لوحات لمها محيسن

التشكيلية مها محيسن : قـراءة تـذوقـيـة في الغموض والوضوح

طلال دفع الله عبدالعزيز*

أم درمان ، السودان ، افريقيا ، الكوكب الأرضي .. كون الله.

كان التقاؤنا في فضاء الله الواسع . أغوتني فلم أتمنـَّع أو أمانع. فمَن يملك نفسه حين يُواجَه بمثل هذا الفيض الجمالي الذي يتفلـَّت ويتسامى على الأخيلة ، فيكون فوق وثبات الخيال ؟.

عليه فلا تثريب عليَّ أو عليها ، فللحب طلاسم تفكـِّكها قلوب المحبين، ولله في خلقه شئون !.

 أغوتني ـ كنت أقول  مها محيسن ؛ وأدخلتني عوالمَها كأنها تمسك روحي بخيوطٍ عذبةٍ غير مرئية ..

أغوتني بهذا الشيء جميل الغموض الذي تحمله لوحاتها ؛ اللوحات التي تعطي تفاسير متفلـِّتة ومخادعة ، بينما هي  في الوقت نفسه كريمة اليقينية .. فاللون عندها هو اللون وليسَه؛ الخط هو الخط، لكنه يتحرك بين إحداثيات غرائبية الأبعاد، حيث يتشاكل عندها الأفقيُّ بالرأسي و يتماهيان في توازٍ . اللون يعطيك للخط شروحاً، والخط ينسى نفسه وفطرته حين يسامره اللون، دون أن يساوره أدنى شك في حلولية كلٍّ في كل. فكما أن للخط لغته وللون لغته، فإن شيئاً هجيناً ينشأ بينهما دون رابط مرئي هو شئ خلاسي وغامض، مثل إختباء الفاعل في المبني للمجهول.

طافت بى ألوانها عوالمَ شديدة الخطر، وكذا خطوطها .. خطر ذوبان المحب في ذات المحبوب، رغم يقينه أنهما مختلفان كالمفرد المثنى في صيغة الجمع.

ليس في الأمر عجبا.

فالمرأة إنس والرجل إنس والمثنى في صيغة الجمع ـ مفرد : "إنسان" ! كالموجة بين سهل وسفح ، تراها إثنتين وهي واحد ، وتشهد أنها واحد وهي إثنتان!.

أتراني كل ما أوضحت غمضت .. حال النـِّفـَّري يقول " كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة ".

يا للرؤيا التي يعطيكها خط و لون مها محيسن !.

 أحببتها وأحبتني. أحببتُ فيها ذلك البهاء؛ وأحبَّت هي شهيق الدهشة الذي يخرج من حباب عينيَّ ؛ كطفلةٍ ترى نفسها وللمرة الأولى تنعكس من على صفحة مرآة، فاللون عندها لغةٌ لها لغتها .. وللخط عندها أطيافٌ.

عندها حمدتُ لهذه المشيمة التي تتأمشج في فضاء الله الواسع، فتكاد تجعل نسيجك متناغم الخلايا مع الآخر وأنت لا تعرفه ولم تره ، لأنك  ببساطةٍ شديدة وغير معقدة ، لم تلتقيه أصلاً. هذه المشيمةالمسماة فيسبوك ومثيلاتها، إستوجبت منا الشكرَ والعرفان  تعريفنا بها   بـ مها محيسن ـ لأنها مبدعةٌ حقيقية تعمل على جعل الكوكب الأرضي وطناً واحداً للكل في هذا الكون اللامتناهي ، فتصيِّرُ الجنسيةَ إنساناً.

تعلمت منها، من هذه اللوحات أن كوكبنا الأرضي يمكن أن يكون مكاناً ملائماً، وجديراً بالعيش فوقه . كما تعلمت منها أن الأحلام يمكن أن تـُرى من خلال الرؤيا، وأن الحواسَ بعد الحاسة السادسة، حواسٌ لانهائية.

بهذا الغموض الواضح في لوحاتها، الذي يعطيك يقينية كريمة بأن ثمةَ حيواتَ أخرى تُحسُّ ولا تُلمس؛ وأن الواقع والحلم شيء واحد إذا أجدنا التحديق المتأمِّل. بهذا الغموض إتضحت أمامي الرؤية أكثر، وأشعلت فيَّ جذوة الشك في ماهية أي العوالم نحيا الآن .. فتحت أمامي آفاق الإختيار بكرمٍ جعل الإختيارَ أمراً صعباً. فالإختيار تهتز عبارته فتمثـَّلتُ قولةَ محمد بن عبدالجبار النـِّفـَّري : كل ما اتسعت الرؤيا .. ضاقت العبارة.

لا أدري لِمَ هذا الإستطراد المتعمَّد، وأنا هنا فقط لأحييها بما يتعين أن يُحيّا به المبدعون الحقيقيون أنـَّى وُجِدوا:

سـيـدي الـفـنـانُ

فـوقَ الـريـحِ مـوّالٌ خـُرافـيُّ الأصـالـه

أيـهـا الـفـنـانُ

هَـبْ لـلـكـونِ تـفـسـيـراً و مـعـنـى

. يـسـلـخُ الـعـالـَمَ مـن جـلـد الـضـحـالـه

 

* شاعر وكاتب من السودان

8.png
7.png
6.png
5.png
4.png
2.png
1.png