طنجة: أساطير ولقاءات مائية وثقافية

  مـحـمـد الأصفـر* 

أول زيارة لي لطنجة ربما كانت في الخيال ، حيث كان منامي مغرما بجرسها الموسيقي  صحبة أختها المغربية الأخرى مراكش ، فما أن يخيرني المنام أي بلد تريد ؟ حتى ألوذ بالصمت ، فيعرف أنه لا اختيار جديد ، فيأخذني إلى طنجة أو طانجيس أو  تين أجي وهذه مسمياتها على مر التاريخ الذي عاشته .

 عرفت طنجة قبل أن أكون كاتبا ، وقادتني الأقدار إليها في أول رحلة فعلية عام 1986 عبر الباخرة الليبية طليطلة المبحرة من ميناء طرابلس الغرب، آنذاك كنت مدرسا في مدرسة إعدادية  وكتقليد لبعض المدرسين الذين ينطلقون إلى تركيا، من أجل جلب السلع وبيعها في سوق الجريد أوالفندق البلدي أو النملة أو في مرابيع البيوت،  قررت أن أجرّب حظي مع هذا الشيء الذي يمتهنه أبي ولم يورثه لي وهو التجارة، لكن لم أختر الوجهة التركية ذات الربح المضمون والفوري وتوجهت مغامرا قاصدا طنجة، بلد الرحالة الشهير ابن بطوطة ، البلد الذي تلتقي فيه المياه المتوسطية بالأطلسية في امتزاج سلامالبلد الذي امتزجت فيه ثقافات الشرق بالغرب بالجنوب، البلد الذي به المضيق الشهير الذي عبره طارق بن زياد ،لنشر الأنوار والحضارة في  الظلام القرون الوسطى في اوروبا، عبر كوكبة من المبدعين  منهم ابن رشد . البلد الذي يمكنك عندما يكون الجو صحوا رؤية الضفة الأخرى من اليابسة ، البلد الذي يسبب لك الألم  والحرقة عندما ترقب منه مدينتي سبتة ومليلة المحتلتين من إسبانيا حتى الآن .

ذلك العام هو العام الذي تعرضت فيه الجماهيرية الليبية لغارة جوية أميركية اطلسية،  وهو الزمن نفسه الذي رحل فيه الأديب العالمي جان جينيه ليلة 14 -15 – إبريل ا 1986 م المدفون الآن في مدينة العرائش القريبة من طنجة في مقبرة إسبانية قديمة تشرف على البحر،  تشرفت بزيارة قبره فيها والترحم عليه ، فهذا الكاتب علمني من خلال كتابه "يوميات لص"  أن لا أسرق الغير ، لكن أسرق نفسي من خزائن نفاقها وخجله،ا وأنشر ما أسرقه منها في وضح النهار وأمام الملأ .   معظم الأدباء الذين يزورون طنجة لابد من أن يزوروا قبر  جينيه، تقديرا لقيمته الإبداعية ولمواقفه النضالية الداعية للتحرر ورفع الظلم والمناصرة بالفعل وليس بالقول  للقضايا العالمية المعروفة مثل قضية فلسطين التي ناصرها مقاتلا مع الفلسطينيين إبان محنتهم أو أثناء تعرضهم لمذبحة صبرا وشاتيلا التي دخل إلى عمق مخيماتها، وشاهد الجثث والوحشية التي سقطت من قبل إسرائيل وما تملكه من أذناب وأيد ومن ميليشيات إرهابية وغيرها، وكتب عنها كتابا مازال يدين هذه الجرائم حتى الآن .

 

