سعيد عقل: يرفض تصنيف النقاد له ويضع المتنبي بعده

محمود الريماوي*

 في الحادي عشر من اكتوبر 2010 رفع الشاعر سعيد عقل الستارة عن تمثال اقيم له في بيروت. الاحتفال تم برعاية الجامعة الأميركية ومن دون رعاية رسمية باستثناء حضور وزير الثقافة سليم وردة، فالشاعر خلافاً لغيره من شعراء  دأب على رفض أية رعاية رسمية وسياسية بالذات، للأنشطة التي يقيمها أو التي تقام تكريماً له.. للأمرعلاقة باعتداده الشديد بنفسه، وبابتعاده عن النظام في بلده  من دون أن يكون في أي وسط راديكالي بالمعنى الشائع للتعبير، فهو نخبوي "أفلاطوني" يتطلع الى دولة تحكمها النخب. ومنذ مطلع ستيات القرن الماضي، وعلى مدى ربع قرن عمل على منح جائزة شهرية باسمه للمبدعين اللبنانيين في حقول الآداب والفنون بقيمة ألف ليرة لبنانية ( أيام كانت الليرة..ليرة)، فقد رأى في نفسه راعياً للمواهب والجمال، وقد برهن على ذلك بكرمٍ حقيقي.

منذ أكثر من عشر سنوات نأى سعيد عقل بنفسه عن المجتمع الثقافي والإعلامي، لأمور تتعلق أساساً بتقدمه في السن، فبعد أقل من عامين سوف يتم الرجل عامه المائة، محاطاً وهو العازب بعدد من أصدقاء وصديقات من شعراء وأكاديميين وإعلاميين. وقد فاقم الاضطراب السياسي الذي يشهده لبنان منذ نحو خمس سنوات في خفوت صوته، ولجوئه الى العزلة.على أن جمهوراً واسعاً في بلد الأرز يرى في الرجل أيقونة لا تتكرر بل أيقونة الأيقونات، ويتم تبعاً لذلك إحاطته بهالة شبه قدسية. غير أن هذه النظرة لا وجود لها في العالم العربي، فاسم سعيد عقل قلما يتردد في المناسبات الثقافية وحتى في نقود النقاد، فالشاعر عقل لا يحتسب في عداد المجددين الذين أسهموا في انعطافة الشعر العربي منذ نحو ستة عقود، ومع ذلك فإن هذا الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد كما يقول عن نفسه، فهو يضع مكانة لنفسه بين شعراء العربية على مر التاريخ، ولا يقارن نفسه بشعراء نصف قرن مضى. ف"شعري أعمق من شعر المتنبي" و"ليس للمتنبي شعر معظم ومقدس مثل شعري"ورغم أن تصريحات كهذه لم تخدم قضيته الشعرية، ولا تحديد موقعه في خريطة الشعر العربي إلا أنه يظل يرددها غير عابىء بأية ردود فعل. فهو كمن يخاطب التاريخ ولا يأبه بأشخاص زائلين. وعدا رؤاه الشعرية ، فقد عُرف في شبابه باقترابه من القومية السورية الاجتماعية ( حزب أنطون سعادة)  وقد كتب بالفعل النشيد الوطني للحزب: صخب البحر أم الموج السخي/ أم بلاد تملأ الدنيا دويّ، لكنه انتقل مع منتصف القرن الماضي لاعتناق فكرة "القومية اللبنانية أو الفينيقية"، وكان في منتصف السبعينات عشية اندلاع الحرب الأهلية/ الإقليمية، من عرّابي إنشاء تنظيم "حراس الأرز" الشديد التطرف، لكنه لم يلبث أن ابتعد عنه وعن كل شأن سياسي مباشر..

