لوحات لحسين نشوان

مدينة الحلم في "تنويعات" حسين نشوان
جعفر العقيلي*
تكشف تجربة التشكيلي الأردني حسين نشوان، عن أسلوبية جديدة اجترحها الفنان في التقنيات والموضوع على حد سواء. إذ اشتغل نشوان في لوحات الإكريليك، في المسافة الفاصلة بين مدينة الحلم والمدينة الغائبة، وبحثَ في منطقتين ينتفي فيهما الحضور، ليتم استعادته عبر الضوء الذي ينبثق من كل الجهات دونما تردد.
تشكل لوحات نشوان بناء فسيفسائياً، أو ما يشبه التركيب لعدد من الإيقاعات اللونية التي تشكل في النهاية جسد المدينة. على صعيد التقنية، فإن الرسام بعد استخدامه الألوان الزيتية في تجارب سابقة، فقد انتقل إلى تجربة الرسم بألوان الأكريليك التي تتسم بالشفافية.
تقترح اللوحات موضوعاً يغرد خارج السرب، لاقتراب مناخها من التجريد وتراصف اللون وتشابكه، ليَظهر كما لو أنه نص بصري شعري.
وفق ما يرى الكاتب محمد جميل خضر، فإن التناولات الأسلوبية لنشوان تتنوع بين الصيغ  التعبيرية ،والتجريدية والرمزية وحتى التكعيبية. فيما أخذ التكوين اتجاهات التعامد أو الأفقية أو المجاميع والتكتل، وتمثّل في إيحاءاتها حالات أخرى منها التاريخ وحركته البندولية المتأرجحة بين الحضور والغياب، وبين الوضوح الشفيف والغموض المترقب والمكان وحضور الضوء في المكان وحالاته الكثيرة.
واللافت أن الألوان التي تفيض بها اللوحات ليست باردة بما يكفي لكي تغيب، ولا حارّة بما يمنحها فعل التوهج الساطع. وهي تنسلّ داخل فضاء اللوحة في عمل، ثم ما تلبث أن تسطع بإشعاع نفّاذ في آخر.
بحسب الناقد التشكيلي محمد العامري، فإن نشوان استطاع أن يقدم نفسه كفنان ينتصر لجماليات المكان، مضيفاً أنه استفاد من تكوينات المكان وتراث العمارة الشرقية العربية والزخرفة والحروفية، ليبدو عمله شرقياً بحتاً.
ويرى العامري أن الفن يشكل عند نشوان "هاجساً مهماً"، مستدلاً على ذلك بأن الفنان يقتنص الفرصة ليرسم ويلوّن ويحلم. ويضع العامري ذلك في خانة "الروح الخلاقة التي تضغط على الكائن وتحفزه باتجاه العمل والحلم عبر العمل الفني".
للمكان حضوره في لوحات نشوان، وهو حضور يتبدى بصور أقرب إلى الفعل الزخرفي أو النسيجي، حيث يخطط الفنان المكان كمادة جمالية تنتمي للعمارة المقدسة، ثم يقوم بتعبئة الشكل بالزخارف والتزيين كما لو أنه فعلٌ نسيجيٌّ ينتمي لمرجعية الفلكلور الفلسطيني المبثوث في الأثواب والأواني القديمة، وفق العامري.
في هذا السياق يواصل نشوان رحلته مع المكان بطريقة جديدة "تنتظم عبر تفكيك الزخارف التي كانت تتمظهر في أعماله السابقة، عبر فتح المساحات وجعلها أقرب إلى تجريدية المكان من دون فقدان نكهته الشرقية".
والمكان في أعمال نشوان كما يرى العامري هو: الموضع وتحولاته، وهو المطلق، ووكنات الطير، ومنازل الأهل، وهو إلى ذلك الاستقرار والوجود والثبات في مكان، وبما يتّفق فيه المعنى مع الدلالة. وهو فوق كل هذا وذاك "موضع العيش والإقامة، وموضع السفر والهجرة، وهو الحيز الذي يحوي الإنسان وأحلامه، ويتسع ليشمل الكوكب الذي نعيش عليه".
يتساءل العامري: "هل كان نشوان وما زال يقيم في زخارف ألوانه وأمكنته التي غابت عنه، أو تلك الأمكنة المقدسة التي شاهدها في الطفولة لتصبح مؤونته في الرسم والتلوين؟". يخلص إلى أن أسئلة من هذا النوع تجيب عنها تجربة الفنان الدائرة في فلك تفكيك الزخارف، وفتحها في فضاء المكان لتتجاور مع العبارات الحروفية التي تشي بالجماليات الحروفية، ولا تنتهي إلى عبارات مقروءة.

 
* كاتب من الأردن
 
الرسام في سطور 

 حسين نشوان باحث وشاعر وتشكيلي وإعلامي، أقام تسعة معارض شخصية، وشارك في معرض جماعية، وله إصدارات عديدة، متنوعة في أكثر من إطار وحقل، ومنها: "أطفال فلسطين.. دراسة في الأبعاد الثقافية والنفسية للأطفال الفلسطينيين تحت الاحتلال"، "صورة المرأة في المثل الشعبي"، "صمت شاهد عيان.. دراسات في قصص بدر عبد الحق ومقالاته"، مجموعة شعرية بعنوان "أنأى كي أراك"، ورواية حملت عنوان "حوض مالح"، وأصدر مؤخراً دراسة فنية بعنوان "إسماعيل شموط.. سيرة الحياة واللوحة".

 نشوان (7).png
 نشوان (6).png
 نشوان (5).png
 نشوان (4).png
 نشوان (3).png
 نشوان (2).png
 نشوان (1).png