سينما أخرى في أفلام المخرج الأميركي روبرت التمان

ناجح حسن*

لطالما أثار المخرج الأميركي روبرت التمان والراحل  الإعجاب والجدل عقب كل فيلم من أشرطته العديدة، التي تجاوزت السبعة والثلاثين عملاً .

 حقق التمان أغلبية افلامه عبر الإنتاج السينمائي المستقل، في حياد عن قواعد وأحكام السينما الأميركية السائدة، وهو ما قاده الى أن يتبوأ مكانة مرموقة في السينما العالمية،واعتبر كواحد من ألمع المخرجين الأميركيين المتميزين، وصاحب  طاقات فكرية ومهارات درامية جمالية لافتة.

عانى التمان الحائز على  جائزة الأوسكار عن مجمل أعماله عقب رحيله، من صعوبات كثيرة قبل أن يبلغ ما حققه من شهرة ونجاح،  فقد تنقل بين أعمال عديدة في مقتبل حياته، كونه ينحدر من عائلة متوسطة إذ عمل والده في حقل التأمين وأراد  روبرت أن يسير على طريقه، لكن الأزمات المتلاحقة التي عصفت بحالته قادته لاحقاً للانضمام إلى سلاح الجو، وشارك بالحرب العالمية الثانية، وفي أثنائها آثر أن يمارس الكتابة للتلفزيون، قبل أن يتجه إلى الفن السابع وينجز العام 1957 أول أفلامه الروائية الطويلة تحت عنوان"الجانحون" ناقش فيه أحوال شباب في مقتبل العمر يحصلون على قوتهم بممارسات طائشة من سلب وخداع وتشكيل عصابات، وقد لاقى هذا الفيلم صدى لدى النقاد لاستغراقه في أجواء وأمكنة لم تكن مألوفة بعد  في السينما الأميركية، مما حدا بالتمان أن يبتعد ولو قليلاً عن السينما، ويعود إلى التلفزيون مخرجاً هذه المرة  حيث قدم عبر شاشات أكثر من محطة تلفزيونية سلاسل من البرامج والمنوعات التي ميزته عن جيله.

في منتصف الستينات من القرن الماضي، يقرر التمان العودة إلى السينما ويتمكن بصعوبة إنتاجية من إخراج فيلم "العد التنازلي" وقام ببطولته اثنان من أبرز نجوم هوليوود آنذاك وهما جيمس كان وروبرت دوفال، وقد استوحى موضوعه من الصراع الدائر بين عملاقي الحرب الباردة والتنافس على غزو الفضاء،  ودار الفيلم حول مجموعة من رجال الفضاء يجرون استعداداتهم الختامية للانطلاق .

ولم ينقض عامان حتى كان التمان يفاجيء عشاق السينما بفيلمه الثالث الغريب العنوان "ذلك اليوم البارد في الحديقة" وفيه يقتحم موضوعاً جريئاً عن المرأة وهو الموضوع االذي أصبح أثيراً لديه في أغلبية أعماله اللاحقة حيث تذهب كاميراه في أعماق معاناة المراة السايكوباتية، ونظرة المجتمع لها التي تفرضها مقتضيات العيش في مجتمع استهلاكي، لا يخلو رغم زحمة تحولاته من إفراز شخصيات تعاني من العزلة والخواء العاطفي والإنساني.

مثل هذه التيمة برع التمان في تقديمها  في واحد من أفلامه التي قدمها العام 2000 تحت عنوان "دكتور تي والنساء" عن طبيب شهير يعاني مرارة العيش مع زوجته وبناته، ويفشل في إقامة علاقة سوية مع امرأة أخرى رغم تقرب الكثيرات منه .

وكان قبل ذلك قدم فيلمه "ملابس جاهزة" وعزف فيه على هذه النغمة، لكن عبر الموضة ودور الأزياء وما تفرضه من أذواق وعلاقات مضطربة محيرة للمرأة في طريق بلوغها الأناقة وطقوسها .

MASH

تنوعت أعمال روبرت التمان على حدي الرصانة والدعابات السوداء، حيث نجده في "ماش"  أهم أفلامه على الإطلاق إلى اليوم والحائز على جائزة مهرجان (كان) الكبرى العام 1971 ،يحكي بقالب من السخرية السوداء،  في أجواء تستعر بالحرب حيث مستشفى عسكري ميداني إبان الحرب الفيتنامية وسلوكيات لأطباء تثير التهكم والطرافة، وهم يؤدون مهامهم في إجراء عمليات البتر ومشاهد الدماء الغزيرة .

بفيلم "تعريف السر" يأخذ التمان المشاهد معه إلى مكان ضيق ووحيد ويجعله مسرحا لتدور في الأحداث عن الأيام الأخيرة للرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون. وعن  الغرب الأميركي جاءت تحفته "ماكاب ومسز ميللر" المحملة بالكثير من الإشارات والدلالات وفي جعبته أيضا أفلام مثل : "ناشفيل" و "كنساس سيتي" و"عرس" و"صور" و"متجر الخمس والعشر سنتات جيمس دين" .. جميعها شكلت مزيجاً من التنوع البصري، الشديد الالتصاق ببيئة يتجاذبها أفراد  أو جماعات تعصف بها رياح التحولات والأمكنة، مما أفرد له موقعاًلائقاً مع قامات السينما العالمية، حيث أخذت تتسابق على أعماله كبرى المهرجانات السينمائية العالمية، وتفسح لها المجال بالدراسة والتحليل والتذوق على غرار تلك الأعمال الكبيرة القادمة من تيارات ومدارس واتجاهات الفن السابع المكرسة .

شكل رحيل التمان  عام 2006 عن 81 عاماً خسارة جسيمة الى تلك السينما الأخرى الآتية من الولايات المتحدة، التي تفيض بالمزايا الجمالية والفكرية الجريئة.

 *ناقد سينمائي من الأردن