"عزوزة" لزهرة رميج رواية تعبق برائحة الطين

عبد الواحد كفيح*
بعد توالي إصداراتها من قصة قصيرة وقصة قصيرة جدا وشعر ورواية وترجمة، ها هي  زهرة رميج تعود برواية جديدة مختلفة تماما عن روايتها الأولى "أخاديد الأسوار" . إنها رواية "عزوزة" تفوح من فصولها بل عباراتها وفقراتها رائحة القرية المغربية الأصيلة، بكل عاداتها وتقاليدها ودفء أمكنتها وسحر فضاءاتها.

تبدأ أحداث الرواية  في فضاء مصحة،  والبطلة عزوزة على أهبة إجراء عملية جراحية تعتقد ابنتها حليمة أنها عملية جراحية بسيطة، لتدخل غرفة العمليات وتمكث حليمة في فراش  الأم منتظرة خروجها. لكي تشيد قلاع السرد وترص ممالك الحكي ينبري ذاك الراوي الذي عنده علم لينهمر بشلال الحكي الباذخ  ، فتتنامى الأحداث من عمق البادية المغربية منذ أن بدأت عزوزة" تشعر بأحاسيس مبهمة وبتغييرات غريبة في جسدها معلنة عن  أنوثة متفجرة قبل الأوان" )ص9( إلى أن تتزوج رغم انف أبيها والتقاليد من حبيبها البطل احمد ،لتبدأ معاناة عزوزة مع الحماة المتسلطة من جهة، وما تلاقيه من أذى جسدي من طرف الزوج الذي أصبح يتأرجح بين إرضاء زوجته وبين سخط أمه، التي ستشير عليه للحد من غرور عزوزة بجمالها بالتزوج من الحمرية ، لتتعقد الأمور داخل البيت وتتداخل التقاليد بالسحر والشعوذة، مروراً بكل مظاهر الفساد والدسائس والتجسس والغيرة ورائحة الغدر والصراعات الخفية والنفاق الاجتماعي والتجسس لصالح المستعمر بنحمادي نموذجا ،إلى أن تنتهي الخلافات بطلاق الحمرية الزوجة الثانية  وتغيير المكان بالانتقال للمدينة  وإصرار عزوزة على  هجر زوجها، لتدهشنا الأحداث الأخيرة  بالحقيقة المرة التي روتها هنية أخت احمد لعزوزة وهي مقبلة على العملية الجراحية أن احمد أضحى وهو في عز قوته  عنينا /أصيب بعجز جنسي لم ينفع معه تخليطة صهره الفقيه، ثم العودة من جديد لقاعة العمليات والتي فيها يتأكد موت عزوزة ومحاولة انتحار ابنتها حليمة..

"عزوزة" رواية  صيحة في وجه واقع استبدادي من منظور نسوي، في واقع اجتماعي بدوي وكذا درجة تأثير المرأة في هذا الواقع، وتبرز عزوزة الشخصية الرئيسية في الرواية كمناضلة قوية في أكثر من محطة  بمواقفها الرافضة للمستعمر الفرنسي  كما جاء في حوارها مع مرجانة" إني أكرههم، " ص 152.

رواية اعتمدت العلاقات الأسرية على اختلاف أنواعها سواء بين الأب والابنة وبين الابن وأمه والصراع الأزلي الناشب دوماً  بين الحماة والكنة والزوج وزوجته  والضرة وضرتها،مبرزة معاناة المرأة القروية مسلطة الضوء على جوانب معتمة او مجهولة في حياة نسائنا البدويات، وعلى ألسنة نساء من مختلف الأعمار تحدثن عن ما يمور في دواخلهن من أحاسيس ورغبات دفينة هي في عرف التقليد من المحرمات، التي لا يجب الخوض فيها كما قالت مرجانة  لعزوزة " بلخير لا يزال في كامل قواه الجسدية، ونشاطه الجنسي  لا يزال عاليا وتضيف قائلة " والله لو كنت حجراً لتفتتُ".

