لوحات لعدنان المصري

تأليف تكعيبي في لوحات اللبناني عدنان المصري

الحرف عمارة ذوقية ومفردة تجريدية

نور بلوق* 

   تستلهم اللوحة الحروفية العربية المعاصرة , معطيات لم تكن سابقاً في الحسبان.  منها للحرف والإشارة وهو ما أسس له الفنان العراقي الرائد شاكر حسن ال سعيد . ينضغط  الحرف تلقائيا لتصير اللوحة شقاً في ذاكرة جدار الزمن ، وربما تطعيماً كولاجياً, أو حرقاً واشتغالا على الجزء المحروق من المسطح التصويري . انها تحول الحرف الى اشارة, والاشارة الى تهويمة , والتهويمة الى اندياح الرؤيا الفنية في عالم من البوح الهادىء الذي لا بد من ان نصل إليه في نهاية المرحلة .. إنها تشبه الى حد كبير , رحلة الطائر الثلاثون "السيمورغ" حين يجد نفسه وحيداً على جبل قاف .. حيث تتجلى صورة ذاته فيحترق بذاته ليصير رماد أبديته .. هكذا  هي لوحة الاستلهام الحروفي عند مؤسسها مطلق التيار الحروفي شاكر حسن ال سعيد .

لكن التفسيرات المتعددة لهذا التيار الحروفي , تطورت هي الأخرى . فمن المدرسة النصية التي اعتمدت النص الكتابي العربي كخلفية للوحة , الى التيار الانكساري الذي اعتمد تكوين المساحات المستحدثة ضمن علاقات الحرف الكوفي المسطري ، الى الحروفية الهندسية التي تستغل مطاطية أو بلاستيكية الحرف العربي كما هو الأمر عند نجا المهدوي, الى التفسيرات الايرانية للتأليف المتداخل للكتابة الفارسية .

لكن ضمن هذه التيارات المتعددة  وخارجها في آن واحد , يبرز الفنان اللبناني عدنان المصري . فما الذي أضافه هذا الفنان ؟. 

في البدء , لا بد من الاعتراف بأن هذا الفنان اشتغل على تجاربه التأليفية في اللوحة منذ اكثر من ربع قرن , فهو دارس للفن ومتخرج في بيروت العام 1965 , لكنه أيضاً ذلك الدارس المجتهد  في جامعات باريس , حيث درس هناك الجداريات والحفر . ناهيك عن كونه لم يكتف بالدراسات الفنية العاليا ، بل درس أيضا ً علم النفس وعلم الاجتماع ليجمع معارفه الأكاديمية في دراسته العليا لفلسفة الجمال ....

إننا حيال باحث جاد  يستحق الخوض في تجربته بوعي نقدي . 

هذا الفنان الباحث  تناول الايقاع الحروفي من معطيات مغايرة , حيث رأى أن الحرف هو عمارة ذوقية بقدر ما هو مفردة تجريدية للتواصل والاتصال عبر النص الكتابي . من هنا يرجع عدنان المصري الحرف الى تكوينه الهندسي الأول ، ,لكنه لا يتركه معلقاً كقوة تجريدية صوتية قابلة للاندثار وسط أي تأليف لوني على مبدأ جرىء ينم عن متابعة دقيقة للوحة في جميع اجزائها . انه يربع الدائرة أحياناً ، ثم يقطع بمستطيلات دخيلة تصبر جزءاً من تأليف لمجرد أن يلامس حضورها جسد ذلك الحرف الكوفي الذي انتصب وتكون كقوة هندسية موازية . ثم يعمد وسط كل هذا التناظر إلى إدخال المفاجآت اللونية القاسية . وهنا تلعب الألوان الغامقة  لعبتها في تنوع الأعماق الأساسية في اللوحة .

