فيلم "الشراكسة " لمحي الدين قندور مشهدية فاتنة عن التنوع الثقافي الأردني

ناجح حسن*

 قال المخرج السينمائي الأردني محي الدين قندور، إن تنوع النسيج الاجتماعي الأردني حتم عليه أن ينجز فيلماً سينمائياً روائياً طويلاً ضمن مواصفات السينما العالمية، ذات المجاميع الملحمية والمشهدية السمعية البصرية المفتوحة على فضاءات الأمكنة، بحيث يحكي قصته في قالب من الدراما في حقبة زمنية من تاريخ الأردن تعود الى أوائل القرن الفائت.

  وأضاف أنه بذل جهوداً مضنية طيلة العام الماضي والاشهر الأربعة الأولى من هذا العام، بغية تقديم فيلم سينمائي راقٍ في مستواه، بعد أن استعد طويلا لكتابته ودرس تاريخ المملكة، وعاين جملة من التحولات التي قطع فيها المجتمع المحلي شوطا طويلا في رحلة بناء الأردن الحديث .

 وبين قندور أن فيلمه الروائي الطويل "الشراكسة"  جاء بعد مشوار طويل من العمل السينمائي في قلب عاصمة السينما بالعالم (هوليوود)، وقد آثر أن يكون تصويره في الأردن ليحمل هويته آملاً أن يجد طريقه للعرض في سائر انحاء العالم كفيلم اردني يعمل على تعزيز حراك النشاط السينمائي المحلي ويكون حافزاً لصناع الافلام الشباب بانجازات جديدة تبحث في مفردات وتفاصيل واقعهم الانساني بهذا البلد الطيب الثري بالمواضيع وبالبيئة التي تستمد منه السينما جماليات وافكار نضرة .

 وأوضح أنه لجأ الى  تناول حكاية إنسانية بسيطة تدور وقائعها داخل حقبة زمنية تعود الى بدايات القرن الفائت، تتمحور أحداثها في مدينة عمان في نسق تشويقي قد تجدها في حياة كثير من الامم التي نهضت وازدهرت بفعل التواصل والتمازج بين ثقافات ابنائها.

 وبين أنه نجح بعد بحث متواصل ودؤوب عن الأمكنة التي جري فيها تصوير فيلمه الروائي الطويل المعنون "الشراكسة"، والتي عثر عليها في مناطق واقعة على أطراف العاصمة تتشابه في بيوتات وبيئة وتضاريس مدينة عمان، إبان مطلع القرن العشرين، عندما قدمت اليها قوافل المهجرين من الشركس والذين أقاموا في مناطق تطل على سيل عمان والمسماة حالياً بالمهاجرين.

 وزاد أنه عمل على كتابة نص سيناريو الفيلم في نسخته الأخيرة، بعد أن اطلع عليه العديد من الشخصيات والعائلات التي تم نسج موضوع الفيلم من ذاكرة حكاياتهم وقصصهم، التي افرزتها العلاقات بين المواطنين الأصليين في شرقي الأردن مع أشقائهم  الشراكسة، وجسدت بالتالي تلاحماً إنسانياً فريداً من نوعه كما يبدو عليه المجتمع الاردني حالياً .

لقطة من الفيلم

وأشار قندور المولود في منطقة المهاجرين بمدينة عمان العام 1938، انه رغب ان يكون فيلمه اردنيا بالكامل وبجهود كثير من المبدعين الأردنيين في سائر حقول صناعة الافلام، حيث قام بالاطلاع على اعمال فنانين اردنيين في مجالات متنوعة من التمثيل والمونتاج والصوت والاضاءة والتقنيات الجمالية والاستشارات الدرامية، بغية صهرهم في هذه التجربة التي انجزت ضمن مواصفات الانتاج السينمائي العالمي، وهو النوع الذي اشتغل على نماذج منه في العديد من الاعمال السينمائية التلفزيونية والسينمائية طوال رحلته مع الفن السابع، التي تجاوزت  نصف قرن من الزمان في استوديوهات السينما العالمية في هوليوود .

 ولفت الى أهمية التسهيلات التي قدمتها الهيئة الملكية الأردنية للافلام لطاقم عمل الفيلم سواء على صعيد توفير أجواء مريحة لعمليات التصوير في أماكن طبيعية أو في توفير ما يلزم من كوادر إسناد تقنية يقتضيها العمل السينمائي عادة.

 واشار الى أن الفيلم يمتلك اسلوبية تحمل مواصفات الايقاع المتوازن وينأى عن الاطالة والثرثرة، وانه استعان بعناصر اللغة البصرية والدرامية وجرى تصويره بأحدث المعدات والأجهزة التقنية التي توظف في أحدث أفلام السينما العالمية اليوم وأنه بذل أقصى طاقاته في سبيل السعي الى توفير متعة الفرجة للمشاهد بهذا العمل من خلال اعتنائه الدقيق في عملية المونتاج وشريط الصوت، حيث أسند هذه المهمة الى مهندس ألماني متخصص في مسألة نقاء الصوت وصاحب تجربة غنية بهذا المضمار في أفلام عالمية من أجل توظيف الكثير من الرؤى المعبرة في مفاصل الفيلم.

 وأعرب قندور عن تفاؤله بنتيجة الفيلم، حيث كرس اغلبية وقته في التدقيق بالتفاصيل في النص الذي يحتشد بالكثير من الشخصيات وعناصر مفردات الفيلم من قطع ديكور واكسسوارات داخل بيئة تتدرج من المدينة والريف الى الصحراء والبادية، لافتا الى ان خط الحديد الحجازي اخذ عنايته واهتمامه نظرا لتضمين الفيلم بمناظر القطار في اكثر من موقع وهو يشق الصحراء، مشيرا الى مشهدية مستمدة من واقعة حريق البيادر تاخذ مساحة لا باس بها في الفيلم.

 وحول اللغة التي تحدث فيها ابطال الفيلم، بين ان الفيلم يشتمل على كلام باللغة العربية الدارجة لاهالي البادية وعلى اللغة الشركسية للمهاجرين فيما بينهم وبمصاحبة ترجمة الى اللغة العربية الفصحى على الشاشة.

  يأمل قندور ان يمثل الفيلم السينما الاردنية مهرجانات السينما العربية والدولية بدءا من الفترة المقبلة حيث بدأ في تلقي دعوات عديدة من القائمين على تلك المهرجانات فضلاً عن مشاركته بالعديد من الاحتفاليات والمناسبات  الثقافية خارج الاردن  لافتا الى انه ايضا وضع خطة تسويقية لتوزيع الفيلم في اكثر من بلد .

  من بين أفلام محي الدين قندور السينمائية التي حققها في هوليوود واوروبا والمكسيك : "يانكو"، "شيروكي"، "شبح ادغار الان بو"، "اجنحة النسر)" "الرياح الباردة" وفيلم "ضائعة في الشيشان" إضافة الى سلسلة تلفزيونية بوليسية انتشرت في العالم وعرضت على شاشة التلفزيون الأردني قبل ثلاثة عقود ونيف حملت عنوان "مانيكس".

 يذكر أن المخرج قندور وحائز على شهادة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأميركية، هو في الاصل مخرج وسيناريست ومنتج سينمائي تلفزيوني، أمضى عقوداً في هوليوود ثم طاف  في أرجاء العالم كاتباً وموسيقياً لامعاً عمل على تاليف مجموعة من الكتب والروايات الملحمية باللغة الانجليزية وترجمت الى لغات عربية وروسية .

*ناقد سينمائي من الأردن