لوحات لنوال غانم

الألوان والخطوط في لوحات الرسامة العراقية نوال الغانم*

صالح الرزوق** 

لم تتسن لكاتب هذه السطور فرصة حضور أحد معارض الفنانة نوال الغانم، غير أنني تمكنت من تكوين فكرة عن حساسيتها الفنية، من خلال لوحاتها المتوفرة في ألبوم صحيفة "المثقف ".

من النظرة الأولى  يتبين تميز الرسامة التي  تستند في فلسفتها، وفي التكنيك الخاص بها  إلى أضلاع المثلث التالي :

– التركيز على الألوان الساطعة والمشرقة لا سيما الذهبي والأصفر، كاستعارة مكنية تشير إلى النار والشمس،  مع اللون الرديف المتصل بهذه الثنائية  وهو البني.

– ولأن هذه الألوان ليست من الطيف الأساسي الذي تبصره العين، فهي وسيلة  للتعبير عن الحالة أو الموقف ، والإشارة هنا إلى الطبيعة الغامضة للأشكال غير المباشرة وغير المعرّفة التي يصعب على المشاهد أن يطابقها مع مخزونه في أرشيف البصريات. ومن المؤكد أنها في بعض المراحل تعكس الانطباع وربما التأويل الذهني لمطلق المعنى.

– ولأن الألوان بالنسبة للفنان بصفة عامة ، مثل السيف بالنسبة للمحارب، فهي أصدق إنباء  كما يقول أبو تمام  من أية صورة واضحة وميتة ، وهي لدى الفنانة العراقية نوال الغانم تُعبّر بمنتهى البلاغة وبلسان فصيح عن حالة من الاحتراق الوجداني البطيء، وعن الأسلوب "المبيت" للمواجهة بل إنها تعكس حالة المحارب حينما تكون رحى الحرب في أوجها.

 باختصار هي ألوان حزينة وغاضبة في الوقت نفسه، تدمج بريق ألسنة النار التي تشتعل، في منعطفات الرحلة النفسية والذهنية لأفراد المجتمع، مع اللون البني الذي يصفه الفنان الراحل فاتح المدرس بأنه  "لون سياسي خامد  يدل على البقايا أو الرماد".

إن عدم توفير أية مساحة ولا حتى أثر للون الأخضر  يأتي بمثابة رسالة واضحة  تنطوي على إحساس بالتصحر النفسي وبخيبات أملنا، وربما بعصاب جماعي ناجم من وطأة الهزائم التي تداهم التكوين الأساسي للحياة.

وبمفردات لاكان إن الألوان هنا بمثابة الليبيدو في البنية البشرية ، بمعنى أنها عضو أو عنصر تتكون منه الخامة والصورة ، وبمعنى أنها أداة  كذلك. فالألوان  لدى نوال الغانم ، لا تنتج المعنى اليتيم والوحيد والميت ( أو الناجز ) لكنها تتشكل ( بمعانيها ) من خلال المسافة الطارئة التي تتعامل مع النشاط البصري كأداة من طورين : العين أولا، ثم النظرة(1) .

غير أن ما سلف هو نصف الصورة فقط، وتشكل النصف الآخر لوحات تصور بعض الأقواس وأنصاف الدوائر، وهي في وضعيات الانحناء والتكوير والانتصاب، وهنا يتحول المنظور إلى إمكانية، وإلى محطة للمكابدة مع فكرة تتشكل، أو ظل يحتاج إلى تفسير ، وقبل ذلك إلى مضمون. لذلك هي تترك لدى المشاهد إحساساً بالانطواء المؤلم والمبرّح ، وبالاغتراب وصعوبة التواصل، وأحيانا يمكن أن توحي بالتآخي المحايد مع الطبيعة التي تعاني من القهر.

هناك في اللوحات عنصر خلافي آخر هو الفجوات.

 وهو لا يتطابق مع الأصول التدميرية والعنيفة لغريزة العدم والفناء، كما في أعمال هنري مور أو ماذير ويل مثلا، ولا هو يدين بمعناه إلى مبدأ الفراغ الوجودي وأخلاق الشك، لكنه يبدو أقرب إلى الذخيرة التي تعكس المضمون والمشاعر، لا سيما الناجمة من عسر حضاري والتي تصعب رؤيتها، والمنضوية في باب الصفات والعواطف، مثل الحنين والأمومة والتضحية،  وأحيانا الخوف و الترقب، وغير ذلك ( انظر شكل 1 ).

إن الفجوات في لوحات نوال الغانم مجرد مكان شاغر يعبر عن العواطف الوشيكة، والتي تصورها في مجمل الأوضاع والأشكال، ومن ذلك : الانحناء الذي يدل على العناق، والامتلاء الذي يحتمل معنى الحمل والجنين، وهلم جرا. وهي أيضا أشكال لأفراد منفصلين عما حولهم، ومنشغولين بمأساة تتطور في الداخل. هذا يعني ضمناً أن العلاقة ليست وجودية، ولكنها من طرف واحد وتتجه لتأويل معاناة الأفراد . 

وعلى سبيل خاتمة يجدر القول: إن نوال الغانم لا تؤمن بالمحاكاة، لكنها تضغط لإنتاج أسطورتها الشخصية الخاصة، التي تدخل في عداد أساطير التكوين، وذلك بالاعتماد على عنصرين أساسيين فقط هما: الألوان والخطوط الصماء.

 (1 ) لمزيد من التوضيح والتفاصيل بهذا الخصوص انظر :

The Four Fundamental Concepts Of Psycho – Analysis. By : acques Lacan. Penguin books. 1994 .

نيسان 2011  

*نوال الغانم: شاعرة وفنانة تشكيلية من العراق مقيمة في سيدني / استراليا ،أقامت معارض في دول الخليج العربي وفي استراليا وتستعد لإقامة معرض في سورية. تهيىء حالياً رسالة دكتوراة في تخطيط المدن.

** ناقد وكاتب من سورية.

 

 

nawal (6).png
nawal (5).png
nawal (4).png
nawal (3).png
nawal (2).png
nawal (1).png