ندوة في طنجة تتاولت روايات الأصفر

الباخرة طليطلة تبقى في طنجة يوما واحدا وتعود إلى طرابلس في اليوم الثاني ، وفور نزولي إلى رصيف الميناء وجلوسي في إحدى المقاهي وتذوقي للشاي الأخضر بالنعناع، ورؤية حيوية المدينة ونشاطها  ومزيجها الإنساني الذي امتزجت به روحي حتى قررت أن أتخلف ، لن أعود مع الأصدقاء المدرسين التجار الذين اشتروا بضائعهم في ساعة ليعودوا إلى الباخرة متقشفين ومقلصين نفقات الرحلة إلى أقصى مدى طمعا في مكسب أكبرلن يكتب علي أن أرى الجمال وأتركه ، فلأسجل غياباً في المدرسة ، فليقل الأصدقاء عني أني رفيق سيء يترك أصحابه في أي لحظة.   لم يكن بحوزتي آنذاك سوى ثلاثمائة دولار وهي الحوالة المسموح بتصريفها عبر جواز السفر  تلك الأيام أي بالليبي 100 دينار فقط ، لكن كنت قد اشتريت من السوق السوداء 400 دولار أخرى ترافل شيك توماس كوك ونجحت في تهريبها معي داخل صفحات مجلة رياضيةعاتبني الأصدقاء وضغطوا علي كي أعود، واقترحوا أن يشتروا مني كل البضاعة بشرط أن يقوموا هم باختيارها وأنا بدفع الثمن ، اتصلت بي أسرتي أيضا خوفا علي من السحر المغربي  ، لكن اعتذرت للجميع  وطمأنت أسرتي أني بخير و أن سحرهم أقوى ، وأوضحت لهم أن البضاعة في طنجة لم تعجبني ولا مكسب كبيراً بها ، سأبحث عن بضائع أكثر ربحا في مراكش الحمراء ، وقلت لهم أريد أن أبقى ، المكان أسرني  ولتسقط التجارة  والمدرسة والأسرة ، ولتسقط العودة إلى البلادغادرت السفينة الميناء عند مساء اليوم التالي ، ورأيت الأصدقاء وهم يلوحون لي ، وبادلتهم التحية ثم غبت في شوارع طنجة التجارية وأسواقها ومقاهيها وقصبتها العتيقة ،ولم أعد إلى الفندق الشعبي الذي سكنته قرب الميناء وأسمه المرسى إلا في وقت متأخر جدا، طرقت الباب ففتح لي موظف الاستقبال قائلاشغلتنا عليك يا أخي، قلت له اطمئن أنا بخير ودخلت لأنام. .

لم تكن الكتابة تشغلني آنذاك  ولا حتى القراءة، كنت أقرأ بالصدفة ، ليس لدي كاتب معين يعجبني، أعرف جان جينيه وسارتر وكامو ومحمد شكري ومحمد زفزاف  والخوري وبنيس وبن جلون ومحمد خير الدين والعروي وبول بولز وتنيسي وليامز ومومبسان وهوجو وجوته ونيتشه والشابي والمسعدي والبرتو مورافيا ومحفوظ والنيهوم وهمنجواي وطه حسين والمنفلوطي ودوستوفسكي وتولستوي ونيكوس كانتزاكي وكم هائل من الكتب التراثية ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنه و شمس المعارفكنت أقرأهم لكن لم أكن معنيا بأن أكون كاتبا ، أقرأ للمتعة فقط دون تفاعل مع ما يطرحونه من قضايا، بل أحيانا أضحك منها وأقول لماذا يعصر ذهنه لغوياً وخيالياً لينتج هذه الحبكة والحكاية المحكمة،  و بصراحة لو كانت عقليتي آنذاك مثل الآن لكنت على الأقل  تعرفت على جان جينيه وبول بولز ومحمد شكري وربما استقررت هناك حتى يومنا هذاكنت أقرأ الصحف بصورة يومية ، وأهتم بالدرجة الأولى بالرياضة وكرة القدم التي كنت أمارسها خلال الثمانينيات لاعباً في فريق السواعد بحي المحيشي، متتبعا أخبار اللاعبين والفرق وخطط اللعب والطب الرياضي، وكنا دائما والأصدقاء متحمسين للفريق الجزائري الذي أثبت حضوراً قويا في بطولة كأس العالم بإسبانيا عبر نجومه الأخضر بللومي ورابح ماجر وعصاد وقريشي وقندوز وسرباح وفرجاني وغيرهم، وأيضا الفريق المغربي ونجومه الكبار من أمثال محمد التيمومي وعزيز بودربالة والزاكي وظلمي، ولا ننسى أن فريقنا الوطني الليبي كان ندا قويا لهذه الفرق وكان على مقربة من الوصول للمنديال العالمي عبر نجومه العيساوي والبشاري وباني والفرجاني وشنقب وغيرهم  .

