متصوف ورؤيوي: توماس ترانسترومير الحائز على نوبل 2011

ترجمة وإعداد : صالح الرزوق*
بحصول الشاعر السويدي توماس ترانسترومير على نوبل الأدب لعام 2011، تكون الجائزة قد أكدت على خطها في اختيار أبنائها المدللين. وهم حكماً من بين الأصوات اليسارية أو الليبرالية ، وممن يهيبون بالبشرية أن تقف مع الضمير للتكهن بالمصير ، وممن يحملون أعباء لغات ثقافتهم بشيء من التأنق المبالغ به أحيانا ، كما هو حال فوكنر  توني موريسون، أو بمزيد من الخيال واللامعقول كما هي الصورة في أعمال التركي أورهان باموك.

وبالمناسبة لم يقع اختيار نوبل للأدب على أدباء "شعبيين" يهتمون بالفئات الشعبية وبأصحاب المهن ، ويعبرون عنهم بلغة "متوسطة" ومقننة وبلا إسراف ، إلا في حالتين : الأميركي اليهودي إسحق بوشفيز سنغر كاتب الطبقات المسحوقة في أميركا وبولندا ، وفيلسوف رجال الدين الضعفاء الذين يعيشون في ظل العرش الإلهي بفطرتهم فقط.، ثم نجيب محفوظ بطل الحارة المصرية القديمة وفيلسوف القلق والأفكار الغامضة.

يعتبر ترانسترومير من النخبة – الطليعة التي تلهم الثقافة المعاصرة في السويد. وهو يتعامل مع الحياة واللغة بمنظور أوروبا الحرب الباردة ، حيث أن الأواصر مع الطبيعة تأتي في الدرجة الثانية ، بعد العلاقة مع الروح التي وقعت في الأسر واستعبدت، والتي قرر صاحبها الانهماك في البحث عن الخلاص، وذلك بنبرة تميل للتصوف ولا ترى أي مانع أو حدوداً بين الجزء ومطلق التجربة . المضمون هنا يخص الذات بشموليتها وليس تجربة الأفراد. وهنا يكمن موطن الفرق بين البورجوازية الصغيرة المفيدة للمجتمع، والرأسمالية التي تستعبد و تنفي ما عداها.

الشاعر من مواليد استوكهولم في عام 1931 . وله مجموعات عديدة صدرت قبل عام 1990 (تاريخ إصابته بالشلل ) ، ومن أهمها : نوافذ و حجارة ، رؤية ليلية ، طرقات ، الساحة البرية ، من أجل الأحياء والأموات ، و غيرها.

كمثال على إنتاجه الأدبي الساحر والأخاذ هذه المقتطفات الشعرية التي قام كاتب هذه الكلمات بترجمتها :

 

1 -  تشرين الثاني في ألمانيا الديمقراطية

 

العملاق القوي ذو العين الواحدة يغطيه الضباب

والأعشاب تهز نفسها في غبار الفحم الحجري.

تعرض للضرب على يد أحلام الليل حتى أصبح أسود وأزرق

نحن نصعد على متن القطار 

الذي يتوقف في كل المحطات 

ويضع البيض.

تقريبا بصمت مطبق.

رنين دلو ناقوس الكنيسة

يغرف الماء.

ويشتم كل شيء في جميع الأرجاء.

إله من الحجر يحرك شفتيه :

هذه هي المدينة.

يحكمها سوء تفاهم له قبضة من فولاذ

وبين حضور في أكشاك الجزارين

وعمال الحديد وضباط البحرية

سوء تفاهم بقبضة من فولاذ ، وأكاديميين !.

كم هي عيوني ملتهبة !.

كانت تقرأ في بريق خفيف لمصابيح الدودة الملتهبة؟

تشرين الثاني يقدم لك كراميلا الغرانيت.

هذا شيء غير متوقع.

مثل تاريخ العالم

وهو يضحك على الأماكن المغلوطة.

ولكننا نسمع رنين 

الدلو – ناقوس الكنيسة و هو يغرف المياه

كل أربعاء

- هل هذا هو يوم الأربعاء ؟-

كم يشبه أيام الآحاد الخاصة بنا !.

 

 

2 - في الضواحي

 

رجال بأفرولات لها لون الأرض حین تنهض من حفرة عمیقة.

هذا مكان انتقالي ، وهو بمرحلة جمود ،  لا ینتمي للریف ولا المدینة.

رافعات البناء تلوح في الأفق و تجمع أنفاسها لتقفز بقوة ،

لكن الساعات ضد ذلك.

مضخات الإسمنت مبعثرة على فترات في دائرة الضوء بألسن باردة.

وحوانیت أتوماتیكیة تحتل الحظائر القدیمة.

الأحجار تلقي ظلالا جارحة مثل أشیاء لها تضاریس على سطح القمر.

وهذه المواقع تواصل التمدد بالحجم

مثل الأرض التي اشتریناها بفضة يهوذا : " یا له من حقل مجهز

لدفن الغرباء." 

 

* ناقد ومترجم من سوريا