شارع أرباط: مرّ عليه بوشكين وتولستوي وتشيخوف وتشايكوفسكي ومايكوفسكي

ترجمة وإعداد: ياسر قبيلات*

شارع أرباط هو أحد أبرز معالم موسكو القديمة، ومنذ سنوات قليلة تم الاحتفال بالذكرى السنوية الـ500 لنشوئه. ورد أول ذكر لاسمه في سجلات المدينة لعام 1493. في تلك السنة اشتعلت المدينة بأسرها بنيران هوجاء، ابتدأت من لهب شمعة في كنيسة "القديس نيكولاي نابيسكاخ"، الواقعة على طرف شارع أرباط نفسه. وهي الكارثة التي تستعيدها الذاكرة الشعبية حتى اليوم، بالمثل الدارج مذاك: شمعة بفلس سوّت موسكو بالأرض.

ليس هناك رواية قاطعة حول مصدر الاسم أرباط. ربما جاء من "غَربات" الجذر السلافي "محدب" ويعني في ذلك الوقت، الأرض كثيرة التلال. والكلمة كذلك متصلة على نحو واضح بجذر ومعنى مفردة "أرباض" العربية التي تعني ضاحية؛ وما يزيد من رجوح هذه الرواية أن موسكو المدينة كانت في القرن الخامس عشر، تقع داخل حدود الكرملين فقط.

في تلك الأيام، كان أرباط المكان الذي تحط فيه القوافل الوافدة من الشرق رحالها، لا سيما إن "أرباض" الكلمة العربية سهلة على الأذن الروسية، وقابلة للاستيعاب؛ وقد يكون حدث ذلك؛ إلا إن هناك رواية أخرى ليست أقل شيوعاً، تعيد أصل الكلمة إلى "رباط"، بالإشارة إلى إن المكان كان مربط خيول التجار القادمين من الشرق.

المعرفة والذكريات

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أصبح أرباط الحي الأرستقراطي الأهم في المدينة، وكثيراً ما كان يوصف بـ "سانت جيرمان موسكو" في إشارة إلى الحي الباريسي الشهير؛ وسرعان ما استقرت فيه نخب موسكو المثقفة.

يقول المثل الروسي المعروف:  "إن أردت المال، اذهب إلى "زاموسكفوريتشي"، وإن أردت مستقبلاً مهنياً، اذهب إلى سانت بطرسبيرج، لكن إن أردت المعرفة والذكريات، فاذهب إلى أرباط".

وفي العام 1986 تمت إعادة رصف شارع أرباط بالحجارة، ليصبح أول شارع للمشاة في موسكو.

يبدأ شارع أرباط بالمبنى رقم 2، الذي يحتله "مطعم براغ" القديم، ويعود الفضل في وجوده إلى عيني التاجر تاراريكين اللماحتين، وإلى ذراعه القوية الذي أفتِتح "براغ"، في عام 1870، في الطابق الأرضي، كمطعم شعبي.

كان زبائنه هم، بشكل رئيس، الحوذيون العاملون في المنطقة الذين لم يكن من المفاجئ أن يطلقوا عليه اسم "براغ" ما يعني البيرة المنزلية (ويلاحظ أن ذلك هو اسم العاصمة التشيكية).

حاز التاجر تاراريكين، في العام 1896، على كامل المبنى كرهان على لعبة بلياردو كسبها باستخدام يده اليسرى. حينئذ قرر اللاعب الشغوف تحويل "براغ" إلى مطعم من الدرجة الأولى، مستفيداً من موقعه الممتاز على أرباط، وموقناً أنه يستطيع أن يجني من ذلك مكاسب كبيرة. فلم يدخر وسعاً في الإنفاق على تجديد المكان وتجهيزه، واستخدم كلاً من كيكوشوف وإريكسون، أفضل مخططي العمارة في موسكو، آنذاك، بأسلوبهما الجديد.

تم تزبين المطعم من الداخل، على أحدث طراز سائد في ذلك الوقت، وزخرفت جدرانه الداخلية بالجبس المذهب، والبرونز البراق، ومجموعة كبيرة من المرايا، وتم تقسيمه من الداخل إلى صالات صغيرة منفصلة، مريحة وجميلة، وكبائن صغيرة وضعت فيها الموائد، وعلى السطح تم تجهيز حديقة صيفية، حيث يمكن للزبائن أن يتناولوا عشاءهم في الهواء الطلق إلى جانب الاستمتاع بمشهد موسكو.