 وبالعودة لتفاصيل الرواية، هناك دعوة للدفع عميقاً باتجاه التحرر من مجموعة من الكوابح والقضايا التي نعيشها في محيطنا كما  في الرواية:  دسائس وحروب صغيرة وخلافات زوجية أبدية ونفاق اجتماعي لا مبرر  له. وهي بذلك تعري عن واقع الزيف الأخلاقي ووضع حجب وستائر يتخفي وراءها الكثير من الجهل والقليل من التعقل.  مع عرض تركيبة النفس البشرية بكل تعقيداتها  وتحليلها ،بدءا من الكبت الجنسي والتحرر الجنسي المخبوء والذي يمارس في الحرام والمخابئ حيث جيل بكامله عاش على عتبة البؤس والحرمان، ويصل به العقل إلى اختلاق المبررات قصد التحرر من متطلبات الحياة اليومية بجل تنويعاتها ; والعلاقات الاجتماعية بكل تعقيداتها حيث لا مجال للتمتع بأبسط حقوق الحب والجنس، والتعبير عن الرغبة فيه واعتبار ذلك مروقاً وخروجاً عن العادي والمألوف لذا العقلية البدوية المغربية ،مرورا بالجرثومة الخبيثة المتلبسة بالمرأة الا وهي السحر والشعوذة والانغماس في العادات والتقاليد والمعتقدات الغيبية الظالمة. حاولت الكاتبة ان تضع الأصبع وبقوة على مكمن الداء وأن تميط اللثام عن مواضيع حساسة ظلت في طي الكتمان، وقد كان تناولها  جحوداً وعقوقاً بالموروث التقليدي.

غاصت الروائية  في تربة بدوية مغربية بحرفية إبداعية عالية يشتم  معها القارىء رائحة الأرض الطيبة،  وقد حفلت الرواية بترسانة من الأمثال الشعبية بالدارجة المغربية التي وظفت دون حشو أو إطناب مبالغ فيه.وللإشارة فالكاتبة اعتمدت أن تفصح ولم تدرج إلا ما ندر لضرورة التوضيح أو الترميز . 

 وقد تثير المتلقي جمل وعبارات تحيل، في اعتقادي ، إلى أن الكاتبة تريد ان تجعل من المبدعة المغربية كاتبة رواية وأن تؤنثها وألا تبقى حكرا على الرجال : يقول علي الجعايدي: اسم عزوز اسم لا يؤنث" وما علي الا ان أكون البادئ وسيتبعني الآخرون بالتأكيد ص33 دلالة على أنها بداية لروايات المرأة المغربية المبدعة.

أسلوب الوصف في الرواية دقيق  يعطي للأشياء البسيطة قيمة وعمقا ، فالكاتبة  تمتلك زمام أسلوب السرد التفصيلي للجزئيات الدقيقة التي غالباً ما نعتقد أنها ليست ذات بال، فتتكشف عن كونها عميقة دالة واصفة. كما تتميز أحداث الرواية رغم محدودية المكان بالحركية والدينامية في التنامي. ففصول الرواية تعكس أحداثا مفعمة بالحياة والحراك الدائم والتصاعد الدرامي والإيقاع المتسارع،  الذي يختلط بالأصوات والروائح في جوانب عدة من الرواية،  ما يجعل منها قابلة أن تتحول لشريط سينمائي فيه كل مواصفات العرض الفنية ومثال على ذلك في ص( 247/248) وخاصة في الفقرة التي يسيطر الخوف على عزوزة وتجمع توأميها ضمن ما تستطيع جمعه وتهرول في الأدغال، مختبئة من موت محقق. ثم مشهد البطلة وهي تخرج من المرمدة كالشبح.غداة رفضها الزواج من غير حبيبها احمد،  ومرد ذلك إلى حيوية السرد الوصفي الدقيق جدا الذي يجعل القارىء  يعيش تفاصيل الأدوار سواء للشيوخ أو الكهول أو الشباب بمنتهى الدقة والنظام عند فرقة عبيدات الرماة. .ويتضح ان اغلب شخصيات الرواية في صراع دائم حيث الصراع بين المومس والمومس في الماخور من جهة  وصراع المرتادين بين حمادي واحمد من جهة اخرى، كما تتبدى الصراعات داخل المنزل بين الأم والابن احمد والحماة والكنة ثم بين الضرة والضرة التي اتخذتها الحماة مطية وجسرا تعبر فوقها للقصاص من عزوزة.

