لا شيء.. يدوم

محمود خيرالله* 

أجدادُنا 

الجماجمُ الّتي لأهلنا وذوينا،

 

الذين طأطأوا رؤوسهم أمام كُل ريح، وللحالمين بجَنّة وعدل وأسنان مُشط، الذين ما لمسوا زهرةً بغير جُرح ودفعوا الأيامَ أمامهم فارتدّت إليهم دائماً . ." أْلف خلْف"، الذين غيرّوا مساكنهم مرّات باحثين عن مفتاح ومخْبأ، الجماجمُ التي لأناس مرحين جداً وعاطلين عن العمل، وللذين حين تشُمهم تفهم أنهم يعملون لأنفسهم ولغيرهم أيضاً، وللذين انكسرت ضلوُعهم بين الموت والحياة.

الجماجمُ التي لأجدادنا يطحنُها الأحفادُ عادةً قبل أن يدخلوا في نصف غيْبوبة.. نصف غيبوبة لرأس مُدْمن. 

 

لا شيء ..يدوم

علَّمتني الشرفاتُ التي وقفتُ خلفَها،

كثيراُ وأنا صغير،

 أَنْ لا شيء يدوم،

حتَّى وأنت مُختبىء

وراء شُرفةٍ بالية،

الأصواتُ تأتيك عاريةً من ملامحها،

والحزنُ يهز ذيله للعابرين،

لكن ،

لا شيء يدوم.

 

العالمُ مؤلمٌ فعلاً من وراء النافذة :

             العاهرة تهشّ حزنها وهي تمشي،

           والمنتحرون يسيل لحمُهم دون إرادةٍ منهم،

أقفُ وحيداً في الشرفة،

ربَّما،

لأنَّ لديَّ ما أنظرُ إليه،

أنا مولودٌ في شرفةٍ يتيمة،

وحين كبرتُ

صرتُ أفتح قلبي ـ بصعوبة ـ

كنافذةٍ تكافح كي لا يغطيها التراب،

عرفتُ شرفاتٍ تآكلتْ حين مات أصحابها

ونوافذ تعرَّت جدرانها

قبل أن تتعرَّى النساءُ فيها.

 

أنا مدينٌ باعتذارٍ لآفِ الشرفات

حين كان العالمُ عارياً

كنتُ أنظر إليه،

كأنَّه صُدفة ميتة،

سمعتُ شيوخاً

ـ من الماضي ـ

يئنون تحت شُرفتي،

ورأيت العانسات ،

يسحبن النحيبَ من آخره،

فيما السباب يخرج بمفرده،

دون أن يُلقيه أحد،

بعض الشتائم كانت تتعلَّق بين الضُلف،

ولا تجد مَن يُرسلها إلى الأرضِ،

كي تولَد.

 

طولُ إقامتي في الشرفة

كان لا يعني في الحقيقة

سوى أنني موجود،

مُعلَّق كالرِّضا

على وجوه المهزومين،

نعم

من شرفة قصيرة،

يُمكنك أن تتعلَّم

كيف تشمّ العالم،

دون أن تعلقَ أوساخُه بملابسِك.

 

أبي تعرَّق  في بلدٍ بعيد

لكي يعود ببيتٍ

وخمس شرفاتٍ

مغلقةً دائماً ومُتْربة،

لكنها رغم ذلك

 تدرِّبَ الغبارَ

على محبَّة الطيران.

 

علمتني الشرفات،

أن عرق الذين يكذبون

دائماً أوضح،

كأنَّهم يبلّلون الكذب،

كي لا يدوم،

علَّمتني أن الجروحَ طويلةٌ بما يكفي،

وأنَّ اللوعةَ قادمةٌ من مكانٍ بعيد،

لكنَّها أبداً،

 لا تدوم.  

 

الِختْم

علقتْ دمعةً صغيرةً وأغلقت الباب؛

كانت طوال الليل تحلمُ

أنها ستسلق في الصباحِ عظاماً

بعد أن تعود من رحلةٍ شهريةٍ

لمكتب البريد..

