لوحات لوحيد قصاص

المجال الحيوي للرسام السوري وحيد قصاص

صالح الرزوق* 

لا ينتمي الفنان التشكيلي وحيد قصاص لمدرسة معروفة في سوريا ، و لا سيما مدارس المنطقة الشمالية ، و التي لها باع طويل في إعادة ترسيم الحدود  بين الطبيعة و الإنسان.

فهو لا يأخذ من الرائد المعروف فاتح المدرس مشاعره في الورع و التبتل ، ولا طريقته في الاقتراب من الحزن و الكآبة ، وهو أيضا لا يدخل في الدائرة الرمادية للفنان لؤي كيالي الرسام الانطباعي الذي تخصص في ( فقراء الناس ) ، و في تقديم مفهوم مبتكر وجديد للعطالة التاريخية ، حيث أن أشخاص اللوحة دائما يقدمون لنا مواقف تأملية ، وهم وسط تيه مقفر.

 لكنه  يعكس في جميع لوحاته نوعاً من السلوك المعاكس تجاه الذاكرة.

إن المجال الحيوي للفنان وحيد قصاص هو الماضي وعناصره ، وبالأخص قنديل الزيت المستخدم للإضاءة ضد العتمات ، وأزياء منتصف القرن المنصرم ، والبيوت التي تنقصها النوافذ ، وأحيانا التي لها نوافذ ضعيفة و ضيقة ، مع بعض الإشارات إلى أمومة تقتصر على رعاية البيت و الأطفال ، و ليس المشاركة و لا العمل.

 إنه دائما ينتقل بالمجال البصري إلى مرحلة متأخرة ، أو منصرمة  لكنه لا يضحي بتألقها. وهو غالبا ما يحاول تثبيت المراحل. ولو شئنا العودة إلى مصطلحات فرويد ، يوظف نوعاً من التثبيت التاريخي لطفولة صامدة ولا تود أن تتطور.

و مع أنه يحاول تكسير العلاقة الطبيعية مع الإنسان و صورته ، فهو يصور جوهره الفكري وانعكاسات الخيال على صفحة من الأحلام و العواطف.

 ربما لهذا السبب فإن ألوانه ناصعة : الأصفر الممزوج بقشرة الذهب ، الأزرق الفيروزي ، الأحمر الملتهب.. االى آخره.

و هذا يضعه بين قوسين .

– الانطباعات المتشابكة عن الفترة التي دالت دولتها ، وهي الفترة البسيطة وغير الصناعية من الريف والمدينة ، حيث تعود القيمة ت لليد العاملة و لتداخل الحواس مع الفضاء الشاسع ، ولمظاهر القوة العضلية عند المذكر ، ومظاهر الخصوبة عند المؤنث ، وليس لأدوات الإنتاج. وهو ما يفسر لماذا تركز  تكويناته على الإنسان البسيط وحيوانات المنزل الأليفة. ولماذا هو يتعامل مع تلك الفترة الكئيبة بشيء من النوستالجيا والمحبة الفائقة ، و أخيرا لماذا إنه لم يقدمها  إلينا بصور مركبة و شحيحة الإضاءة ، بل بخطوط رفيعة واضحة  زاهية الألوان.

– الاقتراب بخطوات حثيثة من المبدأ الرومنسي  الذي يفسر الظواهر الطبيعية بالأفكار الخارقة ، وهذا يتطابق مع الأدوات الفنية لحوض البحر المتوسط  التي تعتمد على المبالغة والإعجاز و الخرافة في تفسير ثوابت السياسة و المجتمع، و الإشارة هنا إلى بيكاسو المريض الموهوم بوجود بشري من غير مستندات مستقرة.

من هذه الهوية المركبة  التي قوامها الحنين إلى أيام سلفت وضياع الحدود التي تفصل الإنسان المعاصر عن صورته وعن الطبيعة البدائية المحيطة به يستمد الفنان وحيد قصاص عناصر مجاله الحيوي.

 

حلب - شتاء 2011
*  كاتب وناقد تشكيلي من سورية

w7eed8.png
w7eed7.png
w7eed6.png
w7eed5.png
w7eed4.png
w7eed3.png
w7eed2.png
w7eed1.png