رواية "كياح" للسوداني خالد عويس: رياح باردة .. سرود ساخنة

محمد الأصفر*

صدرت مؤخرا عن دار "ميريت" في القاهرة رواية كياح للروائي السوداني المقيم في أميركا خالد عويس وهذه الرواية هي العمل الروائي الثالث للمؤلف، فقد سبق أن أصدر رواية "الرقص تحت المطر" عن دار أنا بالخرطوم عام  1988 و"وطن تحت القضبان" عن دار الساقي ـ 2002 l

وينتظر أن يقام لهذه الرواية حفل توقيع رسمي بالقاهرة مطلع عام 2011 م وقد نشر الناشر صاحب دار مريت محمد هاشم مقتطفا على غلافها الخلفي من متن الرواية جاء فيه : "الجبال التي كان يراها على الضفة الأخرى، ملفوفة في الضباب.جبال تحرس البلدة والبلدات الأخرى.وهناك قربها، يقولون، نفق حفره الأسلاف.نفق يمتد عشرات الكيلومترات، كانوا يستخدمونه أيام الحرب.ينتهي في البلدات البعيدة التي تنهض في صحرائها، وبين أبنيتها القديمة الغامضة، أهرامات.لكن أحدا لم يجرب اجتياز النفق.يقولون إن بداخله عجائب لا تخطر ببال بشر.كنوز وجواهر وذهب. يحكون عن بقرة ضلّت السبيل واجتازته، لكنها خرجت من الناحية الأخرى بعد أيام طويلة، مسلوخة الجلد." 

تنتمي هذه الرواية بشكل عام إلى تيار الواقعية السحرية التي عرفها أدب أميركا اللاتينية منذ منتصف القرن العشرين، لكنها في مواضع كثيرة من الرواية تعود لترتمي مرتاحة في حضن الواقعية الاجتماعية مستلهمة تاريخ السودان المعاصر وصراع الشمال والجنوب وموظفة أساطير بلاد النوبة، عبر رمزية تقودنا إلى النظر بعين فاحصة للحاضر المعاش.  كما عرجت الرواية على موضوع الرقيق وما يعانيه هؤلاء البشر الذين حكم عليهم التاريخ بالعبودية.

 في الرواية رائحة السودان المضمخمة بآلامه وأمانيه ومآسيه العديدة ، وعلى الرغم من أن أسلوب الروائي قريب من أسلوب الروائي الطيب صالح ، إلا أن خالد عويس  أفلح في صياغة صوته الخاص بشغله الرائع في مس المسكوت عنه وفي تعرية الواقع الرديء الذي يعيشه الإنسان في السودان وأفريقيا والوطن العربي ، حيث تقاد الناس الآمنة في مزارعها ومراعيها للحرب في جبهات القتال التي ليس لها فيها لا ناقة ولا جمل.  يتألم المجند وهو يقتل بالأمر العسكري أبناء جلدته وإخوته لدواعي الدين أو الطمع في النفط أو الأرض.

 في هذه الرواية رحل بنا الروائي في سيرة بلاد عبر طقوسها الاحتفالية خاصة في الأعراس، وما يصاحبها من أغان شعبية بالدارجة ومن استعراضات تظهر البطولة التي يتمتع بها الشباب السوداني واحتماله لجلد السياط لنيل إعجاب الفتاة التي يحبها .بهذا قدم الروائي مناخاً دسماً للحياة في السودان يستشعره القارىء عبر اللهجات والأزياء والحشرات والحيوانات الأليفة والمفترسة ونكهات القهوة والشاي والجنس الحلال والمحرم والقصائد والغراميات والأساطير وبركات الأولياء الصالحين والمجتمع الآمن الذي تعيش فيه جميع الأعراق، مثل شخصية الحلبي الذي تزوج شامية ونوبية وعاش تاجراً في ربوع السودان متشبعاً بعاداتهم وتقاليدهم ومتكلماً لغتهم وكأنه واحد منهم.