 

في الطابور الطويل

عبر أحذيةٍ مُمزقة

وجوارب مثقوبة الجنبْين

وخلف أقفية شققها مِزاحٌ ثقيل؛

تحركت دمعةٌ تحت حكاياتٍ قديمة

تعود إلى الوراء سريعاً 

خمسين عاماً على الأقل..

حكتْ جالسةً تحت شباكٍ

لنفسها أولاً،

ولنُظراء لديهم حكاياتٌ شبيهة،

عن الزوجات الصغيرات لإخوتها،

عن شلال بُكاء غرقن فيه

حينما تزوجن إخوتها:

" _كُن بيضاواتٍ

     وإذ يرتدين "الساتان" يشعِلْن إخوتي

     ويَحْبَلن،

     لم يكن حقداً عليهن

     صدقوني،

     كنتُ سوداء _ كما أنا الآن_

     وكُنّ يثرْنني ،

     أتنصّت عليهن إذا دخلن الحمّام،

    وأقول (طلّقها يا أخي)

     ولا يطلِّقون

     ينتظرون الليلَ

    ويعاملونهنّ تقريباً

    مُعاملة الساتان...."

 

 

وإذْ تحكي تتساءل العجائز

فتمشي دمعةٌ صغيرةٌ بين جفْنيها

وحين تقتربُ من الشبّاك

تتذكَّر:

"_صنعتُ طعاماً كثيراً

    لرجالٍ جاءوا لخِطبة أُخْتيّ الصغيرتيْن،

    وجهَّزتُ مع إخوتي الذكور ليالي عُرسهم،

    كنتُ أدقّ روؤس زوجاتهم في خيالي

    بأيدي "الهُون" المُضافة إلى "الجهاز"

   كُنّ بطلات وتحمّلْنني."

 

تقولُ..

وتسقطُ دمعةٌ منها على "الخِتم"

فيطبعُه الموظّفُ ثلاثياً

"عزيزة عبد الفضيل خيرالله"

عمَّتي،

التي لم يفكِّر رجلٌ مبصرٌ

أن يضمَّها إلى صدره

تزوّجت كفيفاً منذ ثلاثين عاماً

ولم يدخُل بها،

حَضَرَ أبناؤه وضربوه

رموا عِمامته على الأرضِ

وأجبروه على الطلاق،

عمَّتي _تقريباً_

تزوَّجت العِمامة

وخاصمت الرِّجال.

 

مات أبوها ولم يترك سوى بيتٍ قديم

وعادة قديمة،

أن يشْعل النيران في القِمامة،

ولأنّها مسكونةٌ بالنار

كانت تجلسُ أمامها

طوال الليل لتتأكَّد

أن الدخَّان المُتصاعد سيسمّم

أطفال المنازلِ المجاورةِ،

عمَّتي،

من كثرة ما حملقت في نارِها

تعلَّقت دمعةٌ صغيرةٌ على عينيها

لا تسقُط..

إلاّ أمام موظَّف البريد

فوق " الخِتْمِ" مباشرة,

لتصرفَ كل شهرٍ

سبعةً وخمسين جنيهاً مصريّاً.

أفضل ما يُمكِن أَنْ يحدُثَ لي

 

أعترفُ اليومَ أنني سعيد. رسمتُ سحابةً لأمّي ، لكنها لم تصل.،زرعت شجراً في قلبي، لم يُثمِر بَعَد،اليوم، فعلتُ ما يحلو لي،فبرغم أنني أعيشُ بلا عمل ـ وربما بسبِبِ ذلك ـ قتَلتُ جيشاً من النّملِ بماء البرّاد المغلي ، فجأةً، بدأ النملُ هجومه، رفعتُ البرّاد لأعلى ثم أملته قليلاً، ليخرجَ خيطُ من ماء وبخار وقليل جداً من غضبي..

ساعتها تكوّرتْ كل نملةٍ على نفسها، قبل أن تستسلمَ تماماً وتموت، وهكذا اعتبرتُ الموتَ أفضل ما يُمكن أن يحدثَ لي..

