ذات صحراء*

جلال برجس**

ليس من السهل أن نقرر كتابة شيء ما، خصوصاً إذا ما كان هذا الشيء يعبث بحواسنا، بتكوينات دواخلنا الإنسانية، ويحولها إلى حالة فوضى تخلط التفاصيل وتصيّرها كلوحة تشكيلية تجريدية، تحتمل ما لا يحصى من تأويلات. فمنذ لسعة الألم الأولى التي برزت على سطح هذا القلب المُشيع للريح، نهضتْ في شرفة دمي فكرة أن أكتب شيئاً ما عن وجعي، فرحي، رعونتي، أخطائي وخطاياي, فلستم أنتم المقصودين بما أكتب أعزائي القراء, ليس ما اكتبه موجهاً لكم،  إنها كتابة فقط من اجل النسيان . لأنني بعد أن افرغ من كتابة هلوساتي هذه سأنساها علني أهدأ وأستريح،  لأن نوعاً كهذا من الروايات تبدو فعل قتل أكثر مما هي فعل حياة. ج.ب

 

1

في الأيام الأخيرة  كنت أهجس بأن أشياء كثيرة يمكن لها أن تجيء بقرار. الموت يمكن أن يجيء بقرار الحياة أيضاً قرار،الرحيل، الغياب ، الدولة ، الثورات، الحروب، الاغتيالات الأنهار، المطر في العصر الحديث قرار. لكن الشيء الوحيد الذي يحْدث هكذا خلسة  دون قرار مسبق، بلا استئذان، هو الحب. هذه المفردة التي منذ أن تخلع الشمس رداءها إلى أن تسقط في جحرها، مروراً بقطار الليل السرمدي تطيْر في فضاءاتنا كفراشة  مهما اقتربت من كوّة الضوء تبقى عصية على الأفول .

لا تكابروا على أنفسكم، فليس هنالك امرأة قررت أن تحب رجلاً، وليس هنالك رجل قرر أن يحب امرأة بمحض الإرادة ذاتها، خصوصاً في البلاد العربية التي تخفق كل يوم في هذا الامتحان الإنساني. ترى هل ما نعلمه عن الإرادة حقيقي؟ وهل ما انجزناه في حيواتنا جاء بفعل الإرادة؟  إذن لماذا تتلاشى هذه القوة الأسطورية أمام هذا الذي يدعى حُباً؟ أمام هذا اللغز، هذا الذي يتبدى،راديكالياً، فضولياً، متطفلاً. يجيء دون استئذان يخلط الأوراق يزعزع سكينة اللحظات التي كنا نعتقد أنها راسخة بثباتها الأزلي. ثائراً رومنسياً يجيء كيد تعبر صدورنا، لا بل تخترقها بكل عزم غير محسوس وغير ملموس، تيمّم شطر القلب تعصره، تعصره، تعصره، ثم ترفعه بكل قسوة منمقة أمام برق بحجم الكون، يمنحه شحنته الكهربائية المصحوبة بتفتق أزلي، ثم تهوي به مرة واحدة، ليصير كطفل مصاب بالدوار. دوار لذيذ، دوار مؤلم، دوار سادي، دوااااااااااااااااااااااااار. كالشعر كالروح كالحداثة. ليس له تعريف .سدّوا آذانكم عن ضجيج هؤلاء الذين لا يتوقفون عن تعريفه. من يعرّف الحب ما هو إلا مشروع عاشق فاشل. لذا لا أجيء إليكم الآن لتعريفه، فأنا أحد ضحاياه سقطتُ صريعاً ذات حلم مفاجئ، ومن خارج تكويني كطيف ما كريشة تسيّرها الريح، ككلمة تتطوح في شرفة الكون أكتب. أكتب وأنا أدري أنني فاقد لقدرتي على اتخاذ قرار من شأنه أن يجعلني أكثر حنكة أقل رعونة أكثر ضحكاً أقل شهوة للريح .

