صمت المدن

بتول محجوب*
مدينة صغيرة تغفو على ساعد ليل صحراوي مقمر. شاطئ صاخب بإيقاع موسيقى غربية وعربية. تختلف الإيقاعات باختلاف الأشخاص، ولا يبقى غير النشاز. رجال، نساء وأطفال على رمال شاطئ ممتد.

كلمات غزل من هنا وهناك. ضحكات نسائية تغريك بالانضمام لجلسات الشاي الدافئة، حيث الليل يجمع بين النساء والرجال وكؤوس الشاي الأخضر المعتق. مع لذة رشفات الشاي الأولى يرفع علي كأسه لشابة هناك قائلا: ”رانك تيّتي”**. تبتسم له ابتسامة ذات معنى غير بعيد عن جلسات الشاي الدافئة. شاب يعزف على قيثارة جريحة نغمات شعر حسّاني، وآخر يشدو بصوت شجي.
اقتربت منهم جلست دون استئذان، علني أستمع للشدو الحزين، في دفء ليلي صحراوي مقمر. شردت قليلا.. ترى ما دفعه للشدو؟ أهو الليل؟ أهو الحنين لمن رحل نحو المجهول، عبر فضاء الصحراء الغامض؟ أم لمن توارى وراء الأمواج بحثاً عن مستقبل أجمل وكان طعماً للحيتان؟ أيها الموج المجنون لِمَ لا ترحم شبابا يافعا، لِمَ لا تهدأ أمواجك حين يعبرون؟.
ينتشلني صوته الشجي من شرودي، يشدني أكثر. أشعر بدمعة دافئة، وأحمد الله على ظلام الليل. بدأت في الابتعاد، وصوت شدوه الحزين يحتلني. تذكرت ليل مدينة صامت، ليلاً حزيناً وشارعاً فارغاً بارداً، أصيخ السمع لوقع خطوات على الرصيف. أرفع بصري فلا أجد غير نوافذ مغلقة، ستائر مسدلة وأنوار مطفأة. ترى ما تخفي وراءها من أسرار؟ هل تنعم الآن بالدفء أم بالفراغ؟ ابتسمت ساخرة من تساؤلاتي. شعرت بوحدة مفزعة في هذا الشارع البارد. التمست الدفء من معطفي الأسود.. رفعت البصر مرة أخرى نحو النوافذ المغلقة بحثاً عن أمل رغم الظلام. تعج ذاكرتي بمدن الصمت، مع صمت مدينة حزينة النظرات، نائمة على نغمات حسّانية، تشدني إليها كلما حاولت الابتعاد.
أحن للعودة ولشدو، يشدني حنينه لمن ضاع بين صخب البحر، وصمت المدن الكئيبة. كلما وقع بصري على جنون الموج، أشعر بغصة وحرقة وأتذكر نظرات امرأة التقيتها يوما على مشارف المحيط. امرأة  تحفر في الصخر. تصرخ في البحر وتسأل الموج عن ابن حلم حلماً بسيطاً، حلم أن يعبر البحر بسلام. حلم أن يمنح أُمًّا أنهكتها السنون حياة أفضل.

حلم ببيت دافئ صغير. بدفء حب امرأة وعدته بالانتظار.

حلم باحتضان طفل جميل، يزرع الأمل في قلب جدة تعشق الأحفاد.

حلم.. وحلم، لكن الحلم ضاع، لم تترك حيتان البحر لأم مكلومة غير قميص ممزق تشمّه بين الحين والآخر وتحلم.

 

* قاصة من المغرب - 26 أبريل 2008

**رانك تيتي: عبارة باللهجة الحسانية تعني أنّك أعددت الشاي