غنى جغرافي في مسرحيات شكسبير:رسم بريشته خريطة أوروبا

محمد جهاد اسماعيل*
ليس هناك من لا يعرف شكسبير. أو ربما يجهله القليلون. وليام جون شكسبير، هو العلامة الأبرز والاسم الأشهر أدب بريطانيا ، كما في آداب العالم أجمع،وليس في عصره وقرنه فحسب، بل في شتى العصور والقرون.

شخصية وليام شكسبير مثيرة للجدل، وحياته الشخصية مفعمة بالغرائب والتناقضات،لكن لا خلاف على أن الإرث الأدبي الزاخر الذي خلفه ، هو من أمتع وأبدع ما أنتجته الإنسانية من آداب وفنون.
لم يكن الفن  الروائي معروفاً في عصره. ولو كان قد عاصر الرواية وعرفها، لكتب وأبدع فيها بشكل فريد . لكن بالرغم من ذلك وبالرغم من قصر حياته ، نجده قد أتحف العالم بمسرحياته البديعة، التي بلغت 38 مسرحية، فضلاً عن كتابته لعشرات القصائد المعروفة آنذاك بالسونتات.
من لم يقرأ شكسبير فقد فاته الشيء الكثير من الأدب، أما من قرأه فهو ذاك الذي يعرف،لماذا يقدس الانجليز شكسبير ويتعلقون به إلى هذا الحد.
 

شكسبير والجغرافيا: 

ينصرف اهتمام الكثير من المتذوقين والنقاد إلى جمالية أعمال شكسبير وإبداعه الفريد، لكن قلما يلتفت أحد منهم إلى الجمالية الجغرافية والبهاء المكاني لأعماله ومسرحياته تحديداً. فشكسبير لم يحصر أو يقوقع مكانية مسرحياته كي تدور في مكان ميلاده ستراتفورد أو في بلاده انجلترا فحسب، بل وزع مسرح تلك المسرحيات على أقطار أوروبية عديدة. 

بذلك أراد أن يبعد القارئ والمتذوق كل البعد عن الملل والضجر، فالدوران في فلك مكان واحد أو بلد  واحد يسبب بلا شك الملل للقارئ.

كتب شكسبير مسرحياته في فترة ازدهر فيها الوعي الجغرافي، وذلك بفضل الكشوف الجغرافية التي بدأت نشاطها وثورتها المعرفية في عصره، أو ربما قبل عصره بقليل. تلك الكشوف كان لها الفضل في ظهور العالم الجديد المتمثل في الأميركيتين واستراليا. لقد كانت الجغرافيا واكتشافاتها في تلك الحقبة من الزمن هي الحديث المتداول والشغل الشاغل لعامة الأوروبيين، خصوصاً أصحاب الشواطئ والمرافئ الأطلسية والمتوسطية منهم. فربما يكون شكسبير قد تأثر شأنه شأن سائر الأوروبيين بهذه الفتوحات والاكتشافات الجغرافية، أو ربما يكون قد خلق هذا التنوع والزخم الجغرافي في أعماله، ليس بدافع حبه للجغرافيا أو ترويجه لها، وإنما بدافع ميله لاستقصاء التاريخ وعلوم الثقافة والحضارة. 

تأييداً لذلك الرأي نجده قد تناول في أعماله الحديث عن الروم والإغريق والأليريين والممالك الفرنسية والأسبانية القديمة.

وليس خافياً أن شكسبير استمد كثيراً من أفكار مسرحياته وأسماء شخصياته من تلك الحضارات والشعوب القديمة. مما يذهب معه المرء الى الاعتقاد بأن اهتمامه بهذه الحضارات والشعوب هو الحافز في التطرق لكل هذه المواقع والأماكن. أي أن االانشغال بالتاريخ هو الذي دفع لالاهتمام بالجغرافيا، فكيف سيستلهم أفكاره من حضارة الرومان بمعزل عن التطرق إلى جغرافية بلادهم وأماكنهم، وكيف سيفعل الأمر ذاته مع الإغريق بمعزل عن مواطنهم، وهكذا. 

أياً كان غرض شكسبير من وراء ذلك الميل الجغرافي، فالمهم في الأمر هو أن مسرحياته طافت أوروبا شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. وبهذا تنقل مسرح الأحداث الخاص بمسرحيات شكسبير على الدوام من قطر أوروبي إلى آخر، ومن نطاق جغرافي إلى آخر. ولعل الأمر المثير ها هنا هو أن مسرحياته الثمانية والثلاثين قد دارت أحداثها في 13 بلدا أوروبياًK فضلاً عن عشرات المناطق والمدن في داخل هذه البلدان.

لكن ثمةسؤال عل ى جانب من الأهمية وهو: هل كان شكسبير يعلم أن مكانية أعماله المسرحية تغطي 13 بلداً أوروبياً ؟.

