ما يأخذه البحر

رائدة زقوت* 

"بحرٌ لا يرحم، لا يستجيب للنداء، لا يستوعب قلب متوسل متسول، لا تحتويه الزجاجة ولا يفيض بروائح مشتهاة وقت الحاجة".

 هذا ما كان يدور بخلده وهو يقطع المسافة باتجاه البحر، لا يحمل غير أسرته في سيارة متهالكة وبعض الزجاجات التي ينوي أن يعبئ البحر فيها، علً ما ينقصه يكتمل ويرتاح قلبه وبعض حواسه المضطربة الفاقدة لشيء ما لا يعوضه ملء زجاجات الأرض من مياه البحار والمحيطات.

 للبحر أسراره الخاصة التي يسر بها لمن يشتهي وقتما يشتهي، كان يزيد الضغط على دواسة السرعة في سباق مع الطريق الملتوي المتعرج كما خطوط حياته التي رسمت ذات قدر، على حين غفلة منه.

" تباً للبحر كم يخذلني وقت ارتقاء الشهوة إلى قمة الحواس والجسد "> لا عائق مهما كانت خطورته قادر على أن يبعده أو يزحزح فكره قيد أنملة عن رحلته شبه الأسبوعية صوب البحر. يجلس قبالته ينزع أغطية الزجاجات الفارغة إلا من هوسه، ومن بعض أحلامه المحكوم عليها بالوأد مسبقاً كما حكم عليه هو ذات فجيعة، بحمل الزجاجات ليتسول بحراً ليعيش عمره المبتور وسط أعمار بعضها قصف، وبعضها مازال مشروع عمرٍ مقصوف مؤجل.

 افترش رمل الشاطئ، صوّب وجهه صوب الغرب في صلاة خاشعة لا يفهم كهنها إلا مأخوذ على حين فجيعة. أخفى عينيه في بطن  نظارة سميكة لا تكشف عن نظرة، ولا تسمح للدمع بأن يتسرب خارج ذلك الإطار السميك المجوف. ماذا يحدث لو قطع تلك المسافة سابحاً صوب قلب البحر؟ ..كان هذا ما يجول في ذلك الرأس المعتاد على الهروب صوب الزجاجات ليفرغ ما فيها في جوفٍ جزع من هول الفجيعة.

"لن أصل صوب القلب، فقصف الأعمار ما زال متوهجاً في بريقٍ لا يفهم ما يعنيه إلا من خِبرَ عمراً مقصوفا، أو رأساً يترنح باحثاً عن جسد ليعيد له البحر. " طال مكوثه قبالة الشاطئ يفرغ في جوفه بعض الزجاجات ويعبئها بماء البحر، كان عدد الزجاجات يزيد والبحر لا ينقص منه شيئا، ". سُحقاً للبحر متى يقل قليلا وتنحسر المسافة حتى يتسنى لي التسرب صوب عمقه أنا وسمكة قرش أو حتى حوت مفجوع ببحره ؟..

.أخذ يقترب من البحر أكثر وأكثر. غطى الماء نصف جسده، هبت بعض نسمات البحر الغربية، زادته هياجاً وإصرار على المضي متعمقاً صوب قلب البحر. كانت رأسه أثقل من أن تقرر أن العمر أصبح قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح مقصوفاً. خف جسده أكثر وأكثر أصبح كريشة طائر. تعمق أكثر لا يحمل غير ما أفرغه في جوفه من تلك الزجاجات، وحلمٍ صودر قبل قدوم مرحلة البلوغ بوقت لا ينسيه البحر، ولا ينتزع منه ذاكرة بأنه كان قبل قصفٍ أهوج سيد البحر. غطى الماء الجزء الأعلى من جسده والرقبة. لم يبق غير أنفه وتلك العيون المدفونة ببطن ذلك الإطار السميك المجوف،" سأصل لا محالة ". كان يردد في عقله المليء حد التخمة بما كان في الزجاجات التي عبئت  لاحقاً بماء البحر. زاد جسده خفة، اندمج أكثر مع البحر كقطرة ماءٍ، أحس فجأة بثقل قوي في رأسه وجسده، ألآمٌ حادة تدفعه ليتأوه بصوت مجروح كترنيمة حزنٍ جنائزية.

 استفاق من وجعه ليجد نفسه ملقى على الشاطئ، والزجاجات تأخذ طريقها عائمة في قلب البحر صوب غربِهِ، لتتم صلاته التي بترها ثقلُ رأسه ومفعول الزجاجات الفارغة .

* كاتبة من الأردن