تشيخوف والآخرون

تميز مطعم "براغ" بأطباقه التي كان يعدها أشهر الطهاة في موسكو، ومنهم أوليفييه الفرنسي، الذي سبق وعمل في مطابخ قصر الشتاء، بينما ازدانت الأطباق بعبارة كتبت باللون الذهبي ترحب بضيوف تاراريكين، كما لم ينس هذا الأخير، فضل لعبة البلياردو عليه في حيازة المطعم، فكان لديه في "براغ" أفضل طاولات بلياردو في موسكو كلها.

ووفقا لطقوس المطاعم الراقية  في تلك الفترة، لم يكن تاراريكين يدفع مرتبات أو أية أجور للندل والجراسين، وكان دخلهم الوحيد من الأعطيات التي دأب الزبائن على تركها لهم، وكان يتم جمع الأعطيات كل يوم، فيتقاسمها الندل بالتساوي وإذا ما تم ضبط أحد ما، منهم، يحاول إخفاء أعطية كان يُطْرد من دون تردد.

بسرعة فائقة اكتسب المطعم سمعته الواسعة كأحد أفضل المطاعم في موسكو، فأصبحت الولائم الرسمية تقام فيه.

في العام 1901 بعد العرض الأول لـ"الأخوات الثلاث" لتشيخوف، حضر الممثلون حفل عشاء في "براغ" على شرف تشيخوف. وفي 1913، احتفل إيليا ريبين وضيوفه بإتمامه العمل على ترميم لوحة "إيفان الرهيب وابنه إيفان"، التي أتلفها رسام الأيقونات المؤمن المحافظ أبرام بالاشوف أثناء عرضها في "متحف تريتياكوف" حيث قام تمزيقها.

تم تحويل المطعم بعد الثورة لملكية الدولة، وبدلاً من المطعم ظهرت كافتيريا شعبية تقدم وجبات بأسعار منخفضة، واستمر الحال كذلك حتى الثلاثينيات من القرن الفائت، حيث تم تحويل المكان إلى "كانتين" خاص، يرتاده الحراس الشخصيون لستالين، الذين كانوا يشرفون على المنطقة المحيطة بأرباط، إذ كان موكب ستالين يمر عادة، بشارع أرباط، إذ يعد أقصر طريق إلى بيت ستالين الريفي، حيث يقيم في كونتسوفا، وفي العام 1954 وبعد عملية ترميم شاملة، أعيد افتتاح مطعم براغ في المكان نفسه.

الكونت الأميركي

يمكن التحول من أرباط إلى زقاق سيريبرياني الهادئ ( سيريبرياني تعني: الفضي) الذي يقود إلى شارع أرباط الجديد. في زمن قديم، كان يعيش في هذا الزقاق حرفيو بيت صك الفضة (النقود).

على الجانب الأيسر لأرباط، يمكن التحول إلى زقاق كالوشين الذي يحمل اسم أحد أبرز السكان السابقين.

في 1840 قطنت في البيت رقم 4، أ. مالينوفسكايا قريبة ومربية يكاتيرينا داشكوفا، التي قامت بدور أم العروسة في عرس الكسندر بوشكين، وبين الـ1912 و1919عاش في هذا البيت عالم الجيولوجيا والجغرافيا، الأكاديمي أوبرتشيف، المصمم الرئيسي لخط السكك الحديدية عبر سيبريا وسكك حديد ما وراء البايكال، وتم تخليد اسم أوبرتشيف بإطلاقه على إحدى قمم البامير، لكن شهرته تعود بالدرجة الأولى إلى روايات الخيال العلمي الشهيرة التي أبدعها، ومنها روايتاه: "ببلتونيا" و"أرض سانيكوف".

وفي زقاق كالوشين في زاوية سيفتسوف – فراجيك، حيث ينتصب الآن مبنى إداري مهيب يعلوه برج، ويحمل الرقم (26/28) كان في القرن الماضي، وفي هذا الموقع نفسه، يقوم بيت الكونت فيودور تولستوي، الملقب بالأميركي.

