طفل في السادسة والسبعين .. "عزلة" شاعر الجماهير مظفر النواب

محمود منير*

قرب ساحة عرنوس في قلب العاصمة السورية، دمشق، وقف الشاعر العراقي مظفر النواب بعد أن نزل من سيارة الأجرة، وبدا غاضباً يطلق الشتائم على "العسس" الذين غيّروا المكان، الذي سيحتضن مهرجاناً لدعم الانتفاضة الفلسطينية الثانية أثناء حصار الرئيس الراحل ياسر عرفات في العام 2002، قبل إنطلاقه بساعتين إلى ساحة أخرى، ما أحدث التباساً لدى بعض الجماهير فلم يتمكنوا من الحضور.

 "الجماهير" التي شغلت بال مظفر النوّاب لم تصفق له يومها في الساحة الأخرى كما كان يحدث سابقاً، حتى أن عدداً من الحضور انسحب بعد أنهى الفنان السوري سميح شقير وصلته الغنائية، فقد كان التظاهر في الشارع، حينها، لا يحتاج إلى شاعرٍ أو مغنٍ ليحتج الغاضبون على بشاعة الإحتلال، ما دام الاحتجاج غير موّجه في مسار آخر. 

 غياب الجماهير بفعل يأسهم أو فرط غضبهم، دفع إلى تغييب الشاعر بداعي "حرده" على مريديه أو بسبب إحساسه بالبرد نتيجة عزلته كما عبر ذات في يوم قصيدته "في الحانة القديمة" التي يقول فيها: "أنا يقتلني نصف الدفء.. ونصف الموقف أكثر". 

 منذ إقامته في دمشق في نهاية التسعينيات من القرن الفائت، بدأت عزلة النوّاب تتسع، اكتفى بداية في الجلوس في مقهى الهافانا، بشارع 29 أيار، مرتين أو ثلاث أسبوعياً، ثم أصبحت مرة يتيمة، ليعتزل منذ عامين وأكثر في بيته الذي لا يفارقه إلاّ ليلتقي القليل من الأصدقاء في أوقات متباعدة.

 لم تتوقف "النمائم" حول تلك الإقامة الطويلة، بعضهم قارنها بالإقامة العابرة للشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري في الشام، مذكرين أن مليون دولار كانت هبته عن قصيدة مدح واحدة، وعن إقامة فاخرة لم تهيئ للنوّاب الذي أقام في شقة صغيرة بمشروع دُمّر واختلفت الأقاويل حول المخصصات الشهرية التي كانت تقدّمها الحكومة السورية له، حيث أشيع أنها لم تتجاوز 600 دولاراً أميركياً.

 المقارنة بين النوّاب وبين الجواهري ليست عادلة، بل تبدو قاسية في أغلب تفاصيلها، فالنوّاب لم يمنح مضيفيه أكثر مما أعطوه له، فلم يظهر إلاّ مرة وحيدة على التلفزيون السوري ليرثي الأسد بعد رحيله، واكتفى وقتها بعدد قليل من الكلمات نثراً.

 المحاولة الوحيدة التي أقدم عليها مثقفون سوريون قريبون من الحكم لمنحه الجنسية السورية تقديراً لمكانته الشعرية والوطنية، قابلها النوّاب بالرفض رغم ابدائه موافقة مبدئية للوسيط الذي سعى لإنجاز الموضوع، لكنه بمجرد نشر خبر وجيز في إحدى الصحف الأردنية، انطلقت موجة غضب عارم على شبكة الإنترنت، قادها عراقيون رأوا في تجنيس شاعرهم "إهانة وطنية" لهم، فسارع النوّاب إلى رفض الجنسية السورية.

 النوّاب، الذي يمتلك روح طفل سريعة الاشتعال غضباً أو فرحاً، أعلن تأييده لسقوط "الطاغية" وظهرت صورته على شاشات التلفزة العراقية والعالمية، وهو يدلي بصوته في الانتخابات العراقية، وأعاد التأكيد على موقفه المناصر للعملية السياسية في "عراق ما بعد الإحتلال" في إحدى مقابلاته الصحفية قائلا: "أنا مع الإنتخابات العراقية الأخيرة ومن عنده طريقة أخرى فلينصحنا بها، أما أن نطلب من العراقيين حمل السلاح في هذا الوقت بالذات فهذا أمر مضحك. إن المقاومة في مثل هذه الظروف هي ضرب من الخيال، لا بد أن نحرص على سلامة كل العراقيين وأن لا نقدّمهم إلى "المفرمة" بتعلة المقاومة".

 رافق موقفه من العملية السلمية لهفة في العودة إلى العراق، حتى أن كثيراً من وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية العراقية تحدثت عن قرب عودته ونسبوا له أشعاراً باللهجة المحكية تتحدث عن حنينه ورغبته في العودة إلى موطنه، وتضمنت تلك الأشعار مقارنة بين "البقلاوة" الشامية وحلويات بغداد.

 من جديد يعود النوّاب ليرفض العودة إلى بلده المغتصب، فتنقل صحيفة "القدس العربي" اللندنية، في نهاية العام الفائت، تصريحاً "حاسماً" للشاعر يرفض فيه عرضاً من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بمغادرة دمشق والعودة إلى العراق على متن طائرة خاصة، مشيراً في الوقت ذاته إلى ارتياحه  للإقامة في سورية.

 مقربون من الشاعر ذكروا أيضاً أنه رفض عرضاً من الرئاسة العراقية الحالية بمنحه جواز سفر عراقي دبلوماسي في ظل  الإحتلال، رغم عيشه في عزلة إجتماعية وتقدمه بالسن، قانعاً بـ "دمشقه"، حيث يحظى بمساعدة شاب جامعي سوري قرر الإقامة معه ومرافقته دائماً والإشراف على رعايته.

 ستة وسبعون عاماً نسجتها المنافي والعزلة، والنوّاب يحتمي بظلٍ "دمشقي"، بعد أن ضاع كثير من شعره بسبب عدم تدوينه، وبعد طرده من موسوعات شعرية عربية لم تأت على ذكره، لتبقى قصيدته "رحيل" معنى صريحاً لخلاصة تجربته:  

"مضت السنين بدون معنى

يا ضياعي
تعصف الصحرا وقد ضل الدليل
لم يبق لي من صحب قافلتي سوى ظلي
وأخشى أن يفارقني
وإن بقي القليل
هل كان عدلٌ أن يطول بي السُّرى
وتظلُّ تنأى أيها الوطن الرحيل
كأن قصدي المستحيل".

* كاتب و صحفي من الاردن