نظام هندسي متوازن  قوامه جسد الحرف القاسي وأحياناً جسده اللين . لكن هذا النظام لا يتقدم كقوة مكونة من مستطيلات ودوائر طافحة بمعطياتها اللونية كما الأمر عند "بيت موندريان " ، بل ستلغي العين تلقائياً ذلك النظام السطحي الهندسي لتذهب بسرعة صوب الحركة والجيشان القوي الذي خلقه تصادم أو تجانس الحروف ، في واحدة من أكثر العلاقات إثارة وإغراء . 

لا تعرف مع لوحة المصري من أي تبدأ ولا أين تنتهي , لكن الذي تدركه أن الفنان نجح في جذبك باتجاه عالمه الاشاري والحروفي , الذي يتكرر ويتصارع ليصير مدينة الذاكرة الشرقية أو العربية مهما حاولنا أن نتعامل بوعي أو بيقطة مع المسطح التصويري لهذا الفنان .

إن استعمال الألوان ( الغواشية ) أسعف الفنان في تقميش جسد الحرف وخلق الحدود الواضحة بين العناصر الأساسية للتأليف . لكن لا أحد من محترفي الرسم  إلا ويدرك الصعوبة التي يشتغل فيها الرسام بهذه المادية المائية التي تتواسط ما بين طراوة " الاكواريل " وكثافة " الاكريلك " . انها مادة تأسسية ذات نتائج جيدة لكنها تحتاج الى خبرة احترافية .

عدنان المصري ومن خلال هذه المادة ، يؤلف لوحة ذات مواصفات جدرانية من حيث الشعور بالامتلاء والتمدد ، وهي أيضا ً تمتاز بالحركة الداخلية وبالبناء أو التقطيع التكعيبي الذي يرسم أمامنا أبعاداً عدة على المسطح الواحد . 

بالطبع لا أحد منا , ولا عدنان المصري ذاته ,كان  يعرف المدى الذي يمكن أن تذهب أليه مثل هذه التجربة .... يبدو أحياناً أنه يغلب القوى اللونية على القوى الإشارية . وهذا يعني ذهابه باتجاه لوحة " الأوب ارت " أي الفن البصري الذي يعتمد على زغل الرؤيا وتوازن أو تعارض المساحات ،ولكن هناك ما يستحق الانتباه اليه  من شجرة الحروف , ضمن بناء تجريدي عام لا مكان فيه للصورة . بل لروح عقلانية خلابة تصل اللغة كنص منطوق  بالحرف كنص مصور . فلا غرابة أن نرى ما هو صوتي مدغماً بما هو تصويري ... وما هو إشاري يتحرك ليوصل المختلف إلى مستوى المؤتلف. . 

إذا ً نحن حيال تفسير ناضج لأحد الاتجاهات الحروفية ، في الوقت الذي كنا نعتقد بأن تيار الحروفية في الفن التشكيلي خلقته مرحلة الانتماء للتراث لدى الفنان العربي ، وأضعفته مرحلة الذوبان أو التداعي في نظام العولمة الجديد.

 

 

الفنان عدنان المصري من مواليد بيروت عام 1937  درس الرسم والتصوير في الأكادمية اللبنانية  سنة 1969  نال ليسانس في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع في جامعة بيروت العربية . ونال ماجستير فلسفة علم الجمال في الجامعة اللبنانية، ما بين 1977-2001 عمل استاذاً في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية، ونال شهادات وجوائز من الكويت وجامعة الدول العربية ومعاهد الفن في الاتحاد السوفياتي. وشارك في العديد من المعارض الجماعية، كما أقام معارض فردية،  كان له حضوره المميز في الحركة الفنية اللبنانية المعاصرة , توفي الفنان سنة 2010 .

( اللوحات المنشورة هي جزء من مجموعة متحف فرحات للفن العربي والإنساني في بيروت).

 

رسامة ومستشارة ثقافية لمتحف فرحات/ لبنان

 

http://adnanelmasri.wordpress.com

http://Farhatartmuseum.info 

 

Adnan Al Msri (3).png
Adnan Al Msri (13).png
Adnan Al Msri (12).png
Adnan Al Msri (1).png
Adnan Al Massri Art F.A.M ..).png
Adnan Al Massri Art F.A.M (19) .png