روائي يكتب تاريخ كينيا وأحلامها اقترب من نوبل ولم يدركها

محمود منير*

كان على مقربة خطوات من جائزة نوبل هذا العام ، إذ لعبت أصوله الاقريقية وتجربته الإبداعية المتعددة في الرواية والقصة والمسرح والنقد وكتابة الدراما، دوراً كبيراً في تقدمه بصورة دراماتيكية المرشحين للجائزة الأشهر عالمياً، لكن النتيجة النهائية تذكر بسوء الطالع الذي يلازم القارة السمراء وأبناءها.

معاندة القدر له في عدم نيله "نوبل للآداب 2010" عزاه النقّاد إلى أن لجنة الجائزة لم تطلع بشكل كافٍ على جميع مؤلفاته كونه قد أغلب كتبه بلغة بلده الأصلية، وفيما بدت خلفيته الماركسية مقلقة نوعاً، فإنها اعتبرت ميزة له بالنظر لسلوكه ومواقفه المنسجمة مع الاتجاهات الليبرالية للمجتمع الأميركي الذي يعيش فيه.

يستحوذ الأديب الكيني نغوغي واثينغو، على اهتمام الصحافة الثقافة الإنجلوساكسونية وفي الأوساط الأكاديمية الأميركية، وحظي باحترام ومكانة كبيرة لدى النقّاد الغربيين على خلاف ما تعرض له في بلده، إذ اعتقل أيام الاستعمار، وجرت ملاحقته في أثناء الحقبة الدكتاتورية حتى أنه لم يستطع العودة إليه بعد زوال الحكم الشمولي فيها. 

واثينغو ذو السابعة والسبعين عاماً، روائي وقاص ومسرحي وناقد وكاتب دراما ومتخصص في أدب الطفل، ويشغل حالياً منصب أستاذ اللغة الإنجليزية والأدب المقارن في جامعة كاليفورنيا بالولايات المتحدة.

كان أول كاتب ينتمي إلى بلدان شرق إفريقيا يكتب باللغة الإنجليزية، إذ صدر له أول كتاب بعنوان "الناسك الأسود" في  العام 1962، ثم نشر بعد عامين خلال دراسته في بريطانيا، روايته الأولى "لا تبكِ أيها الطفل" التي حققت له شهرةً واسعةً في بلده وخارجها.

قرر نغوغي بعدها الكتابة بلغته الأم, التي تدعى الـ "كيغويو"، إضافةً إلى كتابته باللغة السواحلية، إحدى لغات شرق إفريقيا المحلية, كجزء من مشروعه النضالي ضد ثقافة المستعمر، وكان قبلها قدّ غيّر اسمه من جيمس نغوغي إلى نغوغي واثينغو، ولم يكن التغيير شكلياً حيث تبلور فكره الذي يدعو إلى إحياء التراث الإفريقي في مواجهة القيم الأوروبية الغربية، التي عملت مدة طويلة على هز الجذور الإفريقية، وقد واصل كفاحه عبر تبنيه مشروع إعادة المنهج الدراسي في بلاده إلى لغته الأصلية بعد خروج المستعمر البريطاني.

تبنى نغوغي الماركسية منذ بدايات نضاله، وأُلقي القبض على عائلته في تمرد الماو الماو في خمسينيات القرن الفائت ضد المستعمر، حيث فقد أخاه غير الشقيق، وتعرضت والدته للتعذيب، وتضمنت روايته "النهر الفاصل" تفاصيل مجزرة الماو ماو الشهيرة.

روايته الصادرة أخيراً بعنوان "أحلام في زمن الحرب" تعالج تلك المرحلة من حياته، إذ نشأ في بيت أب تزوج أربعة نساء، فكان ترتيبه الخامس من زوجة ثالثة، وقد شهد حينها الصراع بين حركة الما ماو التي تنشد الاستقلال وبين الجنود البريطانيين.

يحفر واثينغو عميقاً في "زمن الحرب" من خلال رصد التغيرات الاجتماعية والسياسية في ظل الاستعمار، والعلاقة المضطربة بين الطبقات وخاصة بين الطبقة الوسطى والفقراء الوافدين من الأرياف، وكيفية انعكاس ذلك على المجتمع الكيني، لكن المؤلف يحرص على إبقاء الحلم رفيقاً حتى في أحلك الأوقات.

يرى نقّاد أن واثينغو لعب دوراً في توثيق تاريخ كينيا المعاصر عبر أعماله، وهو دور يشبه إلى حد كبير ما لعبته روايات الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، حيث يوظف طقوس القبائل الأفريقية وعاداتها في ما يقدّمه من سرد حول بلاده في زمن الكولونيالية وما بعدها، ولا يغفل في رواياته نقد الإمبريالية، وتناول تأثيرات المسيحية على القبائل المقيمة في شرقي افريقيا.

خارج الأدب، يهتم واثينغو في كتابته النقدية ومقالاته باللغات الأفريقية ويتعامل معها ضمن موقفه من الاستعمار والإمبرالية والعلاقة بين المركز والهامش، كما يناقش الدكتاتوريات وعلاقتها بالآداب والفنون، والأزمات الاجتماعية في قارته السمراء ومفهوم الهوية والمواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان.

روايته "حبة قمح" ثبتت رؤاه الماركسية، لكنه أوصل رسائله السياسية ضد الدكتاتورية في بلاده بمسرحيته الشهيرة "أنا سوف أتزوج من جديد" فأُدخل بسببها إلى المعتقل، وهناك كتب روايته الأولى بلغة شعبه على ورق التواليت وحملت عنوان "الشيطان على الصليب".

بعد إطلاق سراحه غادر نغوغي إلى منفاه في الولايات المتحدة ، الذي استمر حتى العام 2004 ، عندما قرر العودة إلى بلاده في رحلة قصيرة، لكن حظه السيئ حرمه من أن يهنأ لحظة في بلاده، إذ هاجم لصوص بيته وسرقوا ماله واغتصبوا زوجته وعاملوه بوحشية، فقرر الذهاب مجدداً للاستقرار في الولايات المتحدة إلى الأبد.

طوّر واثينغو بشكل دائم انتماءه اليساري، باحثاَ عن صيغة أكثر ليبرالية وحداثوية، لكنه لم يغير قناعته بهيمنة القوى الكبرى على العالم، إذ يرى أن "واقع اليوم هو تطور سياسي اجتماعي لسياسات الاستعمار القديمة، حيث نعيش عصر الاستعمار الجديد، إلاّ أن هذا العصر الجديد له آلياته ومؤسساته. ففي حين كانت القوى العظمى سابقاً تفرض سياساتها الاستعمارية من خلال الاستعمار المباشر لبلدان العالم الثالث في الاستعمار القديم، فإن مؤسسات حديثة مثل البنك الدولي، أو الأمم المتحدة، أو العولمة، أو الاقتصاد العالمي تفرض هيمنةً من نوع جديد، تتيح فيها للدول الكبرى التدخل في شؤون الدول الصغرى، وهذا هو الاستعمار الحديث، لذا يبقى التحكم في الدول الصغرى هو هدف الاستعمار القديم والحديث".

روائي لم يكتف بالرواية ضمن رؤيته المتكاملة تجاه واقع بلاده وعلاقة دول العالم الثالث بالمستعمر، فكتب فنوناً سردية كالقصة والمسرح وأدب الأطفال، وكرّس بحثه الأكاديمي في هذا الإتجاه، ليعطي أنموذجاً في تزواج الإبداع بقضايا المجتمع من دون أن يخسر أحدهما الآخر.

*كاتب ومترجم من الأردن