البحث عن العِكَال المفقود

لقمان ديركي*

هل جردَتكَ العولمة من ثقافتنا؟

متى تعتقد أن العولمة بدأت باجتياحك؟

وهل ما زلت تعتقد أن ما ترتديه من أزياء، إنما هي من تصميمك واختراعك؟.

أولم يتم تجريدك من أزيائك القديمة وعلى طول التاريخ، أو لم تتغير أزياؤكَ من زمن إلى آخر فكنت حسب السوق تسوق، وتلبس كما تحب عيون الجيران أن ترى، وترتدي ما يعجب العابرين، وتنسى في تلك اللحظات نفسك، وأنت تتهيأ للخروج بالبنطلون والقميص والجاكيت والبرنيطة أو الكاسكيت، عِوضاً عن الكَلابية والمحرمة والعكَال أو الشروال والطربوش، أو لم تصبح لا تطيق صبراً دون جينز في بيتك والسموكن في خزانتك والتي شيرتات والقمصان على علّاقة أواعيك أو كما يقولون مشجبكْ؟.

تلبس كل يوم جينزك الثوري أو جينزك العملي أو جينزك الستايل أو جينزك الرسمي، وتمضي إلى عملك الذي ألا وهو محاربة العولمة والبحث عن العكَال المفقود، وتقول في نفسك التي تتغطى بجينزك لماذا اختفت الكَلابية أو الدشداشة من حياتك، بل لماذا اختفى الكلاش الديري أبو أصبع الشهير، بل لماذا اختفت المحرمة وإلى أين مضى العكَال، بل وإنك تفكر ملياً وتندهش من السرعة التي اندحر بها الطربوش واختفى فيها الشروال، وشرواك بالخير في كتير عم يسألوا وأين اختفت تلك العادات والتقاليد التي لم تكن بالية وكيف بقيت العادات والتقاليد البالية وهي الوحيدة التي تحدت العولمة وبقيت كاتمة على نفَسكْ، وتظل تفكر لأن الموضوع يبدو عويصاً نوعاً ما – وأقول نوعاً ما للتأكيد على هويتي السورية في دقة التحديد- فإنك تفكر من جديد وتقول في نفسك ،بأن الأزياء الغربية لو لم تكن ملائمة لروح العصر أكثر ما كانت غزتنا وغزت حضارات قوية أخرى مثلنا كالصين وإيران والهند واليابان، وتقول أيضاً أنك أنت الذي اخترت أن ترتدي البنطلون والجاكيت بطريقة ما ، وأنك أنت الذي تركت شروال الأجداد يبكي في المتاحف، وطربوش الأسلاف يصرخ في المسلسلات المصرية التي تدافع عنه ضد الإنكليز، كما أنك تركت الدشداشة تطير من على حبل الغسيل مع أول هبة نسيم عليل طري ناعم، وبالتأكيد فإنك أنت من سلَّم العكَال بيده إلى بطيحان وفليحان ومشاري وحمود كي يتمشوا فيه في كل أنحاء العالم كسوّاح، تنطجُّ لهم الفيزا بناء على هندسة العكَال على الرأس وحجم الإنتفاخ في جيب الدشداشة، حتى في زمن الفيزا كارد والصراف الآلي والصراف الماشي والصراف الطائر والصراف عبر الأنترنت والصراف عابر القارات ومقتحم البوادي وفاتح الصحارى ولاهط البترول، ويصرخ شاعر من زمنكَ اسمه محمود درويش ( لماذا تركت الحصان وحيداً يا أبي) فتنتبه إلى والدكَ وتصرخُ به ( لماذا تركتَ العكَال وحيداً يا أبي)، وتصبح أصلياً ومدافعاً عن هويتكَ وراضياً بإخلاصكَ لوطنكَ وملَّتك، غير أنك لم تنتبه إلى أن الأزياء ليست بهذه الأهمية، وأن الناس تتعلم من بعضها، وتستعير من بعضها، وروح العصر لا تعيّر أحداً لأنه أخذ طريقة من أحد، لكن روح العصر تعيِّر من لا يعطي شيئاً لأحد.

 الحرب مع العولمة ليست أن تدافع كي لا تأخذ شيئاً، بل هي هجوم معطاء ورفيع المستوى كي تعطي العالم شيئاً، أفليس من الأفضل أن تدخل روح العصر وتترك الشوارب على جنب على قولة طوني حنا إلهي يكحّل عينيَّ بحضور شي حفلة له في الشام، وتبحث عن زي المستقبل الذي ستصممه عوضاً عن البحث عن العكَال المفقود، فالمفقود لن يعود.  أليس من الأفضل إذاً أن تكون أزياء المستقبل لنا في يوم من الأيام، وإذا كان هو الأفضل حقاً فالمستقبل لن يكون لنا إلا إذا كان لك أيها الشاب القادم من هذا الزمان، أيتها الفتاة .. يا أعجوبة هذا المكان.

 *شاعر وكاتب من سورية