نظرة على "رحلة ذات لرجل شرقيّ"

فتحي البوكاري*

     منذ أن تناول الطاهر الحدّاد في تونس، وقاسم أمين في مصر وغيرهما في الوطن العربي مسألة حقوق المرأة، وسعوا في بحوثهم إلى إثارة القضايا المتّصلة أساسا بالموروث الثقافي للمجتمعات كضرب الرجال لزوجاتهم والزواج المبكّر والزواج بالإكراه، حتّى وجد بعض الساسة في هذه الدعاوى هراوة ثقيلة انهالوا بها على مجتمعاتهم بكل قساوة، زاعمين أنّ روحا شرّيرة تسكن العقول منذ أكثر من 1400 سنة هي وحدها المسؤولة عن مصائب تلك المخلوقات الوديعة والاضطهاد الذي يعانينه.

    ومنذ نصف قرن وأكثر وقد انهارت دول ونهضت أخرى، وهم كما هم خلف الرموز المصنوعة والشعارات المرفوعة، ما زالوا يقتطعون الآيات والأحاديث من سياقها، مطالبين بتشريح العقل العربي المتخلّف وتنظيفه من رواسب المقدّس والشرائع القديمة .

    وإن كانت هذه المطيّة ذريعة لهؤلاء، سواء لتصفية خصومهم أو تحقيق مصالحهم الاقتصادية، فإنّ توجّه الأدب في جملته إلى تصوير الرجل الشرقي كوحش غشوم، وجب طرقه بالحديد والنار حتّى تستوي أفكاره وتلين معتقداته، تحيد في جوهرها عن هذه المبرّرات لتصل، أحيانا، إلى يوتوبيا بغيضة تلغي، بطريقة متطرّفة، دور الرجل في الحياة العامة لفقدانه الكفاءة.

 " سألتُ دادان بالمناسبة: ما إذا كان عندهم في الملكوت رجال، قد بلغوا مراكز الإمارة وحكموا كينان؟ أجابت: الحكم عندنا يا مروان، امتياز اختصّ به الإناث، منذ أقدم الدّهور، ولا حظّ فيه للذكور ! "(1)

هذه المدينة الفاضلة التي أُحدثت في جانفي 2010 ليست حلم كاتبة من جماعات التحرّر النسويّة، بل هي يوتوبيا الأديب عمر بن سالم المتخيّلة في روايته "مروان في بلاد الجان". وأعلم أن ما تزخر به النصوص الانثويّة، في هذا الشأن، في الأدب التونسي وحده كفيل بأن يجمع الباحثين حوله في ملتقى يدوم لأشهر، ليله موصول بنهاره.

     أمّا أن تأتي كاتبة وروائيّة عربيّة لتعارض التيّار الثقافي الهادر وتنحت في روايتها وجها رائعاً لرجل شرقيّ كاشفة أسراره ومشاعره بلغة سردية جميلة، وتقول في إهدائها إليه:  "لماذا تُصر المقالات والروايات والإذاعات على أن تقنعني بأن الرجل الشرقي وحش قاس لابد من ترويضه، وأنا لم أرَ منه سوى دفئه وعطائه؟"، فهذا يجعل المرء يقف  لها احتراماً وإجلالاً. وقد دفعني موقفها هذا لأرسل لها رسالة محمّلة بكلّ معاني التقدير، لتجاوزها السائد الذي يصنع الصراعات الوهميّة الضارّة بالأسر والمهدرة لطاقة المجتمع.

    صورة غير مألوفة للذكر العربي رسمت تفاصيلها سناء أبو شرار في روايتها الجديدة "رحلة ذات لرجل شرقيّ" الصادرة عن مؤسّسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة، في 256 صفحة من القطع المتوسّط. وهي الرواية الخامسة في رصيد هذه الكاتبة والمحاميّة الأردنية ـ الفلسطينيّة بعد مجموعتين قصصيّتين: "اللاعودة" و"جداول دماء وخيوط فجر".

    فهل هذه هي بداية الانعطاف نحو الضدّ، أم أنّ الأمر لا يعدو أن يكون برقا خلّبا في سماء صافية؟. 

____________

(1)   مروان في بلاد الجان، دار سحر للنشر – تونس 2010 . ص 18

* كاتب من تونس.