عصافير خلف النافذة

أحلام بشارات*

 1- خيار آخر

 هذا الصباح، جلسَتْ على حافّة السرير، نظرتْ من النافذة، لم تبصر سوى قطرات فضيّة ملتصقة بتدرج على الزجاج.

هذا الصباح، كانت قلقة من أمر ما، أحسَّته لحين طفلاً مشاغباً يتأرجح بحافَّتَي نهديها.

هذا الصباح تململتْ في الفراش كثيراً قبل أن تصحو تماماً، كانت قد حلمت حلماً رقيقاً لم تحفظ تفاصيله.

هذا الصباح، عندما جلستْ قبالة مرآتها، لوّنت شفتيها بحمرة مشهيّة، وعلّقت قرطين أطلّا كهلالين مضاءين في سواد شعرها، وشبكت وردة حمراء بمحاذاة عينها اليمنى ذات الكحل الكثيف، وانتظرت أن يراها.

هذا الصباح، رنَّ جرس الهاتف، جاءها صوته، قال:

    "لا تتفاجئي إن وجدتني بعينين لا تبصران"  

وأردف:" لكني، بالتأكيد، أسمع جيداً همس الفراشات".

قالت:" انتظر، إذن، صباحا آخر".

وفي ليلة الصباح الآخر، لم تنم، بل ظلَّت تشدو مع العصافير خلف النافذة.

 

2- عشق

السرير ذو الملاءة البيضاء ينعم به بلا عينين، يتمدَّد جثة ساكنة بلا طريق سوى إلى الموت.                   

يقولون له... يسمعهم .

يرونه.. لا يراهم.    

يقتربون منه.. يلمسهم بيديه.  

يبتسمون بإشفاق متفقين على خداع حزين ومقبول.

تدلف من بعيد، تجمعه بين عينيها، وقلبها، ويديها بقامته التي بدت تتضاءل بصمت في عتمة متزايدة، كي ينجح التوافق على العشق الصامت، ويظلّ يتوارى عن الأنظار، ترسم له قبلة في الهواء وتكتفي بعدم الوضوح.

تقترب أكثر فأكثر، تنطوي في السرير، تختبئ في الملاءة، تتمدَّد في جسده وفي عينيه، تتنفَّس بين شفتيه، ترتسم على وجهه ابتسامة متحشرجة بلون خمري معتّق.

"ثمة امرأة كانت هنا.. شيء شبيه بملاك، أتت ونثرت العطر فوقك ومضت بصمت" .       

  هكذا يقولون. يصدّقهم.

"رأيتها" 

يقول.

باتفاق يشفقون من جديد، ينثرون نظرات أسى يهزّون معها رؤوسهم.

 

3- أسلاك أثيرية

كان العاشقان يتبادلان الضحكات على سطحَيْ منزليهما وتحت السماء، عندما كانت المرأة الخمسينية تنوح في الشارع فوق رأس ابنها الذي فقدته بالسرطان.

كانت العاشقة تقول لعشيقها:

" لولا هذا السلك من أثير، لظللت أقتني علب الألوان كي أرسم القمر كلَّما محاه الضباب ".

كانت المرأة الخمسينية تنوح فوق رأس ابنها فتذرف الدموع أزهار لوز.

كانت المرأة تقول:

"لولا هذا السلك من أثير، لفرحت لابني بزوجة، وأبناء، وقمر ينير العمر ولا ينطفئ" .

كان العاشقان يهمسان فيقطعان بأنفاسهما الحارّة بُعد المسافة، كانا يحلمان بقُبل بلون شقائق النعمان، وبأطفال يتسلقون الأسطح ويتسابقون في الدروب الوعرة.

رحل العاشقان إلى النوم وهما يحلمان، وكانت غيوم منتشرة تزحف فتغطي القمر.

 

4- أيدٍ باردة

هو يسير في شارع غريب، وحوالَيْ الشارع أشجار ترمي أوراقها بسخاء بدعوى الخريف.

هي تسير في طريق ترابيّة تألفها إلى حدٍّ مقرف، وثمّة ريح باردة تضرب وجهها بحجة الفصول.

الاثنان لا يلتقيان؛ لأنَّ الشارع والطريق في عالمَين مختلفين، لكن الاثنين، وبدعوى تاريخ سجَّلاه في اللوح المحفوظ بإرادة كاملة، يفقدان الإحساس الكامل بالحياة: هو يعشق راهبة بكماء تسكن الدير، وهي تعشق ملحدًا أبكم يسكن ضعفه.

الاثنان الآن يسيران في الخريف والأشجار ترمي أوراقها والسماء ترسل ريحها، الاثنان يمدَّان أيديهما إلى الفراغ، فتظلّ باردة إلى الأبد.

 

5- كاني ماني

يظهر ماشيا على رؤوس أصابعه.

يُحدِّثها عن هيلين المحاطة بألف من الجواري وبعينيه وبالموت.

ويطلب رأيها بما فعلته ليلى.

يسائلها عن رحيل بيير.

يتهرَّب من سيرة عمر، ويعود يذكّرها به.

يهرب من الفهم واللغة، ويراوغ كثعلب أليف، ويشاكس كتلميذ مهمل.

لا يتَّفقان على شيء سوى فوضى اللقاء، وفرص الانزياح، وتتعدَّد إمكانية الهروب من لحظة تجعلهما خارج النص.

يباغتها باللاشيء، يحدّثها باللاجدوى، يسألها عن لون شعرها وهي تحدثه عن مفهوم الحياة والموت، وعن الوردة الصفراء التي لا يعكس لونها الغيرة التي بداخلها، بل محاولتها كي تحقق احمرار وجودها وبياضه.

في مرة شبيهة ترجوه بألفة تجعلها تحسُّه قريبا إلى حدٍّ يجعل عينيها تدمعان:

" سنلتقي في الساعة وفي اليوم...

ردَّد من خلفي كببغاء..

حتى لا تقل لي:

كاني .. ماني "

يجيب ضاحكا:

"سنلتقي في الساعة وفي اليوم.. "

ويردف :

"كاني"

تتبع :

"ماني "

.......

لم يلتقيا..

 في أيِّ ساعة وأيِّ يوم

 

6- آلهة

هكذا تستغل نساء البلدة البعيدة في أغوار الأرض أوقات غياب أزواجهن: يتجمعن في صحن دار امرأة كل مرة ويبدآن بحياكة تيجان موشَّاة بالخيوط الملوَّنة، والمذهَّبة، والخرز والبرق.

نساء البلدة البعيدة في أعماق الأرض يعتقدن أنّ زمنا ما سيأتي سيستعدن فيه سيادة الكون، وسيغدون إلهات متوجّات يصلّي في معابدهن الرجال، ويُقبّلون التراب تحت أرجلهن، ويتعوّذ بدمائهن المرضى والممسوسون.

عندما سمع الرجال بقصّة التيجان الملونة انتشوا وامتلأوا فحولة، ساروا في الشوارع مرفوعي الرؤوس، وناموا في الفراش مع زوجاتهم بفحولة شيطانية؛ بدا صنيع النساء إقرارا بعبودية أزلية ما دامت نساء البلدة البعيدة اضطررن للكذب على أزواجهن، وإقناعهم بأنها تيجان لرؤوسهم التي يخططن لقطفها في قريب يوم.

عاشت البلدة بسعادة الوهم منذ ذلك اليوم، وظلّ الله سيِّدَ الكون.

 

* قاصة من فلسطين