اما القيمة النبيلة التي قدمت بطريقة وأسلوب ينطوي على نوع من الاستسلام والخضوع أو لنسمّه "سلام الشجعان"، هو عندما تقرر البطلة عن طواعية وبشجاعة ناذرة العودة للمنزل متنازلة عن حقوقها من اجل مصلحة ابنائها. هذه العزوزة النموذج العاقل المتعقل النموذج الأمثل للمرأة الصبورة المناضلة التي لا تهزها العواصف والأنواء في مراحل حياتها الزوجية، وتقديم مصلحة الأبناء على مصالحها الشخصية.

هكذا  نجد أن المرأة غالباً ما تؤدي  فواتير الموروث الثقافي غالياً ، ورغم ذلك فقد كسرت الكاتبة بعض الطابوهات والقضايا المسكوت عنها في عالم الأنوثة، من قبيل الخرس المزمن حول قضايا هي من البديهيات: حقوقها الشرعية في الفراش مثلا،  والحديث بكل جرأة عن الحب والجسد في ظل تعدد الممنوعات، وذلك طبعا في اطار نسق عام يمور بتعدد السّلَط في فترة زمنية معينة  وسياق تاريخي محدد بدءا بسلطة الرجل -- حتى لا نظلم الزوج --- والمجتمع وسلطة المستعمر أيضا.بل وحتى اليوم مازال الفكر الإسمنتي يشتد صلابة كلما تقدمت المرأة خطوة إلى الأمام، ترتفع نداءات التكلس والتحجر تسارعا إلى الوراء.

اجتاحت الرواية هزات تارة عنيفة وأخرى هادئة، اجترحت فيه الكاتبة تقنية الفلاش باك وتداخل الأحداث،  وبهذا تمكنت الرواية والروائية من توريط القارئ في إعادة ترتيب أحداث والمشاهد والمراحل السردية، ليكون قارئا فاعلا ومنفعلا وايجابياً بل قادراً على المشاركة والاقتراح والتخمين، كما هي الحالة التي تركتها الروائية مفتوحة على كل الاحتمالات ص( 179/180)الحجر الذي بات يتنزل مرتطماً على البيت في غياب احمد.

التطرق الى العلاقات الخارجة عن إطار الزوجية في المواخير ودور بيع اللذة ووجود هذه الظاهرة كأول حرفة  في تاريخ البشرية، وسكوت المرأة واستكانتها رغم علمها بما يحصل هناك، في غياب تام لمناقشتها علناً رغم رفض المجتمع لها، لكنها متغلغلة في نسيج المجتمع بكل طبقاته وفئاته الحضر منه والبدو. كما وجبت إثارة العلاقة القائمة بين الحب والعنف،لأنها رواية قصة  عشق بكل ما تحمله من عنفوان إلى آخر رمق، و لا حاجة للتأويل أو تأويل التأويل بل يبدو ذلك جلياً من خلال الأحداث المحمومة التي بدأت بأول لمسة من ساقها ذاك الصباح الرائع ص32 والتي ألهبت جسديهما، إلى يوم أن نهرته وعاندت لهيب رغبتها المحمومة إلى يوم موتها، حينما أسرت لابنتها حليمة وهي في المستشفى قائلة في ص 6 "كم اشتقت إليه".

