شعرية الماء والحرب قراءة في المجموعة الشعرية "قاب كأسين من ريحه' للشاعر فتح الله بوعزة

محمد ريسي*
ما فتئت الأشياء الجميلة تنبت في الهامش الذي أينعت شجرته، فتمخض عنها غصن آخر مورق، ووارف؛ فها هو رجل مبدع معتق، فارس محارب أعزل إلا من مجازاته، وكلامه، وحروفه، وحبره. "ناولته الريح معطفا، وطرفة أرض، وأوتاد الخليل، قالت له: ثبت المكان من حولنا، أريد أن ألهو قليلا".2 جرؤ على أن يرسم شكلا للغواية، فاختار التفاحة أولا، ثم نهرا من لبن، ولكنه فكر في شكل آخر للغواية: بحار وحورية علقت بجائل الزبد والكلمات، وقاده الأمر إلى الانزلاق في طيات الندى، فانفتح له أفق آخر جديدٍ "فكرت في أن أرسم شكلا آخر للغواية/ ولدانا،مثلا، ينفضون الحكاية منا / ويفترشون بقايا الكلام."

وهكذا كان ديوان "قاب كاسين ريحه" الصادر في طبعته الأولى سنة 2010، عن مطبعة سيكما أطلس، ويمتد فضاِؤه الورقي على سبع وثمانين صفحة من القطع المتوسط، وزعت عبرها سبع وعشرون قصيدة كتبت بين 1990 و2010، وتخللته لوحات تشكيلية للفنان التشكيلي المغربي عبد العزيز عباسي.
فكيف يحصل الاقتراب من هذا الكون الشعري ومقاربته؟ كيف ننزع عنه معاطفه للقبض على مدارات القول فيه خصوصا وأن قراءة النصوص الشعرية قد تزج بنا في متاهات التأويل المغرض؟. وإذا كانت المداخل شتى لقراءة النص الشعري، فإن هذه القراءة المتواضعة للديوان تقترح مدخلين اثنين أفرزتهما سلطة النصوص الشعرية فيه، ناهيك عن استحضار الجانب التأثري الذي صاحب الجولان في الديوان؛ أولهما طبيعة اللغة  الشعرية فيه، وثانيهما الحوار النصي في الديوان. إذ الملفت للنظر، من خلال قراءة قصائد الديوان مرات عديدة، أن الشاعر أولى الجانب اللغوي اهتماما بالغا دونما إغفال الأبعاد الجمالية الأخرى مثل التصوير الشعري، والأيقاع بنوعيه الداخلي والخارجي. وغير خاف أن "اللغة في الشعر هي أول ظاهرة تحتاج للنظر.إن لها شخصية كاملة تتأثر وتِؤثر، وهي لغة فردية في مقابل اللغة العامة، وهذه الفردية هي السبب في أن ألفاظ الشعر أكثر حيوية من التحديدات المعجمية".

1 طبيعة اللغة والحقول الدلالية:
ستتوجه عنايتنا إلى اللغة في الديوان في بعدها المعجمي من الزاوية الدلالية. حيث"النظر إلى المعجم من الزاوية الدلالية، يصبح أمراً يستمد مشروعيته من المنهاجية التي تتحكم فيه ومن الغايات التي يتوخاها.و التقنية التي يتبناها هي النظر إلى المعجم، على أنه قائمة من الكلمات المنعزلة التي تتردد بنسب مختلفة أثناء نص معين، وكلما ترددت بعض الكلمات بنفسها أو بمرادفها أو بتركيب يؤدي معناها كونت حقلا أو حقولا دلالية. 
وهكذا تسعفنا الترددات المعجمية في النص الشعري في رصد تيماته ومحاوره الضامنة لانسجامه  والمتضافرة مع مكونات أخرى غير معجمية.

1/1 الحقل الدال على الماء:
ومن منظور إحصائي بحت، ينم المعجم الشعري في "قاب كاسين من ريحه"عن حقلين دلاليين، متجاورين، يهيمنان فيه، وهما الحقل الدال على الماء، وما يرتبط به، والحقل الدال على الحرب وما يؤول إليها.
وفي ما يلي أمثلة نصية دالة على الحقل الدلالي الأول: 
دائما يتوسدني/ دائما أبلو خطوه/ وأسدد رغوته الأولى رغوته/ البلل/ نخلة ص:4
موجه/ حين تنكسر الشطآن على  حبره.. ص:7
القطوف الأولى في غيمة/ يضع الغيمة في عباءته/ على قمر معشب..
ينثر من كمه أطياف الصبايا وماء القطوف/تريق الدم و البهاء.. وتسلم خطوي للغيم يبلل أطرافه.. ص:11
مرجا أخضر واسعا/ به كلأ رطب.. هناك قرب الغدير.. ص:15
آخذ جرعتين ونزلة دمع وسحابا خفيفا/ أقطف غيمة زرقاء و رابية.. لن ألمس الصهيل ثانية حين تطرحين الغيم والأولاد/ شخص ما . كان يشرح للموج معنى العرق.
وهكذا تتردد في الديوان ألفاظ تحيل على عنصر الماء (رغوته/ البلل/ نخلة/ شجر/ الشطآن/  تبلل/ المطر+النهر/الضفتان/الندى/ البحار/الحورية/الماء/العصوف/ الزبد/ الماء/ النهر/ الندى/الرذاذ.../ الرذاذ/حافة/النهر/نهر جار/ مطر/ الغيمة الزرقاء/ماء النهر القديم/ طمي النهر القديم /بلل/ يبللني/ الحدائق/ الحديقة/ الكرمة/ الأرض./ الغيم/ أبلل/ الشباك/ من بلل/ جوف البحر/ يسيل/ يزهر/ البكاء/ البحر/ الغيم/ الزوارق/ يغسل/ الماء/ ينبع الماء من كل الجهات..))