في شبابه خدم تولستوي في فرقة بريأبراجينسكي الشهيرة، لكن القمار ولعب الورق، والمبارزات العديدة والسلوك الطائش أجبره في النهاية على الاستقالة والتقاعد مبكراً.

الشائعات والقصص العديدة حول طبعه الأهوج ومزاجه الناري ملأت موسكو، وكانت واحدة من أعماله الطائشة هذه، هي السبب في تلقيبه بالأميركي، ففي آب 1803 تطوع للانضمام إلى طاقم "ناديجدا" السفينة التي تولت مهمة الطواف الروسي الأول حول الكرة الأرضية، لكن طبع تولستوي الناري، لم يكن محتملاً على متن السفينة، وعلى خلفية واحدة من مزحاته الثقيلة، تم طرده من على متن السفينة، وألقي به إلى إحدى الجزر النائية المجهولة بالقرب من أميركا الشمالية. 

تولستوي الطائش

قضى الكونت هناك ستة أشهر تقريبا، يعيش مع السكان البدائيين وتبنى أسلوب حياتهم، وغطى جسمه بالوشم، الأمر الذي أسعد سكان الجزيرة إلى حد أنهم اقترحوا على الكونت تولستوي أن يصبح رئيس قبيلتهم، لكن تولستوي رفض هذا الشرف، وتمكن في النهاية من الوصول إلى اليابسة حيث كان بوسعه أن يعود إلى سانت بطرسبيرج.

 

مغامرات تولستوي هذه، أعادته إلى اهتمام مروجي الشائعات في صالونات سانت بطرسبيرج الأرستقراطية من جديد. واستوحيت، من شخصية الكونت تولستوي، ومغامرته هذه، في إحدى "كوميديات" جريبوييدوف، هذا القول: 
"اللص والمبارز الليلي.. عاد انساناً بدائياً".

 

بعد عودته إلى روسيا، اتقد تولستوي بالحماس الوطني، وقاده ذلك إلى التطوع في الحرب ضد نابليون كجندي غير نظامي. فاشترك في معركة بورودينو الشهيرة، التي هزم فيها نابليون، وأصيب فيها بجرح بليغ كاد يودي بحياته, إلا إنه تعافى لينال نوط القديس جورج للشجاعة العسكرية، لكن ذلك لم يردعه، ولم يعدل من سلوكه المتهور، فسرعان ما انتشرت في الصالونات الأرستقراطية "فضيحته" التالية، حينما راح ينشر الشائعات المشينة حول بوشكين، عشية نفي الأخير إلى ميخايلوفسكوي؛ حيث أمضى الشاعر العاجز عن الرد على الإهانة، سنوات نفيه الست يتدرب يومياً على إطلاق النار استعداداً للمبارزة، وحال عودته إلى موسكو أرسل بوشكين على الفور إلى الكونت تولستوي يدعوه للمبارزة، لكن المبارزة لم تتم إذ تمت تسوية الأمر بينهما، بوساطة بعض الأصدقاء.

في 1829 قابل بوشكين ناتاليا جونتشاروفا في إحدى الحفلات الراقصة، وصودف أن كان الكونت تولستوي صديقاً لآل جونتشاروف فقدم الشاعر إليهم, وسرعان ما أصبح هذا الأخير زائراً منتظماً لهم.

ظلّ بوشكين لآخر حياته يعتبر الكونت تولستوي صهره, وبقيا على وفاق تجمعهما صداقة دافئة، كما استوحى بوشكين شخصية زاريتسكي في روايته الشعرية "يفجيني أونيجين" من وحي شخصية الكونت؛ كما ظهر الكونت تولستوي أيضًا في صفحات رواية "الحرب والسلام" بشخصية "دولوخوف", فقد كان العمّ الثاني لليف تولستوي، الكاتب الشهير.

سكريابين وتانييف

يمتد زقاق كريفارباطسكي بموازة زقاق كالوشين, وعلى جانبه الأيمن يقع جدار فيكتور تسوي، الذي تم اعتماده حديثاً على أرباط في العام 1990، كنصب تذكاري لنجم الروك الروسي المشهور "تسوي"، الذي قضى في حادث سير في العام ذاته. يحمل الجدار توقيعات وتعليقات وكتابات كثيرة تحيي ذكرى "تسوي"، خطها معجبوه العديدون.

