقودها فنانان عراقيان كرديان هما شامال أمين ونيگار حسيب. تعتمد التجربة على مشروع بحثي بدأ منذ أربع سنوات، يفترض الصوت منبعاً للحرکة والصورة، والانطلاق من ذلك لما يسميانه "تشكيل رؤية صوتية إلی العالم".

 تستثمر التجربة مناطق ومساحات جديدة أدائياً، عبر بحث وتنقيب عن صيغ ملائمة، واکتشاف فضاءات تتيح تفجير طاقات الإنسان التعبيرية إلی أقصی حدودها.

"نحن نبتكر فضاء حراً ، تتحول الأصوات والأغاني فيه إلى مصدر للذة، فالصوت يشبه الحدث الذي يسمح للإنسان أن يكتشف شيئاً جديداً"، يقول أمين، وتضيف زميلته حسيب "الصوت ليس للسمع فحسب، إنما للنظر أيضاً".

قدمت هذه التجربة کـأداء متكامل في مراحل وفضاءات تجريبية مختلفة من العام ٢٠٠٦ إلی نهاية ٢٠٠٩ في جامعات مختلفة فی العالم، وخلال تبادل فني دولي، وفی ١٣ مهرجاناً دولياً للمسرح في‌ العديد من دول العالم: النمسا، اليابان، أوکرانيا، کوسوفو، اليونان، مصر، بلغاريا، البوسنة، بولندا (فی مهرجان سنة کروتوفسکی ٢٠٠٩ بجانب تجارب ببتر بروك، واوبجينيو باربا، ريتشارد شيخنر، بينا باوش، سوزوکی وآخرون). واخيراً قدمت في مهرجان عمان المسرحي 2 نوفمبر 2010.

تقوم التجربة علی بنية صوتية مطلقة، تتشكل أنساقها من محاولات إيجاد لغة صوتية، تقع خارج النظام والعلامات اللسانية المغلقة، التي تحمل دلالات ثقافية محددة و"مستهلكة"، وحتی النصوص المنطوقة بإيقاعات صوتية/ نغمية تبدو في هذه التجربة خارجة عن العلامات اللسانية المألوفة.

وفق هذين الفنانين فقد أتت عمليتهما التجريبية نتيجة بحوث مختبرية مستمرة ومعقدة، وتواصلت المغامرة للعودة إلی ينابيع إنسانية شتى، واستثمار وحدات وإيقاعات صوتية نادرة، بل معرضة للانقراض من مختلف الثقافات البشرية وصهرها في بوتقة جديدة عبر أنساق صوتية منطوقة وسمعية ، وداخل بنية مترابطة ومنفتحة علی قراءات متعددة، وهذه العملية تفسح بدورها المجال لخلق انفتاح على القدرة التأويلية للباث/المحتفل، والمستقبل/المتلقي.

تسعى مجموعة مختبر لاليش المسرحی (شامال ونيگار وبقية أفراد المجموعة من أصول وثقافات مختلفة) من أجل خلق لغة للتواصل المسرحي في مابين الثقافات المختلفة، وتأسيس فضاء خالٍ، يتحول في ما بعد إلى حقل للأصوات والحركة والصورة.

فضاء يتحول محيطه إلى: كل الأماكن وإلى: لا مكان! ويحول الزمن فيه ذاته الى: كل الأزمنة وإلى: لا زمن! دائما وأبداً.

تصف حسيب هذه العملية بقولها "الأصوات والأغاني هي التي تخلق حركاتنا، من دون أن يعني ذلك أن حركاتنا تفسر أغانينا؛ لذلك فكل أغنية وكل حدث صوتي تحمل في داخلها إشارة دقيقة إلى نقطة متحركة في الجسد، أي أن الجسد يتعامل مباشرة مع حياة الأصوات ويصبح عملها عضوياً بدلاً أن يكون تكنيكاً بحتاً".

ويرى أمين أن "الحدث الصوتي بهذه الطريقة لا يعني أن يصبح الجسد جزءاً من الصوت، أو يصبح الصوت جزءاً من الجسد، بل إنهما يشكلان وحدة واحدة! لأن الوحدة هي المصدر الأصلي للتعبير ومنبعاً للإنسان المحتفل، وعليه نحن لا نمثل، بل نحتفل".

نال مختبر "لاليش" جائزة دولية لأفضل استخدام الصوت فی العمل الأدائي في مهرجان المسرح الدولي في سراييفو عام ٢٠٠٩، و ستقدم هذە التجربة العام المقبل 2011 في مراحل تجريبية أخری في مهرجانات دولية وجامعات عالمية فی: ايطاليا، بريطانيا، أميرکا، ألمانيا، ألبانيا، مقدونيا، بلجيكا، فرنسا، کرواتيا وهولندا.

في الوقت ذاته ينشغل مختبر لاليش المسرحي في رحلة اکتشاف أبعاد جديدة والتوغل إلى فضاءات وأعماق مجهولة في تجاربها التجريبية التالية التي تقدم فی عام ٢٠١١ فی النمسا والمهرجانات الدولية فی العالم، وهذە التجارب هي: monos و  the song is back

 

"مسرحي هو نهر يجري عبر  العالم!" 