 رغم الضجيج حوله ورغم شهرته الذائعة، لم ينل  سعيد عقل حظه من النقد الموضوعي وبالذات خارج موطنه لبنان كما لاحظ الشاعر والناقد عبده وازن. ذلك أن الباحثين والدارسين صرفتهم تصريحاته ومواقفه "الغريبة"، عن النظر الرصين المتجرد الى مأثوره الشعري. من تلك المواقف تبشيره باستخدام الحرف اللاتيني وهي دعوة لم يستجب لها أحد بمن في ذلك صاحب الدعوة نفسه. ثم سخريته من اللغة العربية معتبراً أن اللهجات هي في منزلة لغات كاملة، ومع أنه كتب  قصائد بالعامية غنت بعضها فيروز مثل" مشوار" الا ان أغانيها التي صدحت بها السفيرة الى النجوم من كتابة سعيد عقل ونالت شهرة واسعة كانت بالفصحى، ومنها: أمي يا ملاكي، سيف فليشهر، رُدّني الى بلادي ، غنّيت مكة، وهكذا فأن مأثوره الأهم ظل بلغة أبي تمام والشنفري وامرىء القيس.وفي الوقت ذاته فإنه لا يعترف لميشال طراد بأسبقيته في كتابة الشعر" اللبناني" علقداً الريادة في هذا المجال لنفسه.. أما في الشعر الكلاسيكي العربي فيعتبر عقل بأن محمد مهديالجواهري وهو من هو، قد "مرّ شعره في شعري".

يُعنى سعيد عقل عناية شديدة بالجماليات اللفظية،  ولا يتردد في استخدام إيقاعات قلِقة في شعره، مشفوعةً بتأملات وتهويمات جعلت بعض دارسيه في موطنه يعتبرونه من أتباع المدرسة الرمزية، وهو كالعادة يرفض أي تصنيف له. وإذ احتُسب أبو تمام على أنه ينحت في صخر، فإن سعيد عقل لا يقل نحتاً ووعورة عنه إن لم يفُقه، ومفارقة شعره أنه يتلمس الايحاءات الرقيقة في العديد من الحالات عبر غرابة الصور و"وحشي"  الألفاظ. وفي الحصيلة فقد صنع الرجل أسلوباً بل مدرسة خاصة به (اجترح شيئاً من ذلك الشاعر المجدد توفيق صايغ) على مدى خمسة وسبعين عاماً ، منذ أصدر"بنت يفتاح" وتلتها " المجدلية" ثم "قدموس". ومن مجموعاته الشعرية المميزة" رندلى" و"أجمل منك؟ ..لا". و"دلزى"، "أجراس الياسمين" و"قصائد من دفترها". وفي الشعر العامي أصدر دواوين: "يارا" وقد غنت فيروز القصيدة التي تحمل هذا الاسم، و"خماسيات" وديوان شعر بالفرنسية بعنوان "الذهب قصائد".

يتفق أدونيس والناقد إيليا حاوي على وصف شعره بالرومانطيقية. حاوي يضيف اليها ما يسميه  بـ "التصنع الذهني" لدى عقل، بينما يصفه يوسف الخال  ب"الرومانطيقي المصبوغ برمزية القرن التاسع عشر الفرنسي". أما الشاعر بول شاوول فيصفه بأنه "أكبر شاعر لبناني، وإن كان قد وقع في تقليد نفسه وانتهى منذ خمسين سنة!.".

في يوليو تموز 2010 تسربت شائعات عن وفاته إثر دخوله المستشفى، لكنه سرعان ما غادر المركز الطبي في بيروت الى مدينته زحلة، وهي التي صاغ حولها شعاره: "فلنزحلن لبنان ولنلبنن العالم"، ووفقاً للشعارفإنه مطلوب أن يكون العالم كله على غرار مدينته المعروفة بسواقيها ومرافقها السياحية، وانتماء الشاعر الياس ابو شبكة اليها، وهو الشاعر الذي لم يُخفِ سعيد عقل خصومته له، حتى بعد وفاة أبو شبكة في العام 1947 .

 

*كاتب وقاص من الأردن