فما رمزية عنصر الماء في ديوان"قاب كأسين من ريحه؟ 
إن موضوعة الماء رمزية شعرية مألوفة في الشعر العربي قديمه وحديثه، وقد تبن أن الماء نواة دلالية مهيمنة في الديوان، فتكررت الكلمة ذاتها، أو بمرادفها،"المطرـ طيات الندى الضفتان ـ الشطآن ـ النهر ـا لبحر ـالغدير ـ الموجة.. "أو بما يدل عليها" الرغوة ـ الغيمة ـ البلل ـ الحدائق ـالقطوف ـ المرج ـ الدمعة ـ ماء الورد ـ الكرمة ـ الأخضر"

½ الحقل الدلالي الدال على الحرب:
وانطلاقا من السياقات النصية، يبدو أن رمزية الماء لا تكتمل دلالاتها و إيحاءاتها "الحركة /الحياة /التحول/ العبور/ الانبعاث / الولادة" إلا بتجاور مع الحقل الدال على تيمة الحرب؛ وذّلك على نحو ما يجليه الديوان: (ورسمت أراجيح مائلة/ ومدائن تعبرها العاديات ضحى/ ورماة يتنبهون إلى مطر آخر.. بين الحائطين مساء للشوق/ ينثر أحبابه و أراجيح/ من سقطوا في الطريق إلي.. وجيادا نافرة، وطرائد سائبة، و خياما، وأعلاما، وطبولا.. إن البدو إذا ركبوا/ وتدلت قبائلهم من ثقوب بنادقهم/ وتدلت عمائمهم من شقوق فصاحتهم وخناجرهم/ زلت قدم الريح في الوحل. بدد ما في الدم من وطن وبقايا أسلحة وصهيل.. طوبى لمن يصهل أولا.. هكذا تبدأ الحرب الأولى عادةْ. تسقط ألواح/ وأقنعة شتى/ وبقايا ألوية و سبايا ... يسقط غيم من غيم /على غيم آخر في سرير الحروف/ويبكي حران الخيل / وشوق السبابا إلى النزال.. ليس لي أحد، والمطايا، تخذلني يا رفيق /تكبو في مفتتح السرد مشرعة خيمة الأمس للفاتحين،وخيل الزمان تدوس القصيد ونار القبيلة.. إلى آخر غيمة في حذاء الجنود.. ولا يستعيد هواءك من فارس/ ويقامر في الأسواق بهيبته والصهيل/ فارس يلقي ظله جانبا ويشرع سرته للخيول/  للحرائق سهو الخيول تباغتها الدعوات، ولي شهوة الريح، ينتابني زهو الفاتحين ببارقة الوصل في خطو السبايا وصوت النفير/ فارس يلقي ظله جانبا ويشرع سرته للخيول..
فلا يخفى ـ من خلال ماسلف ــ أن المعجم المكرور مشتق من مدونة لغوية حربية (العاديات  الرماة ص: 6/ الجنود ـ الغبار ـ
الخيام ـ الأعلام ـ الطبول ص:13/14 السبايا ـ العسس  البنادق  ص:15/17 الأسلحة ـ الصهيل  ـ دليل الحروب ـ لغو الخيول ص: الصهيل ـ الحرب الأولى ـ القوس ـ الأسلاب ـ الرماة ـ صهيلك ص:23ـ /25 أسلاب ـ سبايا ـ الألوية ص:29 الخيل ـ السبايا ـ النزال الصهيل  ص:35/36 المحارب ـ الخيل ـ دورية الحراس ـ المطايا ـ الفاتحون  ص:41/42 عطف الخيول ـالأسلاب ـ الحروب ص: 45ــــ46ـــــ47 فارس  ـ  الخيول   ـ  قاتل   ـ  شهيد  57ــــ 58 السبايا ـ الصخب ـ سهو الخيول ـ الفاتحون ـ   السبايا  ص:74ـــ 75 ــ77.