الإجابة هي: لا.

لأن شكسبير كتب أعماله المسرحية قبل خمسة أو ستة قرون, وتلك الأعمال المسرحية تعود أفكارها وشخصياتها إلى ما هو أقدم من ذلك بقرون كثيرة، حيث لم تكن حينها جغرافية أوروبا الحديثة  هي التي نعرفها اليوم, أي أن عديد الدول الأوروبية لم يكن بهذا القدر، والكتلة الجغرافية لأوروبا لم تكن متشظية ومفتتة إلى هذا الحد من الدول والدويلات التي نعرفها في عصرنا هذا.

لقد كتب شكسبير عن أوروبا وهي في عصور كانت فيها جغرافيتها السياسية تتسم بالكيانات الكبرى والإمبراطوريات, كالإمبراطورية الرومانية والإغريقية, والعثمانية وغيرها.

لذا باعتقادي أن مسرحيات شكسبير وفقاً لجغرافية أوروبا القديمة كانت تغطي ربما ما لا يزيد عن سبعة أو ثمانية كيانات جغرافية، في مختلف عصور أوروبا القديمة.

 

تفاصيل الخريطة:

الاعتقاد الأرجح والظن الأصح أن شكسبير لم يقم يوماً بزيارة لجنوب أوروبا، وبالذات بلدانها المطلة على البحر الأبيض المتوسط . نعم يبدو بالفعل أن قدمي شكسبير لم تطأا ذلك الجزء من العالم، لكن الأمر المثير للدهشة هو أن نحو 21 من مسرحيات شكسبير ال38 كانت ذات مكانية وبيئة متوسطية، فقد وقعت أحداث هذه المسرحيات الإحدى والعشرين في أقطار ومناطق أوروبية مطلة على البحر الأبيض المتوسط.

كان الساحل الأوروبي للبحر الأبيض المتوسط بمثابة المسرح الكبير، الذي احتضن الكثير و من مسرحيات شكسبير. من تركيا شرقاً حتى أسبانيا غرباً كان اتساع ذلك المسرح الكبير.

أشار شكسبير إلى الجيش النرويجي، وذلك في مستهل مسرحية "مكبث"، لكنه تجاهل اسكندنافياف لم يموضع أياً من مكانيات مسرحياته في مكان أكثر شمالاً من الدنمارك، والتي كانت مسرح الأحداث لمسرحية "هاملت".

بالرغم من التقارب الاثني والثقافي الشديد بين بريطانيا وألمانيا، إلا أن شكسبير لم يموضع أياً من مكانيات مسرحياته في ألمانيا أو حتى في جاراتها كبولندا، وبلجيكا، وهولندا التي قيل أن شكسبير زارها بالفعل ومكث فيها عدة أشهر.

روسيا القيصرية وإمبراطوريتها العملاقة، لم تكن مسرحاً ومكاناً لأيٍ من مسرحياته.

حقاً إنه لأمر غريب أن نجد كل هذه الكيانات الجغرافية الهامة بعيدة ومغيبة عن مكانية مسرحياته ، خصوصاً في ظل الحضور الطاغي لجنوب أوروبا و البلدان المتوسطية في مكانية تلك المسرحيات. على ما يبدو أنه لم يعبأ بعدالة التوزيع !.

تركيز شكسبير على المواقع والأماكن المتوسطية، يظل أمراً غريباً يثير علامات التعجب والاستفهام. لكن الراجح  أنه طرح هذا الكم الهائل من الأماكن المتوسطية كإسقاطات للأحداث التاريخية التي كانت الأصل والمصدر,،والمادة الخام التي سبك منها كتاباته، فليس خافيا أن دول أوروبا المتوسطية ذات تاريخ عريق, وهي موطن الكثير من الحضارات القديمة والإمبراطوريات العتيدة، ألم يكن أفلاطون متوسطياً ؟!.

لم يعط شكسبير كالخريطة الأوروبية المقدار  نفسه من الاهتمام، وكانت مكانية مسرحياته تتموضع وتتركز وتنحصر في أماكن بعينها دون غيرها،أو أكثر من غيرها، لكن هذا أمر طبيعي ولا ينفي البهاء الجغرافي لأعماله، ورسمه لخريطة أوروبا بمعظم تفاصيلها.

القارئ والمتذوق لما كتبه من مسرحيات، يجد شكسبير قد طاف بمسرحياته على دول أوروبا ومدنها, فرسم الخريطة الأوروبية وأوضح هويتها وأبرز معالمها. 

ربما يخلص البعض إلى نتيجة مفادها أن شكسبير قد تحول من كاتب مسرحي إلى فنان تشكيلي بارع .