 لم أندم عن تخلفي عن الرحلةشعرت براحة تامة ، تاجرت في التأمل، لا أحد أعرفه في المدينة حتى أتحدث معه وهذا جميل جدا فالمعرفة لدي ليست كنزا إنما فقر مدقع . بدأت في نسج علاقات جديدة طرية طنجاوية ، أتحدث مع أناس جدد من الجنسين والجنس الثالث أيضا لينتهي الحديث مع انتهاء الجلسة ، نتحدث عن كرة القدم ، ومنها ننتقل إلى معاناة الإنسان في حياته من الفقر في المال والأحاسيس والمشاعر والحب ، نتحدث عن مشاكل العالم، عن أحوال الطقس ، عن الأغاني الشعبية، هم يغنون لي أغنية جيل جلالة  وأنا أرد عليهم بأغنية مرسكاوي  الذي أحفظ منه الكثيرلا انغلاق في لغة الموسيقا، أعزف على  ناي قصب جديد اشتريته من محل تحف وتذكارات في طنجة، مازالت رائحة الدخان المنبعثة من ثقوبه أثناء صنعه فائحة ، لا أشم  دخان نار ، أشم بخورا شجيا يعزف لحنا عميقا يسمعه أنفي بوضوح.

  قرب السوق الداخل  محل يقع على مرتفع صغير، تصعد إليه عبر بعض الأدراج المتآكلة الحواف ، من يعزف على الناي يمكنه العزف على الأكورديون، على البيانو، على الأورغ ، على أي آلة غير وتريةهكذا قال لي الفنان الشعبي ، قلت: صح ، وعزفت له لحنا على أوكورديون كبير ثقيل فابتسم ، لكن قلت له عندما أحضرت النادلة المشروب أعزف أيضا حتى على الأوتار ، أحب نادلات المقاهي والخادمات ولاعبات التنس ووزيرات الخارجية في أي دولة كانت تقدمية أو رجعية .

لم أكن مدخنا، لكن الأصدقاء الفنانين يدخنون بشراهة، لكن لم أكن أكح من الدخان ، شعرت أنه غير مضر بالصحة، لم أكن آنذاك أعد الأيام، أقمت صداقات كثيرة مع أصحاب الدكاكين الذين يعرفون أن معظم الليبيين تجار، فيكرمونهم وحتى يقرضونهم بعض المال وهذا هو الأهم بالنسبة لي، أيضا علاقات مع رواد المقاهي وبعض فناني الملاهي الليلية، وكان كل شيء آنذاك في طنجة   رخيص ، وأستطيع  القول أن مجد طنجة كان خلال حقبة الثمانينيات من القرن المنصرم الجميل  .. وفعلا طنجة مدينة أسطورية تستمع فيها إلى عدة أساطير، ننقل منها من موقع ويكيبديا هذا الكلام :

" تقول الأسطورة الشفوية المتداولة بين الناس بمدينة "طنجة" إنه بعد الطوفان ضلت سفينة نوح الطريق وهي تبحث عن اليابسة، وذات يوم حطت حمامة فوق السفينة وشيء من الوحل في رجليها، فصاح ركاب السفينة "الطين جا.. الطين جا"، أي جاءت الأرض اليابسة، ومن ثم سميت المنطقة "طنجة".

أما الأسطورة الإغريقية فتقول إن "أنتي" كان ابن "بوسيدون" و"غايا"، وكان يهاجم المسافرين فيقتلهم وصنع من جماجمهم معبدا أهداه لأبيه، وأطلق على مملكته اسم زوجته "طنجة" -بكسر الطاء وسكون النون- وكانت تمتد من سبتة إلى "ليكسوس" مدينة التفاحات الذهبية قرب العرائش.

وفي معركة قوية بين هرقل وأنتي استطاع هرقل أن يهزمه، وفي الصراع شقت إحدى ضربات سيفه مضيق البوغاز بين أوروبا والمغرب والمغارات المشهورة باسمه، ثم تزوج بعد ذلك زوجة أنتي، فأنجبت له سوفوكس الذي أنشأ مستعمرة "طنجيس"." .

