قراءة في " فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال " لابن رشد

مهدي نصير* 

سأرتِّبُ هذا المقال وفق المداخل التالية كمفاتيح للدخول إلى عالم ابن رشد في كتابه المركزي " فصل المقال في ما بينَ الشريعة والحكمة من الاتصال " :

دلالات العنوان والتي لم تُقرأ كما يجب، بل تم المرور بهذا العنوان مروراً سَريعاً كمقدمة للعلاقة بين العقل والنقل، أو كمقدمة في التوفيق بين النص والعقل، أو كمحاولة لقراءة الحقيقة المزدوجة التي لم يُشرْ إليها ابن رشد في أيٍّ من كتبه .

العلاقة التبادلية بين الشريعة والحكمة، والاتصال الذي يجب أن يكون بينهما لا التطابق الذي يُناقض الفكرة الجوهرية في هذا الكتاب .

الفاصل الزمني واللازمني بين الشريعة والحكمة، والعلاقة التبادلية بينهما \ التأويل هو باب هذه العلاقة وشروطه التي حدَّدها ابن رشد تستوعب بعمق هذا الفاصل الزمني والمعرفي، والإحلال المتدرج للحكمة في مقولات الشريعة عبر التأويل المتطوِّر والمتغيِّر والذي يُشكِّل مرجعيَّة معرفية تأويليَّة للشريعة.

الشريعة عند ابن رشد ليست هي النص الديني أو العقائد الدينية ولكنها النص السائد الذي يحكم حركة الناس والعقل الجمعي التاريخي التطبيقي، أو هو الصيرورة التاريخية، وإذا استخدمنا لغة غرامشي (البراكسيس) \ وهو الفضاء الذي تـتحرَّك فيه الثقافة الجمعيَّة للمجتمع والشخصية العامة للإنسان في هذا المجتمع.  هذا العقل الجمعي (الشريعة) عقل متغير ديناميكي (أو هكذا يجب أن يكون في المجتمعات الإنسانية الحيَّة) ، أما الحكمة عند ابن رشد فهي العقل المجرد أو الروح المطلق للتاريخ إذا استخدمنا لغة هيجل، وبين هذين العقلين  (الجمعي والمطلق ) حوارٌ واتصالٌ وانفصال،  والعصب الواصل بينهما عند ابن رشد هو التأويل بمحدِّداته وشروطه التي أسهب، وتطرَّف في الحديث عنها في هذا الكتاب، وذلك يعكس الأهمية المحورية لهذا المفهوم في فهم ابن رشد لفلسفة العلاقة بين التاريخي النسبي (الشريعة) والتاريخي المطلق (الحكمة).

هذه العلاقة بين النسبي والمطلق يشوبها في حركة الحضارات أمراضٌ، وآفات تطرَّق لها ابن رشد بشكل غير مباشر( وبطرحٍ سياسي ) ولم يتحدَّث في هذا المجال عن الحقيقة المزدوجة، التي هي بعيدة كل البعد عن مفهوم ابن رشد للعلاقة التبادلية بين وجهي الحقيقة أو شكليها اللذين يفصل بينهما فجوةٌ تاريخية.  والفجوة التاريخية بينهما شيءٌ، والقول بالحقيقة المزدوجة قولٌ آخر ومفهوم آخر يدخل في باب طوباوي ثقافي لا باب الفهم التاريخي لحركة التاريخ والحضارة والتي شكَّلت جوهر رؤية ابن رشد في كتابه هذا.

شكَّل الحوار بين الدين والحكمة كقوتين تتجاذبان العقل الجمعي (الشريعة) وتؤثران فيه محوراً هاماً من محاور الكتاب.

الشورى الارستقراطية الإسلامية، لا الانتخابية الغربية ودورها في العلاقة والتواصل بين الشريعة والحكمة \من يحقُّ له التأويل حسب محدِّدات ابن رشد هم الذين يُشكِّلون هذه الشورى " أهل الحل والعقد " بمفهوم معرفي لا سياسي.