فما الصلة المحتملة بين الحقلين الدلاليين المذكورين"الماء و الحرب"؟ أهي علاقة تنافر كما يبدو في الظاهر ؟ أم هي مؤشر على التكامل الدلالي؟
يبدو لي أن بين الماء والحرب في الديوان تجاورا، إذ كلما ورد الأول، صاحبه الثاني في الغالب الأعم، مما يضفي على تيمة الحرب طابعا مجازيا يركبه الشاعر وهو يتوق إلى ابتداع انزياحات تؤطرها الرؤيا الشعرية. إن توقه إلى الماء، واجتراحه الحرب، مكناه معا من خلق معادل موضوعي يجسر الصلة من خلاله بين ذاته، ومراياها، وبين العلاقات المتشابكة المحايثة لذلك كله
"ها قد اكتمل السرد / لاليل يؤوينا/ لامطر طارئ / يتخثر مثل دم مهجور/ على حاشية اللسان / و لاأبد مقلق ,نحرس نسله في البراري الكظيمة / لانخل ينمو خلفك بغتة , وحدك في الخلاء الغامر ,تحرس ما حفر البرق في الحلق  من صهد". ص؛81 ـ82/هكذا يرقصون.

 2 ـ الحوار النصي في الديوان:
يتفق الدارسون على أن التناص" شيء لا مناص منه، لأنه لا فكاك للإنسان من شروطه الزمانية و المكانية و محتوياتهما, ومن تاريخه الشخصي أي من ذاكرته. فأساس إنتاج أي نص هو معرفة صاحبه للعالم، وهذه المعرفة هي ركيزة تأويل النص من قبل المتلقي أيضا"   4
ويحدث التناص بطرائق تختلف من مبدع إلى آخر,فكما أن الشاعر في "قاب كاسين من ريحه" احتفى احتفاء باللغة، فحرص على انتقائها، وتخير كلماتها، بالحفر في المعجم العربي الرصين، فإنه التفت التفاتا ـ في إطار التناص ـ إلى محاورة نصوص غائبة، ومن تمظهرات ذلك ما يلي:
2/1التناص الداخلي:
وفيه ووظف تقنية الجناس  بالقلب أو بالتصحيف. ومن أمثلة ذلك:

ـ مرمى حجر / مرمى حجل.
ـ قاب قوسين / قاب كأسين.
ـ رمحك / لوحك.
ـ الرواة / الرماة.

2/2التناص الخارجي:
الذي يرد في الديوان بشكل مضمر تحيل عليه كلمة واحدة؛كما في قوله"  حتما لن تهدأ المرأة التي بانت في القصيدة/  لن أدعو  الجفلى إلى سهوي  ونشيدي"ص؛ 69.

وأما الحوار النصي الصريح، فيرد في قوله من قصيدة "مقام السقوط" ص : 51 
((غادروا الغرفة البيضاء/يسندون حلاجهم /الحلاج الذي رافق محمود درويش من مطار أثينا" إذ امتص الشاعر الطابع الحواري في قصيدة درويش "مطار أثينا" ووظفه في تجربته. يضاف إلى هذا، أن المبدع انفتح على النص القرآني الكريم، ووضع قصة يوسف عليه السلام الواردة فيه، في سياق شعري مغاير:(الطفل الذي دلق الإخوة بئره
عل خصلته، تطرح سهوا آخر
عل نخلته تطرح دمعا يجفف كحل العين
إذا ما الشيخ أفاق ولم يرتد بئره
أو يلاق فتاه الذي لن يعود إلى شهده مرة أخرى
أبدا لن يعود إخوة هاموا خلف غيمته
يكنسون خطاه وما سيكون
والحاصل أن الشاعر "فتح الله" غاص في جوهر اللغة الشعرية، ونذر إبداعه لها في سبيل رسم فرادته، و نحت تميز صوته الشعري ضمن المشهد الشعري المغربي المعاصر.

هوامـش
ـ هذه القراءة هي نص الكلمة الملقاة في حفل توقيع الديوان المنظم من قبل "منتدى جذور"بتنسيق مع مؤسسة الأعمال الإجتماعية لموظفي التعليم، وذلك يوم: 23/8/ 2010
1ـ عز الدين إسماعيل، الأسس الجمالية في النقد العربي،
عرض وتفسير ومقارنة، ط.1992 دار الفكر العربي، القاهرة، ص؛249

2ـ د. محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري، استراتيجيات التناص، المركز الثقافي العربي. البيضاء ط2،1984،ص؛58

3- فتح الله بوعزة.قاب كأسين من ريحه،سيكما أطلس المغرب (مدينة خنيفرة) الطبعة الأولى 2010.

* ناقد من المغرب .