لوحات لعصام طنطاوي

الفن لهوٌ مُنظم والطبيعة مُعلمٌ أكبر  

عصام طنطاوي*

ثمة تنظيرات ملتَبسة رافقت حركة الفن التشكيلي الحديث، وتصورات غامضة طوباوية لدى البعض تُحَمِّل الفنان ما لا طاقة له بها. لم يخطط الفنان قبل دخول مرسمه إرتداء عباءة النظرية، وأن يغدو الإمام المنتظر ولا ذلك المصلح العظيم.

ثمة رؤى مختلطة ما بين الحلم والواقع قد لا يتمكن الفنان لغوياً من تفسيرها، وبوح بصري يظهر بحريةٍ على سطح اللوحة: هي لغته الصامتة والصاخبة في آن، ومفرداتُ مكوّنةُ من أشكالٍ وألوان قد تنوب عن اللغة العادية المكتوبة والمحكية، ولعلّها اللغة الأصعب ولا تضاهيها في هذه الوسيلة من التعبير سوى الموسيقى، أم الفنون، على الإطلاق.

تثيرني دائماً رغبةٌ متوقدةٌ بالمغامرة والدخول إلى مناطق جديدة لم أطرقها قبلاً. أحب أن أفرح خلال العمل باكتشاف تكوين جديد ومجموعة لونية مختلفة تفاجئني وتثير فيّ الدهشة، حتى لو جاء ذلك خروجاً على الأسلوب الذي إتبعته في لوحةٍ أخرى في معرضٍ حالي أو معرضٍ سابقٍ.

أؤمن بلا مواربة أن الفن هو نوع من اللهو المنظم، الذي يسير في الوقت نفسه بمحاذاة أو تحت رقابةٍ عاليةٍ من الوعي، ويفترض أن يكون مصحوباً بالخبرة والمهارة معاً، وكذلك أرى أن التجريد لا يهبط من الهواء، فهناك مرجعية واقعية لهذا التجريد حتى في أقصى حالاته تطرفاً.

الطبيعة هي المعلم الأكبر، وبالنسبة لي فإن المشهد العَمّاني/ عمانّ يسكنني في تراكماته المعمارية العمودية المتشابكة التي تنعكس على مجمل أعمالي، وإن لم تظهر بشكل مباشر في لوحة واحدة، لكنها ما زالت تثري ذاكرتي الجمالية والعاطفية معاً.

وكل هذه اللعبة (الفن) أراها جامدةً ومفرغةً من القيمة، إذا خلت من المتعة البصرية ولم تتضمن، بصورة ما، قدراَ من الطاقة الروحية لمبدعها. الطاقة التي تسعى لأن تستثير المخيلة نحو المزيد من التأمل الهادىء والعميق لعلاقاتٍ جماليةٍ فكريةٍ في رؤية التكوين واللون، التي قد لا نألف بعضها بسرعةٍ، لكنني أطمح أنها ستحقق للمشاهد بعضاَ من الدهشة البصرية المثيرة، فتستثير العين والعقل دوماً وتدفعه لإعادة إكتشاف العمل الفني من جديد، وكأن المشاهد سيعيد تشكيل وقراءة اللوحة كما يهوى، وقد يرى فيها إذا أحبها وتفاعل معها وتمعن فيها مطولاً شيئاً من ذاته.

أكرر دائماً أنني لا تستهويني اللوحة التي تُسلّم "نفسها" للمتلقي من النظرة الأولى. إنّ هذا الكيان الغامض/ الواضح الماثل أمامكم، الآن، مرّ في خاطري وعبر يديّ بمراحل شتى وانفعالات عارمة متدفقة، بين الحذف والتردد والقلق وإعادة النظر والعمل المتواصل، الذي يصل أحياناً إلى رغبة التدمير، وقد فعلتها في أكثر من عمل عاندني وكان مصيره الإلغاء التام، أو طلاءه بالأبيض لتنشأ على سطحه لوحةٌ أخرى قد تمتلك الجدارة بالبقاء.

هذه مجرد هواجس ذاتية عن علاقتي بهذه اللعبة المضنية والشيقة (الفن)، وليست حديثاً عن هذه اللوحات بالذات، التي لعلّها ضجرت مني لكثرة ما أرهقتها بالعمل عليها، وربما فرحت بخروجها من مرسمي إلى هذا الموقع  لتستمتع الآن بمصافحة عيونكم.

تشكيلي ومصور فوتوغرافي من الأردن ولد في القدس العام 1954. أقام معارض شخصية وجماعية في ألمانيا، إسبانيا، بلجيكا، مصر، تونس، الإمارات، الكويت، أندونيسيا، والعراق، وفاز بالجائزة الذهبية عن مشاركته في معرض نيسان للصور العربية الذي أقيم في بغداد في العام 1993، وهو متفرغ للفن في مرسمه الخاص في اللويبدة بعمّان.

9.png
8.png
7.png
6.png
5.png
4.png
3_0.png
2_0.png
17.png
16.png
15.png
14.png
13.png
12.png
11.png
10.png
1.png