واحدةٌ من الآفات الكبيرة في العلاقة بين الشريعة والحكمة، هي القطيعة الفعلية القائمة بين المُكوِّنين بحيث أصبح العقل الجمعي يتغذى من بئرٍ واحدٍ جامدٍ وغير ديناميكي ولا يتغذى  بالحكمة، ,فكلٌّ منهما يتحرَّك بعيداً عن الآخر مما أوجد الانفصال بينهما، ولو كان ابن رشد حيَّاً لكتب عنواناً جديداً لكتابٍ جديد بعنوان " فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الانفصال " .(وهذه العلاقة بحاجة إلى دراسات معمقة لفهم هذه القطيعة العميقة في الثقافة العربية وأسبابها الداخلية والخارجية والسياسية ..الخ).

العوامل الخارجية الغربية والداخلية المرتبطة بالغرب ومصالحها المتقاطعة مع مصالح هذا الغرب المُسيطر على اقتصاد العالم، والتي عملت على تعميق القطيعة بين المكوِّنين للمجتمع ( الشريعة ومرضعتها الحكمة ) من خلال تدمير المرجعيات والنُّخب الحقيقية القادرة على استمرار التواصل والاتصال بين المجتمع، ونُخبه الحقيقية الممثلة لقيمه وطموحاته والقادرة على تغذية حركة تطوره ( نلاحظ ذلك في كل المجتمعات العربية من خلال قوانين الانتخاب التي فُصِّلت لتهميش وتهشيم النُّخب الحقيقية، وإحلال نُخب مُزيَّفة وتافهة وكرتونية ومرتبطة بقوى اقتصادية وسياسية غير وطنية ولا تُمثِّل شعوبها وثقافات شعوبها وطموحات شعوبها).

قبل أن أكتب هذا المقال كنتُ قد كتبتُ بعضَ الملاحظات على قراءتي الأوليَّة للكتاب، حيثُ كنتُ قد قرأته مع المدخل والمقدمة التحليلية للمشرف على تحقيق وإصدار هذا الكتاب الدكتور محمد عابد الجابري، ولكي أتخلَّص من سطوة التوجيه الجابري العميق للنص، أعدتُ قراءة نص ابن رشد مباشرةً دون المرور بالمقدمة والمدخل اللذين احتلا 76 صفحة فيما احتل النص الأصلي للكتاب 50 صفحة فقط، فقرأتُ ما يلي بعينٍ أُخرى :

في محدِّدات التأويل عند ابن رشد محاولة لتوجيه العلاقة بين الشريعة والحكمة فهو يقول : " فقد تبيَّن لكَ من هذا أنه ليس يجب أن تُثبَّت التأويلات الصحيحة في الكتب الجمهورية فضلاً عن الفاسدة " ص121 ويضيف في فقرةٍ إلى أُخرى :" ومن قبلَ التأويلات، والظن بأنها يجب أن يُصرَّح بها في الشرع للجميع  نشأت فرق الاسلام , حتى كفَّر بعضهم بعضاً، وبدَّع  بعضهم بعضاً وبخاصة الفاسدة منها،  فأوَّلت المعتزلة آياتٍ كثيرةً وأحاديث وصرَّحوا بتأويلهم للجمهور، وكذلك فعلت الأشعرية  وإن كانت أقل تأويلاً، فأوقعوا الناس من قِبلِ ذلك في شنآن وتباغض وحروب،  ومزَّقوا الشرع،  وفرَّقوا الناس كل التفريق " ص122  

 وربما كانت الظروف التاريخية والسياسية التي مرَّ بها ابن رشد أحد الأسباب الخفيَّة في حديثه عن ضرورة عدم إفشاء التأويل والتصريح به للجمهور، بحيث توجه إلى ما يمكن تسميته بالمعرفة السريَّة والخاصة والنخبوية، ومعرفة عامة للجمهور ويجب أن لا يُصرَّح بكلِّ شيءٍ للجمهور، وهذا الكلام يُعاند الصيرورة التاريخية كعلاقة جدلية بين الحكمة والشريعة ( والتي هي واحدة من مقولات ابن رشد المعرفية )، والتي يجب أن تكون علاقة جدلية علنية ومفتوحة، وليست سريَّة وموجَّهة فالتاريخ لا يوجَّه بهذا الشكل السري،  فحركة الشريعة (العقل الجمعي) هي حركة ديناميكية علنية، وليست حركة سريَّة يتم تسريب التأويل إليها عبر فلاتر مُنتقاة . 