جارتي تضحك بملء جسدها عندما يُبتَر شريان السماء ويهطل المطر، وأنا أبكي كطفل أضاع الجهات وأقعى ينتحب. ينهض شوبان في ذاكرتي رشيقاً متقافزاً مرمرمياً ينثر موسيقاه على عتبة روحي، فيدب في أنامل لثغتي وتر الجنون، وتتمطى في نهر دمى كل أساطير أجدادي البدو، ويصير جسدي أصل الشهوة وأصل النار وأصل الكون وأصل الأصل . من منكم جرّب أن يشهق ببكائه بينما السماء تشهق بأمطارها؟ هل تخجلون ؟ هل تعتقدون أن هذا مستحيل في البلاد العربية التي مازالت ترى وجوه القادة ونياشينهم على سطح القمر؟.

ذات يوم ماطر كنت أقف إلى نافذة غرفتي التي خلفتها ورائي في مادبا، وكان المطر قد انهمر بغزارة، أو كما تقول جدتي البدوية بامتياز (كأن عرقا من السماء قد انقطع) رأيت الشوارع تسيل سوادا. سيل جارف من الماء يحمل على أكتافه أوساخا وعوالق شتى.  رأيت البيوت وقد عاد جزء من ألوان طلائها إليها. رأيت الأشجار خضراء خضراء كما لو أنها غُرست للتو . من دون تردد خلعت ملابسي وهبطتُ درج البيت إلى الشارع عاريا على هيئتي التي شهدت لثغتي الأولى.  كان المطر صاحب كل امتيازات الجنون في تلك اللحظة، ويد ما كانت توزع في روحي أرغفة الحنين. رحت أرقص أرقص أرقص كما لو أن كل رقصات أجدادي الأولين نمَت في أوردتي مرة واحدة، ارقص وأتعربش خيوط موسيقى كانت تتهادى إلي من مكان خفي. موسيقى لها إطلالة البرق على كل القفار .لم يشاهدني أحد – لا ادري ربما أنني حرصت على أن لا يشاهدني أحد- في تلك اللحظات. كنت أفتح فمي  محاولا أن أشهق قامةَ المطر كلها، فكرت أن اشج صدري عل الأمطار تفعل فعلها داخلي، لكنني هنا وعند هذه النقطة بالذات لا املك القرار . كان من الممكن أن أغرس سكينا في حنجرتي وأجرؤ على الموت،  لكن ما هو غير ممكن هو الصدر حيث تختبئ حياة بأكملها .

******

في لندن، في أكسفورد، ومن شرفة فندق Shilling ford Bridge Hotel    يلوْح نهر التايمز كجرح على سطح القلب. كنت قد رفعت سماعة الهاتف وطلبت فنجان (نسكافية بلاك) بلا سكر، وكانت المرة الأولى التي أشرب فيها شيئا بلا سكر. ربما أنني في اللاوعي فضلت مجارات المرارة التي  تدفقت في أوردة روحي، وأنا أقف أمام نفسي وألوح لها عاجزاً وفاقداً لزمام أمري.

الشمس بدت أكثر سخاء في ذلك الصباح بعكس الإيام الباردة والضباب، لكن بي دواراً امتد إلى كل  زاوية في أنحاء جسدي. لم يكن ذلك الدوار الذي يُخَلِّفه القولون العصبي، إنما كان دواراً آخر. قُرع هاتفي النقال عدة مرات، لاأدري هل كنت أسمع صوت قرعاته أم لا ، لكنني لم أرد  ثم صمت  وعاود الرنين مرة أخرى، فتذكرت أن ذلك الرقم يخص العمل فقط، رقمي الشخصي، خلفته ورائي في الأردن، تترع ذاكرته الالكترونية بمرارة عمرها أربع سنين . لكن الفارق بين ذاكرتي وبين الذاكرة الالكترونية شاسع، بكبسة زر يمكن أن أحذف ذاكرة الكترونية بأسرها،  لكن ذاكرتي الآدمية بحاجة لرصاصة. الرصاصة وحدها قادرة على المحق الكلي واللحظي ليس للذاكرة فقط، انما لتكوين كامل وشامل. تيسير سبول أنهى حياته برصاصة إثر ضياع وطن، وأنا أفكر أن أُنهي حياتي برصاصة إثر فقداني لحبيبه. الوطن حبيبة. الحبيبة وطن.