جان جينيه

بعد أول رحلة عدت إلى طنجة مرة ثانبة في زيارة قصيرة ، وبعدها هذه المرة في خريف 2010 التي قدمت إليها ليس سائحاً أو تاجر،اً إنما ككاتب كتب قسما كبيرا من أولى رواياته " المداسة " عن هذه المدينةجئت بدعوى من ملتقى المتخيل المتوسطي المهتم بفن السرد وأيضا بدعوة من ملتقى الشعر الإيبيرمغربي المهتم بالشعر اللاتيني والعربي  وفي الوقت نفسه لإستكمال روايتي الجديدة التي بدأت كتابتها هذا الصيف في تايلند " رواية أحلام، وأيضا من أجل البحث عن مترجم محترف أتفق معه على ترجمة إحدى رواياتي وأدفع له نقودا.. لا مشكلة ، من وكالة سياحية بفندق تيبستي بها صديق رائع اسمه رفيق ببنغازي حجزت فندقا جميلا ، وإلى تونس سافرت وبعد يوم في تونس وصلت الدار البيضاء وبعد يوم في الدار البيضاء مع الكاتب المجنون وحيد نورالدين انطلقت إلى طنجة ، حيث كان الأصدقاء من دكاترة جامعة تطوان ومن الكتاب الشباب من أحفاد محمد شكري في استقباليقلت لهم لا أريد تضييع الوقت ، أنا قادم للكتابة ، وقبل موعد الندوة بساعة أكون عندكموتمر الأيام الجميلة ، لا أخرج من الغرفة إلا السادسة عشية ، بقية الوقت أقضيه في الفندق ، أكتب وأنام و أتفرج قليلا على أفلام إباحية ، ولا أتناول الغداء ، لا أشعر بالجوع في طنجةفي الصباح أفطر في الفندق ، بعدها الحمد لله ، أشرب الماء فقط ، وفي المساء أخرج أجلس في مقهى أتناول الشاي الأخضر وبعض الطعام، وألتقي الصديق الشاعر إدريس علوش والصديق الكاتب يحي بن الوليد والدكتور مزوار الإدريسي والدكتور محمد المسعودي، وعدد آخر من المبدعين الذين لا أذكر أسمائهم الآن ونتناقش قليلا في أمور الثقافة والترجمة وغيرها من الأمور، بعدها تنفض الجلسة ويذهب كل واحد منا باحثا عن بهجاته. .

في يوم الندوة أوان الأصيل توجهت إلى مقر جمعية كوكوناف بشارع المكسيك صحبة الناقد والمترجم د مزوار الإدريسي ، استقبلني رئيس الجمعية في مكتبه والتقط لي صورا إلى جانب شعار الجمعية الثقافية ، قال لي من قبل استقبلنا هنا في ندوة ثقافية الروائي الجزائري واسيني الأعرج والشاعر العراقي فاضل العزاويحضر تلك الندوة من الكتاب الليبيين الشاعر سالم العوكلي والكاتبة رزان المغربي ، رحبت به وشكرته على هذه الاستضافة القيمة وخاصة أنها جاءت من مدينة خالدة في ذاكرتي أتطنج فيها براحتي أسمها طنجة .

رغم أن وقت الندوة كان وقت مباراة ريال مدريد الإسباني وميلان الإيطالي ومعروف أن كل أهل طنجة يشجعون الكرة الأسبانية، إلا أن أحداً من المدعوين للندوة لم يتخلف ، حضر الندوة التي تحدثت فيها عن راهن الثقافة الليبية أولا ثم عن تجربتي في الكتابة مجموعة من مثقفي المدينة ورؤساء تحرير مجلات ونقاد ومسرحيين  منهم :

د عبداللطيف الزكري ( قاص وناقد ) د محمد أحمد بنيس ( شاعر ) د محمد المسعودي ( ناقد وشاعر وقاص ) د مصطفى الورياغلي ( ناقد وروائي ) د مزوار الإدريسي ( شاعر وناقد ) د محمد الرميج ( ناقد ) د محمد الأزرق ( ناقد ) د كريم واكريم ( رئيس تحرير طنجة الأدبية ) د عزالدين الوافي ( ناقد سينمائي ) د محمد الكلاف ( قاص وناقد ) د عبداللطيف الخياطي ( قاص ) د محمد الهوتة ( صحفي ) د إدريس الجبروني ( ناقد ومترجم ) وغيرهم .