مع نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي انشغل الفنانان شامال أمين ونيگار حسيب، في بحث تجريبي تركز على "Culture Physicalconcept"، ومنذ العام 1992 وحتى 1998 دخل الفنانان غمار بحث مغاير حول تقنيات الثقافة الأدائية "Performative Culture" تنحو نحو صياغة أسئلة مختلفة حول إشكالات خطاب الجسد في الزمكان. ولأهداف بحثية أسس الفنانان في العام 1998 مختبر "لاليش" المسرحي؛ في العاصمة النمساوية فيينا.

وفي العام 2000 تمكن مختبر لاليش من إقامة مركزه الثابت، الساعي إلى إيجاد "معرفة الصوت" عبر المحتفل، المراقب المشارك، العمل البرفوماتيفي" بدلاً من المفاهيم السائدة "الممثل، المخرج، العرض المسرحي". والمسرح؛ بوصفه نشاطاً إبداعياً إنسانياً هو مكان للتحول، بمعنى أنه يحدث فيه دائماً عملية (التحول) Transformation على مستويات مختلفة:

- من خلال عملية التمثيل؛ يقوم الممثل بتمثيل كائنات وأشياء ؛ لهذا اتجه المختبر إلى التفكيك وعملية التحول هذه.

- تحول ثانٍ، من خلال افتراض دلالات فنية خارجة عن الفعل الجسدي؛ بحيث يصبح الكائن الفاعل جزءا من العملية الإبداعية مثل ما حدث ويحدث الآن.

- لكن هنالك تحولاً آخر؛ وهو الذي يمارسه الكائن الحي الفاعل في الفضاءات كفعل إرادي؛ لإيجاد أقصى مستوى للطاقة والوصول من "الكيفية" إلى "النوعية"؛ كي يتحول الكائن الحي إلى ذات كاملة. فينهض ذلك الكائن الفاعل كنقيض وبديل كامل لفعل الممثل، لأنه لا يمثل أي كائن ولا يعرض أي شيء خارجٍ عن ذاته؛ فيحقق فعله الإنساني كإنسان حاضر في الزمكان. وتنتفي عملية "النصية" وعملية "التمثيلية"، "Reprecentionality" ، Textuality".

إن تاريخ المسرح وخبراته المنجزة عبر تاريخه الطويل، أوصلت إلى القناعة بأنه من الممكن أن يتخلى المسرح عن كل ما لا يحتاجه بالضرورة لتحقيق الفعل المسرحي؛ فيقذف به خارجاً.. عدا الجسد، لماذا؟ لأن الجسد هو الإنسان. وفي مختبر لاليش تسمى هذه الخبرة المنجزة "عبادة الجسد". وهذه في سياقاتها وأشكالها المختلفة خاصة في الآونة الأخيرة، لا تغفل الصوت، أحد أهم الينابيع العضوية للإنسان، إذ يرى أصحاب التجربة أن الحركة ليست وحدها هي الحامل الوحيد لتاريخ الشخص، أو أنها المعبر الوحيد للفعل الإنساني كما يراها مسرح اليوم كدافع للعمل الجسدي.

ولا يقصد بالصوت ما جرت عليه الاستخدامات التقنية المختلفة في المسرح الحواري والأوبرا والمسرح الغنائي الموسيقي؛ ولا حتى التجارب المسرحية التي يستخدم فيها الصوت عبر المكبرات الصوتية والتقنيات الحديثة الأخرى.

وغاية الصوت والغناء، وفق مفهوم "لاليش"، ليست تعميق الفعل الدرامي، ولا الميل إلى المونتاج المشهدي أو ينحوان نحو التغريب المسرحي، بل بتجاوز هذه التقنيات والأشكال القديمة والحاضرة أيضاً.

من هنا، يجري الدخول في مغامرة صوتية، يسميها أصحابها "الصوت ينبوعاً"، وهو ينبوع دافع ومحرك للجسد؛ وللحدث الفيزيكي ويخلق الإيقاع والحدث، والغناء ليس مجرد أن "يغني" الممثل؛ بل جعل الغناء "مرئيا"، فالغناء هنا لا يفسر الحدث؛ بل هو الحدث نفسه، وهو لا يخلق الأجواء بل هو الأجواء ذاتها، ليمثل "الصوت منبعا"  في محاولة للبحث الجسدي لكن عبر الصوت.

يحاول "لاليش"، عبر هذه الطريقة، الوصول إلى أسرار ما يسميه "الأفعى الملتوية الهاجعة في أعماقنا"؛ في أعماق جسدنا، إن هي تحركت نتحرك نحن ، وإذا تنفست نتنفس نحن ُ، وإذا هي فتحت عينيها نتوجه إلى كل الاتجاهات؛ وإذا فتحت فمها تعبّر عن آلامنا وأشواقنا، وهي أيضا بمثابة صورة حية لقوة الحياة.

يختم شامال أمين بقوله: "أنا أتحدث عن الصوت كأنني أتحدث عن كائن حي. نعم، هو كائن حي، وهو أنا وهو نحن".