زئير أسد بابل يُدوّي في مدينة نمساوية

بدل رفو*

تقع مدينة ليوبين النمساوية في مقاطعة شتايامارك ومركزها مدينة غراتس، وتقيم سنوياً معرضاً فريداً من نوعه حول حضارات إنسانية مغمورة، وتُعد المدينة قبلة الزوار والسياح من مختلف أنحاء العالم. وقد شهدت المدينة في السنوات الأخيرة،  معارض حول مصر وبيرو والصين وفيتنام والإسلام والشرق. هذه المرة طرقت أبواب  بابل والإسكندر، ودوّت صرخة  أسد بابل في المدينة. الإسكندر الكبير هو محور سلسلة معارض تاريخية تقدمها صالة الفن في ليوبين، وهو المعرض رقم 13 في سلسلة هذه المعارض. لا يُعنى المعرض بالجانب التاريخي المثير من حياة الإسكندر فقط، لكن بالجانب  الثقافي وبتاريخ الفن أيضاً، و يُعد المتحف التاريخي في فيننا الشريك الرئيسي في هذا المعرض الضخم في مدينة ليوبين . يسلط المعرض الضوء على حياة الاسكندر المقدوني وحملاته  في آسيا الوسطى ومصر.  يتمتع الزوار بمشاهدة أضخم الكنوز الإنسانية من إرث ذلك القائد الذي غزا العالم وودع الحياة وهو لم يبلغ 33 عاماً. الإسكندر جزء لا يتجزأ من تاريخ البشرية، فهذا الملك المقدوني حقق انتصارات على أكبر إمبراطورية في التاريخ القديم.

نحو  300 قطعة تاريخية ضمها المعرض التاريخي  وهي إعارات من أهم متاحف العالم، ومنها المتحف الوطني في طاجكستان ،متحف باريس ،المتحف البريطاني، المتحف التاريخي في فيننا، ومتحف برلين للتراث الثقافي.  وتعكس هذه الأعمال رؤية إلى إرثه، وهو في طريقه إلى الشرق.

رئيس بلدية المدينة ماتيوس كونراد صرّح بأن  المعرض في ليوبين ،هو بمثابة تقدير لأن الإسكندر كان مركز اهتمام للجميع من الدارسين وطلاب المدارس والمعنيين بتاريخ أوربا . أما مديرة المعرض سوزانا لايتنر فقالت: هذه المرة نقلنا العراق وبابل إلى النمسا. وقد أهدت كاتب هذا التقرير كتاباً ضخماً، وأوصت بنقل تحياتها إلى الصحافة العربية والعراقية.

الاسكندر هو نجل الملك المقدوني فيليب الثاني.  وكان للفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس دور كبير في تعليمه وخاصة في العلوم الطبيعية والجغرافيا، وهذا مغزى وجود منحوتة للفيلسوف في المعرض.

ضم معرض صالة الفن في ليوبين ومعرض الإسكندر الكبير أرقى الأعمال التاريخية في الدقة والتميز والتي تعود إلى ما قبل الميلاد بقرون. في الصالة الأولى خارطة جدارية كبيرة تمثل المدن التي  شيد فيها الإسكندر مدناً وسماها بأسمائها. هناك عملات نقدية من فترات معينة من حياته  ومنحوتات أخرى لرأسه وبأشكال ومواد مختلفة بعضها  من المرمر.  وثمة لوحات تمثل المعارك التي خاضها صنعت من موزاييك هندي،  وكذلك قصة حرب طروادة. وكانت هذه القصة هي الكتاب المفضل لدى الإسكندر  وقد أعجب إيما إعجاب ببطلها أخيل.  في صالة أخرى عرضت المتعلقات والآثار التي ترتبط بروح الإسكندر وذات الدور الحيوي في مسيرة حياته ومنها تمثال هرقل وهراوته العظيمة،  مما كان له أهمية كبرى عند الاسكندر.  وقد علقت في القاعة الكرة الأرضية  خريطة هيروديت لفترة (490ـ 425)ق.م .

قاعات عديدة متفاوتة الحجم والمساحة  في المعرض، منها ما ضم أقداحاً  فنية صغيرة كانت تستخدم زمن اليونان للشراب، ومنها ما اشتمل على صور جميلة تبرز رمزية القوة.

سلسلة جبال زاكروس وبلاد الميزوبوتامي وميديا لم تكن غائبة عن المعرض. ففي المعرض نحت لرجل ميدي  بملابسه وتاج للملك من الذهب يكشف التقنية الفنية في صناعة التاج قبل الميلاد بقرزن. وكذلك منحوتات لجنود فرس بملابس فارسية .الموسيقى كانت حاضرة في المعرض من خلال منحوتات صغيرة لعازفي الآلات الموسيقية في فترة قبل الميلاد.

أما بابل فهي محورالمعرض ومركز الثقل فيه لكونها عاصمة الإسكندر الكبير. وأسد بابل الصارخ وزئيره أخذ مكانة لافتة في قلب المعرض.  تمثال  الأسد تمت استعارته من المتحف التاريخي في فيننا ،ويثير شوق وحنين العراقيين وجود طابوق أحمر عليه كتابة باللغة الآرامية وبصور مختلفة من بابل، وهو إعارة من متحف برلين.

نصوص وثائقية على حجارة باللغة الاكدية  وقطع حجارة  من كيش بالقرب من بابل ،احتلت قاعة الوثائق الحجرية  الصغيرة وباللغة الأكدية.

زينت خريطة كبيرة المعرض وتبدو فيها جبال زاكروس ومسيرة الإسكندر من مقدونيا إلى بابل عبر كردستان ، ويظهر اسم الميديين والميزوبوتامي وأربيلا وهي أربيل على الخريطة.

الحرب والعدة الحربية وأدواتها لم تكن غائبة عن المعرض، فهي جزء من تاريخ القائد-الأسطورة الذي غزا العالم: هناك قسم الحرب ويضم خوذات تبين  قوة الجيش وعدد أفراده والمشاة والخيالة والانطلاقة نحو الهند.  وهناك صالة للصور الفوتوغرافية حول بابل القديمة  وموت القائد وزواج جنوده من فارسيات.

صالة أخرى باسم الثقافة والفن ،حيث تم عرض عملات معدنية وصور الإسكندر الى جانب صور الفيلة و أثاث البيت والأواني المنزلية  التي احتفظت بجماليتها  منذ قبل الميلاد.

ضم المعرض صالة للعرض السينمائي وهي تعرض فيلماً حول بابل والإسكندر وحروبه  ونهايته، والفيلم لـكونتير شيلهان. فالإسكندر  خاض الحرب وهو في الثامنة عشر من العمر وأصبح ملكاً وهو في العشرين ومات عن 32 عاما، و في اليونان يعتبر  بطلا قومياً.  في الفيلم الوثائقي السينمائي يتحدث عدد من المؤرخين والباحثين عن القائد  "الأعجوبة"  .

معرض الإسكندر الكبير يعرض قصة بطل من قرون قبل الميلاد، وحكاية مدينة تسمى بابل. إنها بابل التي عشقها ، وقد وَفَد من مقدونيا كي يقطن فيها. اليوم  أين بابل؟  كيف غدت يباباً وهجرها أبناؤها وعشاقها؟.

يستمر المعرض مفتوحاً حتى الاثنين مطلع نوفمبر المقبل، وبمشاركة متحف ريس ـ إنكل هوم في مانهايم.

  • *كاتب من العراق يقيم في النمسا.