بدأت الندوة بتقديم من قبل د مزوار الإدريسي الذي تحدث عن روايتي ما قبل الأخيرة" ملح "ـكنت قبل وصولي قد أرسلت لهم طردا يضم 12 نسخة من رواياتي ورواية زوجتي آمال  قسامي  من دار الحوار بسوريا ـ وتحدث عن طريقتي في الكتابة ولغتي وأسلوبي الحكائي ثم تحدث د محمد المسعودي عن روايتي "شكشوكة" بينما د مصطفى الورياغلي تحدث عن روايتي "شرمولة" ، بعدها أعطيت لي الكلمة لأتحدث عن الثقافة في ليبيا وعن تجربتي ، حيث قدمت صورة تعبر عن وجهة نظري عن  راهن الثقافة الليبية وعن مؤسساتها الفاعلة وعن إصدار الكتب وعن الإهتمام بالكتاب مبرزا السلبيات والإيجابيات. ،قلت لهم لن أكون معكم شفافا في مسألة سلبيات الثقافة الليبية لأني لا أحب أن أتحدث عن بلادي بسوء خارج الوطن ، لكن داخل الوطن بإمكاني أن أتشاجر بسبب الثقافة مع أي كان. في الوقت نفسه  تهمني كتابتي وأن استمر في الكتابة ولا تهمني أي فائدة أجنيها من المؤسسة الثقافية ، تحدثت عن تجارب الكتابة في ليبيا وعن بعض الشعراء الشباب والروائيين الشبان والنقاد أيضا وبالطبع أشدت بهم ، ومعي كتب ليبية أحضرتها  لبعض المبدعين الليبيين من مختلف الأجيال وزعتها عليهم لمزيد من الإلمام بالمشهد الثقافي الليبي ، بعدها تحدثت عن تجربتي وعن أسفاري وكتاباتي ونشري الشخصي لرواياتي في مصر وبيروت وسوريا، وعن زياراتي الكثيرة للمغرب وعن كتابها المعروفين وعن الأدب العالمي وعن حياتي الشخصيةتحدثت بحرية وكأنني أكتب رواية لقارئ أحبه أن يقرأني ، تحدثت بشكل متقطع وبدون تركيز ، وبانتقالات سريعة من موضوع إلى آخر ، وبلغة خليط من العربية والدارجة الليبية والمغربية وحتى المصرية ، وقلت لهم أنا فقدت لهجتي ، اختلطت بعدة شعوب وبعدة أناس من عدة مدن وتحدثت مع الجميع ، ففقدت لكنتي .لم أعد انتمي لأية مدينة ، المهم  أن يفهمني الآخرتحدثت عن ضعف سمعي الذي أرفض أن أعالجه حتى لا أسمع أكثر من اللزوم ، وكانت أجواء الندوة مرحة ، والجميع يريدني أن أواصل الكلام دون توقف خاصة عن حياتي الشخصية التي تنتقل سريعا لتتحول إلى  روايات ، لكن شعرت بالعطش من تواصل الثرثرة ، لم أجد أجواء جميلة مثل هذه أدلق فيها هذا الكم الهائل من البوح ،  فشربت جرعة ماء من ماء سيدي حرازم، وقلت لهم الآن أيها الدكاترة المبدعين الإعزاء والذين لم أتشرف بوجودهم من قبل في أي لقاء أدبي في ليبيا، بل لم تستضيفني حتى الآن أي جامعة ليبية ولا تلفزيون ليبي وأنا بالطبع لا أرغب في ذلك ، ولم تقم لي أي أمسية خاصة بي ولا ندوة ولا تكريم ولا أي شيء ، لأنه لدي 13 عشر كتابا رائعا طبعتها على حسابي الخاص  ولا أحد مهتمهاتوا ما في جعبتكم من أسئلة وسأحاول الإجابة قدر المستطاع والذي لا أسمعه جيدا يمكنه كتابة السؤال في الورقة الموضوعة أمامه ... وكانت الأسئلة موضوعية وتمت صياغتها من خلال قراءتهم للروايات ومعظمها تتحدث عن تقنية وطريقة الكتابة ، أي الورشة التي انتهجها في كتابة هذه المواد الغزيرة، وأسئلة أخرى عن ماذا تعني الكتابة وهل تحبها أم تكرهها وقلت لهم أعيشها فقط وبعض الأسئلة سألتني لماذا بدأت الكتابة متأخرا أي وأنت عمرك 39 سنة، وقلت لهم قبل الكتابة كنت لاعب كرة قدم وبعدها صرت تاجر شنطة أجوب بلاد العالم ، وذات يوم كنت في الصين ورأيت بعض الشيوخ الكبار ذكوراً ونساء يخرجون من بيوتهم ويتوجهون إلى حديقة عامة وفي أيديهم أقفاص بها عصافير زينة تغرد ، علقوا الأقفاص في أغصان الشجر ثم نظموا أنفسهم في صفوف وصاروا يعزفون الموسيقا ويرقصون، والعصافير داخل الأقفاص تنط في مرح و تغرد معهم. ، شعرت آنذاك أني عصفور فبدأت أرقص معهم وأغرد وأحاول أن أخرج من القفصلم استطع أن أخرج أنا نفسي ، لكن كلماتي خرجت وطافت وبدأت ترسل أنوارها هنا وهناك .