سينما التركي نوري سيلان .. ترانيم شاعرية زاخرة بجماليات المكان

ناجح حسن*

يكشف الفيلمان :" سحب شهر أيار " و" مسافة " للمخرج التركي نوري بيج سيلان، عن نموذجين ابداعيين محملين برؤى جمالية وفكرية تجاه وظيفة السينما، كما يؤشران لموهبة لامعة لمخرجهما سيلان ويعرضان لبراعته السمعية البصرية التي تفرض اليوم تفرض بصمتها الخاصة على السينما التركية الجديدة.

نقل الفيلمان صانعهما الى فضاءات السينما العالمية على قدم المساواة مع قامات بديعة لسينمائيين كبار امثال الإيطالي مايكل أنجلو انطونيوني، الروسي أندريه تاركوفسكي، اليوناني ثيو انجلوبولوس إضافة إلى الإيراني عباس كيروستامي والروسي سوخوروف .

جالت أفلام سيلان الذي قدم أول أفلامه تحت عنوان " البلدة الصغيرة " العام 1997 باللونين الأبيض والأسود ،الذي لفت أنظار النقاد إليه لما اختزنته أحداث الفيلم من جماليات بصرية، وتوظيف دقيق لحركة الكاميرا في تشكيلات وتكوينات تكشف عن ميلاد مخرج سيكون له شان في أفلامه اللاحقة التي أخذت المهرجانات تتنافس على عرضها: " سحب شهر أيار " 1999 وانتهاء بفيلمه الجديد  الذي عرض ضمن أفلام المسابقة الرسمية في  مهرجان "كان " السينمائي الدولي الأخير، وقطفت جميعها حفنة من الجوائز الرفيعة ، من بينها جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان "كان " العام  2003 عن فيلمه " مسافة " الذي عرض ضمن فعاليات أسبوع الفيلم التركي .

واظب  سيلان على تقديم معالجة سينمائية تبدو ذات معالم  ثابتة وخيوط رئيسة ، ينفذ من خلالها إلى النبش في حالات التحول الاجتماعي والفردي، المشرع على حراك بيئة مستمدة من سيرة ذاتية وإيقاع الحياة اليومية في قرية تارة أو مدينة كبيرة تارة أخرى ، وغالبا ما تتضمن حكايات عن ذلك الرجل صاحب الكاميرا السينمائية التي تكشف عن اهتمامات وعالم صاحبها المخرج سيلان، الذي يضطلع في أكثر من مهمة داخل الفيلم الواحد، لتخرج من دائرة الإخراج إلى التصوير والمونتير. كل هذا يجري بإحساس عميق وجاذبية تقتنصها عين العدسة من مشاهد في باحة البيت والزقاق والشارع وشاطيء البحر والضباب وتلبد الغيوم وهطول الثلوج وتعرجات الحافلة في الطريق، وسوى ذلك من مفردات الواقع والمناخ.

يشتبك سيلان مع تناقضات عديدة تتحكم في مجتمعه، تثيره معاناة مخرج/مصور في بيته الكائن في استنبول وهو الذي غادر بلدته الريفي،ة وعندما يحضر قريبه من القرية باحثاً عن عمل في المدينة الكبيرة، يفجر المخرج هذه التناقضات ويكشف عن نزعات خفية وأهواء غريبة، لكنها مثل بوح ذاتي يرنو إلى الانفلات من الكبت والتقاليد الدارجة، إلى حرية الاختيار والتعبير عن رؤية مغايرة للسائد.

في أسلوبية يسرد فيها المخرج قصصه ومواضيعه بإيقاع هاديء رصين تتبدى فيه بخصوصية المكان، حيث تبدو مآذن المدينة في لحظات من التدرج الزمني في اليوم الواحد، والتي تتفاوت بين لحظة الشروق والغروب، فينجح سيلان في تظهير صور تتضمن صمتا بليغا، غايته الكشف عن أسرار شخصيات أسيرة العزلة والوحدة، وضحية التناقض بين عالمي المدينة والقرية وما فيهما من خواء وطموح ومفاجآت اللحظة الأخيرة.  

اقل ما توصف به أفلام التركي نوري بيج سيلان بأنها سينما راقية غير سهلة، رغم ما تبدو عليه للناظر من الوهلة الأولى، لكن لدى التعمق في مفرداتها يتبين حجم الاعتناء والدقة في اختيار مواضيعها، والقدرة على السيطرة على التفاصيل الصغيرة، ضمن أبعاد زمنية وأجواء مكانية تتطلب خبرة ودراية متمرستين، وفوق هذا الإدارة المحكمة التي يبذلها المخرج لفريق فيلمه من الممثلين، رغم إن اغلبهم ليسوا من المحترفين، الأمر الذي يجعل منها أفلاماً تنفذ بسلاسة إلى الوجدان والقلب على غرار ترنيمة موسيقية أو قصيدة شعرية .

غالبا ما تبدو سينما سيلان في بيئتها التركية المزدحمة بتضاريس الطبيعة وتلون المناخ، كأنها مرثية للسينما ذاتها أو لتلك الشريحة الاجتماعية من أبناء وطنه،  لكن الحضور الانساني لهذه الشريحة يتألق بالاستخدام البارع للغة السينمائية، في مسعى دؤوب للتوكيد على ملامحهم المغمسة بألوان من البؤس والعذاب، ولا يلبثون رغم ذلك أن ينهضوا في محاولة أخرى، في سياق من التأمل الفلسفي وكأنهم يحملون ارث الآخرين.

تحمل أفلام سيلان مجتمعة، مستويات من الاختلاف والتميز عن سينما ينجزها مخرجون قادمون من بيئة مماثلة لمجتمعه، وهو قطعاً يقف على مبعدة من تيار سينمائي طاغٍ على خريطة بلده، نظرا لاشتغاله على تيار سينمائي آخذ في إثبات خصوصيته الإبداعية التي تعكس فهماً ناضجاً لوظيفة الفن السابع، وتستلهم لقياتها من إبداعات مكرسة تكاد تتطابق في أسلوبية النهل من المفردات التي يزدحم بها الواقع، لكنها تتباين هنا وهناك في هواجس وآلام البسطاء والأبرياء في محنتهم، وتوقهم إلى بلوغ درجة من الأمل.

* ناقد سينمائي من الأردن