 

الدول:

بالنسبة للدول المتوسطية  التي ابدى اهتماما بها أكثر من غيرها من الأماكن، نجد فرنسا  التي كانت ميداناً لأحداث مسرحية "الأمور بخواتيمها" وفيها تنقل شكسبير ببراعة وأناقة بين مدن فرنسا المختلفة. 

أما مسرحية "الحب جهد ضائع" فقد كانت مكانيتها في أسبانيا، وتحديداً الشمال الأسباني الذي طالما عرف بتعدديته وتنوعه الاثني والحضاري.

"كوريولانوس" و"أنطونيو وكليوبترا" و"جعجعة بلا طحن" و"تاجر البندقية" و"روميو وجولييت" و"تيتوس أندرونيكوس" و"السيدان الفيرونيان، جميعها مسرحيات إيطالية، وإيطالية بامتياز، فبالرغم من ضيق الخريطة الإيطالية إلا أنها لم تضق ذرعاً بهذه المسرحيات الجميلة, فكانت لها بمثابة الموقع والمسرح والمكان.نعم لقد كانت إيطاليا الدولة الأكثر استيعاباً واستضافةً لمكانيات مسرحياته.

اتجاهاً إلى شرق المتوسط حيث العراقة والتاريخ، نجد اليونان قد كانت مسرحاً ومكاناً للكثير من مسرحيات شكسبير, كمسرحية "يوليوس قيصر" و"حلم ليلة صيف" و"تيمون الأثيني". أما تركيا فقد كانت البلد الذي دارت على  أرضه أحداث مسرحيات عدة مثل "كوميديا الأخطاء"و"ترويلوس وكريسيدا".

جزيرة قبرص على  الطرف النائي المتطرف من خريطة أوروبا وكيانها الجغرافي، كانت ميداناً للكثير من أحداث مسرحية "أوثلو".

مسرحية "العاصفة" هي الأخرى دارت الكثير من أحداثها على أرض جزيرة متوسطية, غير قبرص، ولطالما رجح المؤرخون الأدبيون أن تلك الجزيرة هي جزيرة مالطا الواقعة في قلب البحر المتوسط.

اتجاهاً إلى شمال البحر المتوسط ، وتحديداً الشاطئ الشرقي للأدرياتيك, نجد أليريا القديمة أو ما تسمى اليوم كرواتيا، وقد كانت مسرحاً ومكاناً لمسرحية "الثانية عشرة ليلاً".

بالخروج من إقليم البحر الأبيض المتوسط ، ذلك المكان الذي استحوذ على القدر الأكبر من اهتمام شكسبير، وبالاتجاه شمالاً حيث أوروبا الوسطى ويابستها الحبيسة، نجد أن بوهيميا القديمة التي تعرف اليوم بجمهورية التشيك، كانت موطناً للكثير من أحداث مسرحية "حكاية الشتاء". أما النمسا فقد كانت المكان الذي وقعت فيه أحداث مسرحية "الصاع بالصاع".

"كما تحبها" و"سيمبلين" و"الملك لير" و"زوجات وندسور المرحات"، كانت جميعها مسرحيات ذات طابع انجليزي، حيث دارت أحداثها فوق تراب إنجلترا، موطن شكسبير, وفي هذه المسرحيات بالتحديد ظهر تفاعله مع حضارة بلادة وثقافتها الخاصة. ليس ببعيد، كانت اسكتلندا هي المكان الذي استضاف أحداث مسرحية "مكبث".

اتجاهاً نحو الشمال إلى شمال الخارطة الأوروبية، وتحديداً عند بحر الشمال نجد الدنمارك وقد كانت المكان والموقع الذي اختاره شكسبير لمسرحيته "هاملت".

 

المدن:

مكانية مسرحيات شكسبير تنقلت بين مدن أوروبا من مدينة إلى أخرى، شأن ذلك شأن التنقل بين الدول. هذه المدن الأوروبية كانت محطات ووقفات حل بها ركب الإبداع الشكسبيري, فكان له ومسرحياته مع كل مدينة حكاية ورواية. فتناوبت المدن الأوروبية التالية على استضافة الكثير من أحداث مسرحياته.

- في فرنسا: العاصمة باريس، ومدن: مارسيليا، روان، و روسيون.

- في إيطاليا: العاصمة روما، ومدن فلورنسا، كوريولي، أنسيو،  ميسينا، سرقوسة، ميلانو، البندقية،  فيرونا، مونتوفا.

- في تركيا: مدن ساردس، أفيسس القديمة ( أزمير الآن)، و طروادة.

- في انجلترا: العاصمة لندن, مدن يورك، دوفر، منطقة واروكشاير، ومنطقة وندسور.

- في الدنمارك: مدينة الينسور.

- في أسبانيا: منطقة نافارا.

- في اليونان: العاصمة أثينا، ومدينة فيلبي.

- في النمسا: العاصمة فيينا.

 

*كاتب وناقد أدبي من فلسطين.

Abujihad_thinker@hotmail.com