إن محاولة ابن رشد هذه يمكن فهمها كمقولة سياسيَّة، لا كمقولة معرفيَّة يُبرِّرها الواقع السياسي والاضطهاد الفكري والسياسي العميق الذي عانى منه في حياته .

في الصفحة الأخيرة من الكتاب يقول ابن رشد : " فإن النفس مما تخلَّل هذه الشريعة من الأهواء الفاسدة والاعتقادات المُحرَّفة في غاية الحزن والتألم،  وبخاصة ما عرض لها من ذلك من قِبل من ينسب نفسه إلى الحكمة،  فإن الإذاية من الصديق هي أشدُّ من الإذاية من العدو : أعني أن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة،  فالإذاية ممن يُنسب إليها هي أشدُّ الإذاية، مع ما يوقعُ بينهما من العداوة والبغضاء والمشاجرة،  وهما المصطحبتان بالطبع المتحابتان بالجوهر والغريزة " ص125 .

والواضح هنا أن ابن رشد يتحدَّث تُقية وسياسة، وليس موقفاً أو قولاً معرفياً، فالشريعة هي الأخت الرضيعة والصُّغرى، بينما الحكمة هي الأم المُرضعة للشريعة، وهذا واضحٌ في محاور كثيرة من كتاب ابن رشد وكذلك هو واضحٌ حتى في آياتٍ كثيرة من ظاهر الشرع وليس من باطنه أو تأويله،  فما الذي يدفع ابن رشد لهذا التراجع ؟.

هذا سؤالٌ كبير بحاجة إلى دراسة معمقة لتاريخ هذا الكتاب وفي أيِّ مرحلة من حياته كُتب وهل عُدِّل عليه ..الخ .

هناك ردود عقلية عميقة في الكتاب على الغزالي وغيره، كالقول  إنه لا يوجد إجماع في أي عصرٍ من العصور بما يتعلَّق بالمسائل النظريَّة، وهو قولٌ ينسجم مع دعوة ابن رشد النخبوية في قيادة الأمَّة وليس بالإجماع، وهي رؤية نحو تطوير الفقه باتجاهات أكثر عقلية.

من المقولات التي ضمَّنها ابن رشد في كتابه: القول بقدم العالم،  وخطأ العلماء مصفوحٌ عنه وخطأ غيرهم إثمٌ محض،  والخطأ في مباديء الشرع لا عذر فيه،  والسبب في انقسام الشرع إلى ظاهر وباطن , وأصناف القول الديني: ما يؤول وما لا يؤول، طرق الشرع في التصديق طرق خطابية أساساً ,أصناف الناس: جمهور وجدليون وعلماء وقضايا أخرى كثيرة منبثة في هذا الكتاب العميق والعقلي، والذي يؤسِّس للعقل في الثقافة العربية بصلابة معرفية عالية .

في هذه المقالة تناولت ما علق في ذهني واستعدته من قضايا كبيرة وتأسيسية للعقل في الثقافة العربية، والذي أُهمل النقاش الفكري والمجتمعي والفقهي حوله مما أبعده عن ساحة التأسيس والتطوير والجدل في العقل الجمعي العربي والعقل المعرفي العربي. ,هذا الكتاب ما زالت القضايا التي طرحها راهنة حيَّة وفاعلة ولم يجد لها العقل الجمعي العربي إجابات حتى الآن.

لعلي في هذه العجالة أفتح باباً للحوار حول مقولات ابن رشد في كتابه هذا، الذي لم يأخذ حقَّه الذي يستحقُّه في ثقافتنا الراكدة.

 

*شاعر وكاتب من الأردن - 1/2/2011 الحصن