عجاج الدروب

محمد جميل خضر*

إليها، إلى لحظة الكشف، تتماهى الدروب جميعها، تتيه، تضيق، تتسع، تقصر، تطول، يعتريها النّوَسُ والنعاس وتعب الحياة وانفضاض الهمة.

تجوسها الحفر وعراقيل المسعى ومطّبات الطريق.

إليها وحدها يصبح المسير غاية والنبل مثلمة وتعب العمر هفوة.

إليها وحتى بلوغها، عجاجٌ يملأ المدى، صيحات بشر وآهات تحسر، ما يقال، وما يحاط بصمت جليل.

كأنها (لحظة الكشف) الحياة نفسها، كأنها النهى التفاتة المها، كأنها.. كأنها.. كأنها سر الانعتاق العظيم، إيماءة التجلي وكهرباء الهباء.

خلقٌ يطلعون، يعبرون قنطرة الفضول، يحتشدون أمام شاشة عملاقة، ينتفضون وجداً وقصائد منسية، يلهثون خجلاً من بشاعة المرايا، يولدون من الفكرة وفيها يكبرون وداخل تفاصيلها يغيبون. ووحدها هناك عند ناصية الخلق والأماني المحرمة، سطوعها نار، بلوغها وَسَنٌ، شكلها شكّها، شهدها مهدها ولا أحد، كأنها انفجار الأسئلة في كل مكان وكل زمان.

سيدة تجالس الصبيةَ الطيبين عند حدود السيل، فرس جامحة وحصان جريح، من هنا مر الغبار، أشعل الـ (كيف) مقاصده، ضاع الأنبياء بعدما تركوا من كل زوجين اثنين، بعدما ملّوا الحقيقة.

علني تحت شباك بعيد وجدتُني، ارتفعتُ، أدركتُ معارج الترفع، علني أصبت لحظة سهوي، وآثرت عني كلامي، فقلت لها عودي من حيث نبع الخطايا وانشطار القمر، من حيث يتلعثم الإنسان وترتسم تفاحتا خجل على وجنتيه، من حيث تسمع البنات تحذير الأمهات وتراتيل الصحوة القاسية، من حيث صوت ينادي ونبت طريح، فرس جامحة وحصان ذبيح.

سيدة واضحة لا لبس فيها، نشتهيها ثم نشتمها ثم نرسمها لوحة معلقة في معرض الرجال المشروخين.

سيدة لقائمة الفتوحات المريضة، تلمع في الرأس المسكون بالخرافة والمعجون بطنين مأفون، فرس جامحة وحصان ضريح.

فرح عابر ينبثق من بين صخرات سهل جسور، لا زهد فيه، على مهله يتيه، وعلى رسلها تنبني الأغنيات.

سيدة واحدة ورجال من سلالة الكبت تلصصوا، صاروا واستجاروا، وكتبوا مروية واحدة عن فكرة واحدة، فكرة بائدة. كتبوا وكبتوا، كشفوا وانكشفوا، وبين أسنان الذئب لا أعراف غابة، ولا أخلاق مدينة مشدوهة العمران، مسلوبة التأمل ومعطوبة الوقت.

كأنها لغتي، على الرمل أسفّها، أطلق لقافيتي العنان، أعلق جرساً صامتاً لا يسمعه أحد، أبطح الأرض، أشيع في اللحم أغنيتي بلحن دخيل وصوت نشاز، زئير الكائنات، عواؤها وفحيحها وصهيلها ونباحها وزعيقها وهديلها موسيقى تجرح وجه الكون، وتشج رأس الفضاء، وتغرس احتجاجها في صدر السديم.

إليها، هناك عند ناصية الخلق، واحتمالات التجدد أوقدتُ ناري، قَرَضَ الشعراءُ موالهم، ورسم القادة خطة واحدة للحروب جميعها. وفي الموعد المحتمل هتفت شعوب الأرض لنصر هجين في مواجهة يتيمة مع المعنى، وعلى غير توقعٍ قصدوها من جهات السبات، ضجيجهم حجب الكون وسد منافذ النور، عمياناً كانوا، (طرشاناً) بلا بوصلة، حول الوليمة يتحلقون، صيد هذا المساء، همهمة جارحة مفضوحة النوايا.

إليها، إلى لحظة الكشف وصلت أخيراً وحطت بلا حِداء قافلتي، سكنت أرض الغرباء، السراب رفيقي، وراية من عبث تبعها الرجال، تنكبوا خطاها، رصدوها آناء الليل وأطراف النهار، فرس جامحة وحصان مسيح.

راية، لحظة، سقطة منحناها هَدْيَنا وهدايانا، نادينا عليها كلما كانت تغيب. بوصلة من سراب، لهث وراءها أهل السهل والجبل والبوادي البعيدة، لا تكشف السر كله، تقول ولا تفصح، تقع ولا تسقط، تشع ثم تضيع، عصا في يد الراعي، نجمة فوق متاهة الطريق، هي لحظة لكن في سحرها الخلود.

في الليل، في المواويل الملتاعة أشواقاً ودفاتر، عند حدود الفجر، في درس الحصة الأولى، في الحديقة النائية، تحت أصغر برعم ورد في بستان السر، في الدنو والتداني وانقسام الكيان كينونتين، في الظهر العصر الشفق الناعس على أبواب الغروب، مع لذاذة المعجون في فرشاة الأسنان القديمة، في كل وقت وكل صوت وكل صمت، تتجلى الحياة وتختزل عصورها وعهودها جميعها في لحظة واحدة، واعدة، تهزم قبائل الجوع، تنام في سلام المحار، وتجدّل (مرجيحتها) بأصابع من يقين تحت ظلال النجمة الصاعدة. 

*قاص وكاتب من الأردن