قراءة في رواية "عزازيل": صرخة في وجه الأيديولوجيات العقيمة

مهدي نصير*

" هيبا

أيُّها الرَّاهِبُ الخَشِنُ الأسْمَرُ البَدَويُّ

المُقَسَّمُ بينَ مِياهٍ عِذابٍ

تُقسِّمُ روحَـكَ نافِذَتينِ

ونِصْفين ـ واحِدَةٌ تَتَسلَّلُ فيكَ وأُخْرى تُحاولُ حُلْماً سَحيقاً مَرير ـ.

وبينَ مِياهٍ مَوالِحَ أغْرَقَكَ الحُلْمُ فيها

وأسْقَطَكَ الضَعْفُ

أنْقَذَكَ الضَعْفُ

لَكِنَّكَ انْتَصَرَتْ فيكَ في آخِرِ الليلِ روحُكَ وانْهَمَرَتْ كالنَجيلِ النَديِّ

الذي لمْ تَزَلْ تنْتشي بِهِ عِنْدَ تَذَكُّرِ تلكَ الطقوسِ العَظيمةْ "

لا أدري لماذا سَمّى يوسف زيدان رِوايتَهُ الحارَّة بِعزازيل، مع أنَّ اسمها الأقوى والأجْدر والأكثر تعبيراً والأكثر صِدقاً هو " هيبا ". إذ أنَّ الرواية سيرة ذاتية لهذا الراهب المِصري القديم القادم مِن القرن الخامس للميلاد، بل هي سيرة ذاتية لهذا الراهب وهذا المثقف وهذا الشيخ القادم من القرن الحادي والعشرين، الذي يَضجُّ بالتطرف والقتل والاستعباد والنَبذ والإقصاء.

أنَّها سيرة معاصِرة للمثقف المُشَظّى الممزق الحالم، الذي يرى أحلامه تتمزق أمامه باسم الله وباسم الدِّين وباسم القانون وباسم الأخلاق والتقدم .. الخ.

هيبا صرخة الإنسان المعاصر في وجهِ الأيدلوجيات العقيمة، وفي وجهِ استغلال القِيَم النبيلة والأديان العظيمة لتحقيق مآرب رخيصة ووضيعة .

واحدةٌ منَ الصور العميقة والعظيمة والقاسية والمعاصرة بأدقِّ تفاصيلها صورة تهشيم وسَحل وقتل وحرق "هيباتيا " في الإسكندرية وأمام عيون "هيبا"، والتي استنجدت به ولم يملك أن يُقدم لها شيئاً سوى هربِهِ بعيداً باتجاه التِيه (صحراء سيناء).

هذه الصورة القاسية هي صورة القتل اليومي في العراق وأفغانستان وفلسطين وإفريقيا، وكل بُقعة من بقاع الأرض المُستعبَدة بالطُغاة الذين يُمثِّلون النقيض لِهيبا (الراهب المصري) وهيباتيا (الوثنية اليونانية) ونسطور (الأُسقف السوري) واوكتافيا (الوثنية الصقِلية) ومرتا (المسيحية العربية) ويوحنا الأنطاكي، وكل الحالمين الأنقياء عبر التاريخ ، أي أن القيم النبيلة ليست حِكراً على دين أو عِرْق أو حضارة أو فكر ..الخ.

في الرواية بحثٌ مُضنٍ عن المسائل الكبرى في التاريخ والعقائد والأديان، وظهرت بوضوح في حوارات هيبا ونسطور أثناء مِحْنَة نسطور الكبرى، وبرزت محاولات هيبا في إيجاد حل لِمحنة نسطور من خلال نظرية ابن رشد عن الشريعة والحكمة، وما بينهما من اتصال، حيث دعا نسطور لتجاوز المحنة عبر هذه النظرية والانحناء قليلاً للتعصب الديني، ونقل المعرفة بالتدريج للعامة وليس بشكل مباشر مُضاد .

لكن نسطور ـ الفكر بأعلى تجلياتِهِ ـ يرفض هذا الانحناء ويواصلُ حربهُ وينهزم ويُحرَم ويُطرد ويسيطرـ وما زال مسيطراً للآن  الفكر الظَلامي المُستَبِد .

الفكرة الكُبرى التي برزتْ في شخصية وسيرة هيبا، هي أنَّ الفِكر الإنساني العظيم الوثني والديني والعلماني هو خطٌّ متواصل منَ الحُلم الإنساني، الباحث عن الإنعتاق والاقتراب من الروح الحقيقية للإله في أعلى تجلياتِهِ ومحبتِهِ .

رواية زيدان رواية حارقة قلقة متماسكة حارة طازجة، تفيض برفض للعنف والابتذال وقبول الآخر ومراكمة الإنجازات الحضارية للإنسان لا حذفها وإقصائها ونبْذها واستعداء الناس (ما يسميهم نسطور في الرواية العَوام) عليها.

رواية زيدان صرخة حارَّة في وجه الظُلم والاستبداد الديني والفكري والسياسي والانغلاق والتعصب الأعمى، وبحثٌ عميق عن قواسم إنسانية عظيمة .

ملاحظة أخيرة جديرة بالتأمل والنظر هو بناء شخصية عزازيل في الرواية، فعزازيل يوسف زيدان ليس ابليس أو الشيطان، بل هو روح أقرب للإيجابية فهو في الرواية الطرف السلبي الآخر للجدل الإنساني المحتدم عبر التاريخ، وأوجده الإنسان ليُعلِّق عليه خياناتِهِ وشرورهُ وأحقاده وقسوته .

عزازيل في الرواية كان القوة الدافعة التي دفعتْ هيبا لتوثيق رقوقِهِ وتجاربِهِ ومِحْنَتِهِ ليطَّلِعَ عليها الناس، ولم يمثل في الرواية الجانب الشرير من النفس الإنسانية بل مثلَّتها في الرواية شخصيات إنسانية حمقاء ومتعصِّبة (كيرلُس، بطرس القاريء، قتلة هيباتيا، قتلة أبيه لهيبا، حارقو الأعمال الفنية البديعة في المعابد الوثنية.. الخ).

عزازيل يوسف زيدان هو النِصْفُ الآخر الفاجر والضعيف والقويُّ في آنٍ واحدٍ من الإنسان، وربَّما كان هذا هو السببُ الذي دفع المؤلف لتسمية روايتهِ بهذا الإسم الذي هو هيبا بصورة أُخرى.

 

* شاعر وكاتب من الأردن