على الطرف الآخر من الهاتف جاء صوت مديري في العمل مواسياً على غير عادته: " لقد رأيتك ليلة السفر مثخناً بحزن شوكي يوجع حتى من هم حولك، هل هدأت ؟ أنظر إلى التايمز كيف يسير بهوادة ، تأمله جيداً واسترخ ولاتفكر بشيء. بعد الانتهاء من المؤتمر بإمكانك أن تمكث هناك الوقت الذي تريده، لندن مكان جميل. سلام".

قبل أن احزم أمتعتي وأيمم المطار، كنت قد  قرعت هاتفها عشرات المرات، رغم أنني اعلم أن الخيط الناظم بيننا استحال إلى خيط متهرئ، وفي كل مرة كنت أحس إنني عندما "رأيتكِ هكذا دون اكتراث تغسلين قلبكِ من بقاياي، أحسست أن جرذا بحجم الذي كان بيني وبينكِ يقضم باشتهاء وجه قلبي".  الضعف كان مع كل محاولة لمهاتفتها يسرى بجسدي بروحي بقلبي, كما يسرى المخدر في الوريد. لا أدري، ربما هو إحساس الرجل الشرقي نحو امرأة تدير له ظهر قلبها.كنت أود أن أقول لها بأنني دون إرادة على إقصائها من باحة حياتي، كنت أود أن أخبرها بأنني ربما لن أعود وعليك أن تعلمي أنني كنت وفياً إلى درجة تشبه وفاء عبد لسيده. جاءني صوت أختها شادية مزنراً بالعطف: هوّن عليك لقد وعدتني أن ترد عليك بعد خمسة دقائق، هي مشغولة بعض الشيء. كيف كان لي أن اتخذ أكبر القرارات وأخطرها على الإطلاق، وأمام تلك المرأة وجدتني دون حيلة، ورأيت نفسي على وشك أن أصدق أن هنالك سحراً أو عملاً يمكن لامرأة أن تقوم به، لتحجم حياة رجل عند نقطة معينة يبقى يراوح في دائرتها المغلقة.

 جائتني رسالتها الSMS (كرصاصة تُحدث في القلب أوسع واحة منكوبة بالحزن واكبر انفجار) : سأهاتفك لكنني مختنقة من الداخل، أرجوك لا تعاتبني. ثم جائني بعد دقائق صوتها محملاً بطاقة هائلة من التمويه، لماذا اقول تمويهاً ، لا بل نوعاً متفردا من الكذب: "أنت أصبحت لا تقدر ظروفي، عندك ما يكفي من الأنانية بحيث أنك تنسى أنني إنسانة لي حياتي الخاصة ،صحيح أنني لم اهاتفك منذ شهر تقريباً لكنك في البال. صحيح انني لم أجب على محاولتك مهاتفتي طيلة تلك المدة، لكنني كنت مشغولة جداً ثم أنك أصبحت أكثر قسوة".  

ماذا كان علي أن أقول في تلك اللحظة التي رأيت عمري بها لا يساوي شيئاً ، سوى أنني رجل بدوي أحب كما ينبغي لرجل يحترم قلبه، ماذا كان يجب على أن أفسر في تلك اللحظة التي رأيت بها الأرض تدور بقلبي، وكأنه بات محورها بفصولها بزلازلها ببراكينها بقحطها بربيعها وبقيامتها المنتظرة. عاتبتها، شكوتها،فضحت قسوتها، ثم بكيت بكيت بكيت، وأنا أعلم أنها لا تحب الرجال الذين لا يخجلون من دمعهم. أقفلت سماعة الهاتف وهي تقول لي أرجوك هاتفني من المطار، لا لتطمئن عليّ إنما لتتأكد أنني أقول الحقيقة، ولكي تطمئن بأنني مازلت أدور في فلكها. كيف لامرأة رمى رجل حياته بأكملها عند قدميها أن تبقى تصر على أن تجعله معلقاً في الهواء، لا هو على الأرض يغذ خطاه ولا هو في السماء.  لا حرب لا سلم .لا حب ولا "لا حب". لا حياة ولا موت. لا عطش ولا ارتواء. حالة وسطية قاسية . 