الحب والعنف يتآلفان هل العنف- من منظور كاتبة أنثى- ملح الحياة ، يحدث التوافق والانسجام بين العنف والحب، وبالتالي الإنجاب  في ظل الصراع المرير؟،هل هذا اقتناع بحالة الستاتيكو هذه ورضا عنه؟ الصراع والعنف والتعنيف نهارا والتوالد ليلا؟. هي قضايا جوهرية بالنسب للمرأة تدعو إلى إعادة النظر في إشكالاتها.وهكذا نجد الرواية تشرك القارئ في تلقي مواقف ليشكل مواقفه هو ورؤاه .

من زاوية أخرى هناك تركيز مركزي على جسد المرأة الشخصية عزوزة بالخصوص، حيث طفت على سطح الرواية علاقة المرأة بجسدها، إذ غدا الجسد الرائع الجمال يبهر النساء قبل الرجال  )إلى  شافتو الغنم ما ترعى (على حد تعبير مرجانة ب ص 126 أضحى عندها في وقت من الأوقات وسيلة طاغية له وظيفة استخدمتها ضد الأعداء، وذلك بالاعتناء بالجسد وتقديمه في استعراض مهيب كأسلحة طاغية في وجه الضرة والحماة والزوج، والمتربصين من أمثال بنحمادي فأدى وظيفة دفاعية وهجومية بكل ثقة واعتزاز بأنوثتها و به انتصرت في مواقع كثيرة رغم ما تدفق من بين فخديها  طيلة سنوات الولادة كما جاء على لسان الحماة، وكأني بالكاتبة تعطي قيمة مضافة للجسد عوض اعتباره مصدراً للذة الجنسية فقط واختزاله كأداة للزينة والمتعة  والغواية لا غير او اختزال المرأة نفسها إلى جسد فحسب.

كما زاوجت الكاتبة بين الاستقلال المادي والاستقلال عن سلطة الرجل بعدما أصبح منتوجها وفيراً من الدجاج والقن وأصبحت ذات اكتفاء ذاتي واستقلال مالي(( هل انا في سجن ؟ لقد مللت الحبس بين أربعة جدران ص و159و140اريد أن اتنمشى لوجدي )) (( لم تعد تنتظره لشراء ملابسها  )).

أحداث الرواية متداخلة ومتسارعة  مشوقة  مع خيال روائي جامح وبناء روائي يثير الفضول، مع التقدم في اصطحاب الشخصيات وتسارع الأحداث إلى النهاية المفاجئة التي ربما اعتمدتها الكاتبة لتبرير تعدد العلاقات الجنسية  خارج إطار بيت الزوجية والذي نتج عنه عجز جنسي هو في أمس الحاجة الى ترسانته وعتاده الذي استنزفه في المواخير، في الوقت الذي   تمكن فيه من استعادة حبيبته وتطليق زوجته الثانية. وهكذا يحث السارد لاتخاذ مواقف من هذه الأفعال اللامسؤولة عند الرجال.

وأخيرا عندما تعود كاتبة من طينة زهرة رميج لبيئتها الأصلية وتكتب رواية من هذا الحجم، تريد بذلك أن تعطي  الحجة والدليل على أن البيئة المحلية وخاصة البادية المغربية مازالت مادة خام حكائيا، غنية بأحداثها وشخوصها وواقعيتها الموغلة في الدهشة والغرابة، ولم تستغل بعد بالشكل المطلوب ، وكأني بها تقول إن الواقع أكثر سحرا فتسوق مشاهد واقعية من البادية هي في غاية السحر والإدهاش مؤكدة أننا لسنا بحاجة للذهاب بعيداً لاستيراد الواقعية السحرية من ممالك الموز الاستوائية، ولعمري ذاك ماجعل الرواية الأمريكو لاتينية تتبوأ الصدارة العالمية.