أما الموسيقار الروسي الشهير الكسندر سكريابين الملحن، فقد عاش في البيت رقم 11، بين ال1912 و 1915، وفيه كتب "القصيدة الالهية" و"بروميثيوس". وسكريابي، كما هو معروف توفي شاباً في الثالثة والأربعين، مصاباً بتسمم في الدم. وأقيم له جناز في كنيسة "نيكولسكي نابيسكاخ" المجاورة.

أغنية لبوشكين

مكان البيت الرمادي رقم 5، القائم اليوم، أقيم في القرن التاسع عشر قصر قطنه، في بداية العام 1831، بافل ناتشوكين، وكان أحد أقرب الأصدقاء لبوشكين، وقبل زواجه عانى بوشكين من ضائقة مالية شديدة، وكان غير قادر على تفصيل حلّة جديدة، لذا استعار واحدة من ناتشوكين، وقِيلَ أن بوشكين دُفِنَ فيها لدى موته.

كانت عرافة في بطرسبيرغ قد أخبرت الكسندر سيرجيفيتش بوشكين في شبابه، متنبئةً أنه سيموت، إما بسبب جواد أبيض، أو يقتله رجل أشقر الشعر بسبب زوجته. وقبيل حفل زواجه أصيب بوشكين بالهلع، وأنتابه قلق مفاجئ. وقبل يومين من حفل الزواج، ذهب الشاعر لرؤية صديقه ناتشوكين، الذي كان يستضيف مطربة غجرية مشهورة، إسمها تاتيانا ديميانوفا. كان بوشكين مكتئباً، شارد الذهن. فمال على تاتيانا وقال لها:

- غنِّ لي، تانيا، غنِّ لي شيئاً لأجل الفأل الحسن؛ ربما سمعت، سأتزوج..

حينها، راحت تاتيانا تغني بأسى، الأغنية التي قال الناس أنها كانت فألاً سيئاً:

 

أوو، يا أميمة.. ما بال المدى بات قائماً؟ 
وذاك الجواد كبا،

 

 

.. جواد من ذاك، جواد من يكون ذاك؟
أووه، ذاك جواد الكسندر سيرجيفيتش

 

إنفجر (الكسندر سيرجيفيتش) بوشكين، فجأة بالبكاء، وهو يستمع للأغنية. فاندفع ناتشوكين نحوه، ملهوفاً:

- ما المسألة؟.. ما الذي جرى؟.

رد بوشكين:

- الأغنية..، الأغنية، إنها تنذرني بكارثة محيقة.

وما أن أتم كلماته، حتى خرج مسرعاً لا يلوي على شيء.

وبالعودة إلى شارع أرباط، والتحديد إلى البيت رقم 43 ولد ونشأ وعاش فيه الشاعر الشهير، بولاط أوكودجافا، الذي يعتبر بغير مبالغة شاعر ومغني أرباط الأول.

أما المبنى رقم 53، الذي بُنِيَ في منتصف القرن الثامن عشر، فقد استأجر فيه بوشكين، في شباط 1831، شقةً في الطابق الأول مع زوجته الشابة تاتيانا غونتشاروفا، وكانت هذه الشقة الوحيدة التي حُفِظت من أمكنة الشاعر في موسكو.

مايكوفسكي ومييرخولد

في اليوم التالي، انتقل الزوجان الشابان إلى شقتهما مباشرة من حفل الزواج، حيث استقبلهما هناك ناتشوكين والأمير فيازيمسكي، وابنه ذي العشر سنوات، بأيقونة، وفقاً للعادة الروسية. وأمضى بوشكين الثلاثة أشه الأولى من زواجه في غاية السعادة ، وكانت أسعد فترات حياته. لم يكتب ولو مقطعاً واحداً، وحتى نهاية تلك السنة كتب خمسة قصائد فقط، لكن مع الربيع تغيرت حياة الشاعر إذ حاصرته الضائقات المالية. وبسبب إنفاقه غير المسؤول وجد بوشكين نفسه مضطراً لرهن حتى حلي زوجته. ناهيك عن أن مجتمع الصفوة في موسكو، انخرط بكليته في ترويج الشائعات السيئة حول بوشكين. كل هذا، دفع به لترك المدينة مضطراً، والعودة إلى سانت بطرسبيرج في أيار من العام 1831.