المسافة بين بيتي وبين قبر أمي قصيرة، لكنني رأيتها أبعد مما ينبغي، أبعد مما يمكن أن أصلها  في اللحظة نفسها التي كانت روحي تتمزق، كما لو أن قذيفة هاون اخترقت جسداً فتياً. لم يكن قد مضى على رحيلها سوى بضعة شهور ،لكنه دهر من الشوك، الأم لا يساويها شيء في هذا العالم ، غياب الأم زلزال يقوض كل شيء، وغياب الحبيبة سقوط (أيهما أقل إيلاماً لنا سقوط حبيبة أم سقوط وطن؟) ماذا دهاني أصبحت أخلط بين أمي وحبيبتي ووطني .كانت ليلة سكن الهواء بها واستراح. رمى القمر بحبل به أرجوحة تروح  وتجيء، تروح وتجيء، عند شاهدة القبر جثوت، غفوت، نمت. لا أعرف بالضبط ربما أغمى علي. عازف ناي من بعيد كان يرشّ ملح النوح في روحي، نحت كما تنوح النساء . يا الهي هذه نظرة تعسفية للمرأة.  لا نحت كما ينوح الآدمي.  نحت شهق، زفرت وقبلت التراب. التراب الذي يضم رفات هويتي، نعم هويتي: أمي هويتي، وهويتي أمي شكوت لها غياب شمس، خيانتها، نكرانها، جحودها، قسوتها، جمالها، عذوبتها.

عندما كانت على قيد الحياة كنت أبوح لها دون أبوح كانت تحس بي، تنظر في وجهي بعينيها تتحسس ملامح تعب يهدني منذ أمد بعيد، تهوّن الأمور بطريقتها الخاصة. تمنحني بضع كلمات تعبر إلى حجرة القلب وتستقر هناك فأهدأ واستريح. عند شاهدة القبر غنيت، غنيت لها، لي ولها . أمي كانت تحب أغنيات فؤاد غازي. غنيت لها تعب المشوار، وكنت اعرف أن المشوار لم ينته بعد، هو ابتدأ ربما. القمر صار كقرص لجين بينما كنت اقفز خارج المقبرة، وصوتها يحيط بقلبي: هون عليك يا ولدي هون عليك.

جلست قبالة النافذة وروحي تلهث وأنين كون بأكمله يسبح في نهر دمي. على صدر الجدار بدت لي لوحة الانتظار التي كنت قد رسمتها منذ سنين أكثر وضوحاً، وكأنني أدركت في تلك اللحظة ما الذي كنت بالفعل أودّ قوله. كرسي فارغ يطل على مدى فارغ. رغم برودة الطقس إلا أنني هبطت أسفل دوش الماء. كان جسدي قد اكتسب أكثر مما ينبغي من نحولة واضحة.كان صوت عبدالباسط عبدالصمد يرن في أذني عندما كنت أيمم شطر الباب أنوي الرحيل. التفتُ إلى يميني حيث المنضدة التي تركت عليها القرآن، اقتربت ووضعت يدي لأقسم أن لا أفكر فيها وأن أنساها إلى الأبد، لكنني كنت فاقدا لقراري، فأقسمت أن لا أهاتفها طيلة السفر. أقسمت مرة أخرى على ذلك والطائرة تجنح فوق عمان التي لاحت لي دافئة أكثر من ذي قبل.

* فصل من رواية.

** كاتب من الأردن