ذكّرني النمل المتكوّر على نفسه ببشرٍ كثيرين تكوَّروا هم أيضاً قبل أن يموتوا، و بأن أغلبَ من عرفتهم ماتوا بعدما تتقوّست  ظهورهم، وقد كان من المؤسف حقاً أن ماءً يغلي لم ينزل فوقهم ، بل صخورتتدحرج ،كل عدة أعوام ، فيموتون فجأةً مقوّسين، رأيتُ ناساً يعلّقون صخورا فوق شفاههم، كأنَّها سلاسل من كلام.
عن نفسي ، وقفت بانتظار مصائبي ،دون أن أعرف لماذا أنتظرها دائما في السماء ، معلّقة مثل غيمة في السماء، رأيتُ صديقاً يسقط بجواري ويسيل منه الدمُ، لأن صخرةً تركَتْ مقعدَها فجأةً، وقررت ـ لسببٍ ما ـ أن ترسلَ رسالة إلىِّ، وصرتُ كلما رأيته أقرأ الرسالة التي حملها على وجههِ للأبد..
أعترف اليومَ أنني سعيد، لأننّي أحكي الحكايات البائسة، وأنا صغير ، كنتُ أظن أن العالم خُلق للأطفالِ ـ أصلاً ـ لكنهم سرعان ما حطمّوا كل شئ حينما كبروا، وحينما كبروا عادوا من حيث أتوا مُقوّسين تماماً وخائفين.
كم من نساء و شيوخ كوّرتهم سياراتٌ مُسرِعة وكّفنتْهم،عرفتُ أناساً انكسرتْ ظهورهم بسبب نظرة، وحين أرادوا أن يقيموها تمزَّقتْ منهم، نهرني أبي كثيراً لأن ظهري يتقوّس دائما من دون سبب، أبي مات منذ عشرة أعوام، تاركاً وخذةً في قلبي، كتلك التي أشعرُ بها الآن،وأنا أقتلُ نملاً لم يفعل لي شيئا، وأنا أقرأ هذه الصحيفة، عن صغار احترقت ملابسُهم الداخلية في شرفات القطار، كانوا كثيرين جدا وذاهبين إلى الموت في قطار العاشرة، ملابسُهم الداخلية احترقتْ قبل أن يسيل لحمُ الأصابع، لا شك أنهم لم يستعدّوا للموت حتّى ولو بانحناءة ظَهْر، لا أعرف مَنْ الذي وضع جثّةَ طفلٍ مقوّس في شرفة القطار، هكذا في رأسي، كل هذه السنوات، وأنا أُسْقِط ماءً يغلي فوق جيوشِ النَّمل، ربّما لأنّ جثةً في شرفة القطار كانت  صغيرةً كنملة، وربّما لأنّهما احترَقا معاً وتقوَّسا نتيجة ارتفاعٍ هائلٍ في درجة الحرارة...
حين كنتُ صغيرًا عشتُ في بيتٍ يهتزّ مثل مؤخّرات العجائز، كلما مرّ أمامه القطار، مع كلّ رجفةٍ كانت قطعةُ من البيت تترك مكانهاعلى الجدران لتسقطَ فوق أحلامِنا ،كأنَّها تُدرّبنا على الألمِ.
هَزَمْتُ جيوشَ النملِ لكن في الجولة الأولى،عادَ بعدها من حيث لا أحتسب ، سَادَ وانْتشر، وَمَلأ المقاعِد والسجاجيد، و صارَ النملُ معركتي الأخيرة.

 

 

*شاعر من مصر

والمختارات المنشورة هنا هي من مجموعاته :

 ـ "فانتازيا الرجولة "هيئة قصور الثقافة 1998، ،"لعنة سقطت من النافذة "دار ميريت 2001؟  ،"ظل شجرة في المقابر" دار البستاني 2005 ، "كل ما صنع الحداد" دار صفصافة 2010 .