  الى ذلك تعالج الرواية ظاهرة اللاجئين غير المرغوب فيهم في كل مكان يذهبون إليه ،حيث يتم إجبارهم على أن يكونوا خدماً أو وسائل لذة لأسيادهم أصحاب الأرض.   في الرواية كم هائل من المرح والمتعة والمفردات السودانية المانحة للابتسام، كما تزخر بكم هائل من الهموم والمعاناة ، فيشعر القارىء أنه يخوض رحلة جديدة  ، رحلة ليست سياحية بالدرجة الأولى لكنها معرفية ، يتعرف من خلالها على كثير من التداعيات التي جعلت السودان الآن مفككا ويعاني أزمة تلو أخرى.

  في الرواية يبدو الشعب السوداني ملتحماً متحداً جنوبه وشماله ، فيما الصراعات حول النفط والبقر والكلأ هي العوامل المتكالبة عليه لتفكيكه.  لقد حولت هذه الرواية الأساطير السودانية إلى واقع ، أي أنها أسطرت الواقع من شدة ما به من ظلم وألم وأحلام يتحقق جانبها المظلم فقط ، واقترحت عبر سردها الرائع وفضاء شخصياتها عالما جديدا نسبة الألم تكاد تكون فيه معدومة. تحفل  الرواية بالكثير من اللحظات الإنسانية العفيفة والراقية ، وبها اشتغال سردي فاتن يمزج الآلام في بعضها بعضاً فينتقل السارد من دماء المعركة إلى دماء البكارة إلى دماء الختان الذكري والأنثوي ،   إلى دماء الجلد  إلى دماء القصف الجوي الذي تمارسه الطيارات على العزل إلى دماء الحظ النحس ، إلى دماء السماء الهاطلة على هيأة مطر ، على الرغم من أن بداية الرواية واسمها جاءت باردة عبر كلمة كياح التي تعني شهراً من شهور السنة القبطية يشتهر بالبرد الشديد الذي يجعل الماء ثلجاً ، إلا أن سطورها المتوالية بعد بدايتها جاءت ساخنة ودافئة ومنعشة ومفعمة بالحميمية قلما يقع القارىء على مثلها في روايات أخرى مليئة بالتقعر والاستعراضات اللغوية الفجة.

 " كياح "من الروايات المميزة التي يجب أن لا  تمر مروراً بالكرام أو اللئام ، وهي جديرة بالقراءة وزاخرة بالمتعة والفائدة والفن الشفاف الذي لا تسطره الأنامل مصادفة، إذ تنبىء عن تجربة عاشها الروائي شخصيا أو عائليا أو خياليا بصدق وبحس مرهف .

رواية ستكون لها مكانتها في دنيا السرد العربي والعالمي، لأنها كتبت بالدم الإبداعي المنبثق من قلب م لكة إبداعية واعدة بتقديم الكثير والأجمل .

كلما زرت القاهرة أعرج على دار ميريت وأطلب من الصديق المدير المسؤول بالدار محمد هاشم رواية جيدة أقرأها ، رواية واحدة لا أكثر ، وأثق في ذوق الناشر ، حيث لم يخيبني أبدا من قبل ، هذه المرة وكان جو القاهرة مكفهراً وبارداً منحني رواية "كياح" ، بعد أن تناولنا الشاي  قال لي: هذه الرواية ذات العنوان البارد أفضل من كل بطاطين النمر السودانية .

بقي القول أن غلاف الرواية صممه وأبدعه الفنان العالمي الراحل مؤخرا محيي الدين اللباد ، الذي يعتبر رحيله خسارة فادحة للفن العربي ، وبنظرة سريعة لكل أغلفته التي صممها يمكننا القول إن الغلاف نفسه يتكلم ويعبر ويضيف للعمل الروائي الكثير الكثير .

 

* روائي وكاتب من ليبيا