انتقلت ملكية البيت لعدد من الملاّك، وفي الأعوام 1884-1885 عاد البيت ليدخل تاريخ الثقافة الروسية، حيث عاش فيه أندريه ايليتش تشايكوفسكي، شقيق الموسيقار الروسي بيوتر ايليتش تشايكوفسكي، الذي استقبل العام الجديد، الأول من كانون الثاني 1885، في البيت نفسه بضيافة شقيقه.

وفي الأعوام 1920-1921 كان البيت في تصرف فرقة مسرح الجيش الأحمر، الذي انتهج الأسلوب الطليعي. وكان كل من: مايكوفسكي ومييرخولد، المخرج المسرحي الشهير وصاحب المذهب المسرحي الذي يحمل اسمه، أعضاء في مجلسه الفني.

وفي مكان غير بعيد عن أرباط، في زقاق  سيفتسوف-فراجيك، في البيت رقم 16 (الذي لم يعد موجوداً) عاشت ماريا الكسندروفنا جارتنج، الابنة الكبرى لبوشكين، صاحبة الشخصية الرائعة، التي استلهم تولستوي منها  شخصيته الروائية الشهيرة "آنا كارينينا".

بيت سيئ السمعة

زقاق "دينيجني" – تعني المالي - يستهل شارع أرباط ويأخذ اسمه من إقامة حرفيي صك النقود فيه، في القرن السابع عشر. أما المَعْلم الأكثر جاذبية في هذا الزقاق فهو القصر الرائع في الأسلوب العصري، ويحمل الرقم5 وكانت تمت إعادة بنائه في 1897 من قبل المهندس المعماري بايتسوف لحساب الصناعي الغني، العامل في مجال النسيج، بيريغ. وقبل ذلك الحين، كان يعيش فيه الكاتب ومدير مسارح موسكو زاجوسكين الذي جمع مكتبة رائعة أذهلت حتى غوغول نفسه.

تم استخدام البيت بعد الثورة البلشفية كمقر للسفارة الألمانية. وفي صباح 6 حزيران من العام 1918، أطلق عضو الحزب الثوري الاشتراكي بليومكين النار في هذا المبنى على الكونت ميرباخ، السفير الألماني، للتعبير عن احتجاج حزبه على إبرام معاهدة برست-ليتوفسك، ومثلت عملية الاغتيال هذه بداية التمرد الذي قام به الحزب الثوري الاشتراكي. وكان قد تردد على المبنى كل من: لينين، ديرجينسكي وسفيردلوف للوصول إلى تسوية مع ألمانيا.

في الجهة اليمنى من أرباط يقع زقاق سباسوبيسكوفسكي، الذي أخذ اسمه من كنيسة سباسا نابيسكاخ، وقد بنيت من الحجر الأبيض في القرن السابع عشر، وفي عمق الزقاق، وتحت رقم 10 يقع قصر فخم مصمم وفق أسلوب النيو-إمباير. وقد تم بناؤه في العام 1914، وكان قد صممه ونفذه المهندسان المعماريان أداموفيتش وميات لحساب المصرفي المليونير فتاروف، الذي أدى موته الغامض في غرفة مكتبه في القصر نفسه، في رواج العديد من الشائعات المختلفة: قيل أنه رجال الحرس الأحمر قتلوه، وقيل أن ابنه قتله مستعجلاً وراثة أمواله وأملاكه. وأياً كان الأمر، فقد اكتسب القصر سمعة سيئة، وظهر بهذه السمعة في صفحات رواية بولغاكوف "المعلم ومارجاريتا"، فهو ذلك البيت سيئ السمعة الذي يقيم فيه فولند حفله الراقص.

في بداية القرن التاسع عشر عاشت الكونتيسة ن. زوبوفا ابنة الكسندر سفوروف القائد العسكري المشهور، في البيت رقم 42 الواقع في الجانب الأيمن من أرباط. وفي النصف الثاني من القرن نفسه، عاشت فيه يليزافيتا كيسيليوفا، التي توله في حبها بوشكين، لفترة من الوقت، ووقع في ألبومها الخاص، الذي كانت تجمع فيه تواقيع من يقع في غرامها من المشاهير.

 

*كاتب من الأردن مقيم في سلطنة عمان

 

عن كتاب "موسكو الكبرى"، صادر في موسكو عام 2000، لمجموعة من المؤلفين.