"دعاء الى الريح الغربية" عودة الى الأمثولة الرومانتيكية

إياد نصار*

 تُعد قصيدة "دعاء الى الريح الغربية" للشاعر الانجليزي شيلي من روائع الشعر الإنجليزي في القرن التاسع عشر. تحمل رغبة النفس التواقة الى الانطلاق، والتحرر من قصور الجسد، ضعفه وحزنه المزمن الى عالم الطبيعة والحرية التي تسبح في الكون مثل الريح الغربية. مات شاعرها بيرسي بايش شيلي Shelley في ريعان الشباب بمرض ذات الرئة، ولم يكن تجاوز الثلاثين عاماً ، في صورة حزينة تعيد ذكرى موت الشاعرين العربيين، في شرخ الشباب، أبي القاسم الشابي وبدر شاكر السياب. كتب شيلي هذه القصيدة عام 1819 خلال زيارة له الى مدينة فلورنسا بايطاليا، التي قصدها للعلاج في أجواء ايطاليا الصيفية المشمسة هرباً من أجواء لندن مدينة الضباب الكئيبة.

صنع شيلي مع رفيقيه جون كيتس، الذي مات أيضاً في ريعان شبابه، وهو لم يتجاوز السادسة والعشرين، ومع الشاعر الشاب لورد بايرون أجمل القصائد الرومانتيكية في الشعر الانجليزي في القرن التاسع عشر. ومن قصائد شيلي المشهورة الأخرى أوزيمانديس، الى قبّرة، قناع الفوضى، أَلاستور، أدونيس، ثورة الاسلام، بروميثيوس حراً. وقد تزوج من الروائية ماري شيلي التي كتبت رواية "فرانكنشتاين" الشهيرة التي تبرز موضوعاً رومانتيكياً يبين قدرة الانسان على ابتكار الجمال، الذي سرعان ما يتحول الى وحش يخرج عن السيطرة، في اشارة الى قدرة الانسان على مقارفة الشر لتحقيق مجد على حساب الاخرين.

ولد شيلي بعد ولادة رائد الرومانتيكية الانجليزية وليم ويرزدورث Wordsworth باثنين وعشرين عاماً، وقبل ست سنوات من نشر فلسفة الرومانتيكية الانجليزية في الديوان الشهير المسمى قصائد غنائية Lyrical Ballads الذي كان عملاً مشتركا يضم قصائد ويردزورث وصديقه وشريك مذهبه صامويل كوليردج. ولد وعاش شيلي في الفترة التي شهدت فيها أوروبا انطلاق المذهب الرومانتيكي في فرنسا وألمانيا وروسيا.

قيل أن شيلي كتب القصيدة،  في أثناء توقفه بالغابات عند نهر أرينو بالقرب من مدينة فلورنسا في ايطاليا، في يوم عاصف من شهر تشرين الأول. كان الطقس صافياً والحرارة معتدلة، ثم فجأة بدأت الريح تستجمع قواها، وتنذر بعاصفة. فهطلت أمطار الخريف في وابل مطري صاحبه البرق والرعد. تكثر في القصيدة الاستعارات والصور المركبة في وصف الريح الغربية بحالاتها المختلفة، ومظاهر ثورانها، ووحشيتها، وتمردها الذي يجاوز قدرة الإنسان على تطويعها .

تتألف القصيدة من خمسة مقاطع، ويتكون كل مقطع من أربعة أدوار في كل دور منها ثلاثة أبيات وقفلة من بيتين. وبهذا فإن المقطع يتكون من أربع عشرة بيتاً. وقد عبّرت القصيدة عن دور الشاعر كما تخيله شيلي: أن تحمل الريح أفكاره وتبثها بين البشر كما تحمل البذور الجافة  فتمكث في الارض، حتى تأتي رياح الربيع اللازوردية فتبث فيها الحياة. ورغم ركون الشاعر للعزلة، والرغبة في الانطلاق والتحرر من قيود الجسد وقصوره، والتحليق في الكون كما تفعل الريح، إلا أنه رأى أنه له دوراً يؤديه في تغيير الحياة.

تتكون القصيدة من عدة توسلات الى الريح الغربية أن تسمع شكوى المتكلم في القصيدة. ينادي المتكلم على الريح في المقاطع الثلاثة الاولى، من غير أن يطلب سوى أن تسمعه. يصف في هذه المقاطع جوانب عديدة من فعل الريح؛ فهي تحمل الأوراق الميتة، وتكنسها وتطردها مثل ساحر يطرد أرواحاً شريرة. هذا التوظيف لدور الريح ستظهر أهميته لاحقاً، عندما يخاطب المتكلم الريح، ويقول لها كوني أنتِ أنا، للدلالة على دور الشاعر في التغيير وطرد القديم البالي. كما يستحضر شيلي صورة أخرى للريح الغربية، فهي مثل الاساطير اليونانية، تقود عربة مجنّحة تحمل في داخلها البذور الجافة، فتلقيها في مثواها بين شقوق الارض، حتى تأتي أختها ريح الربيع. كما يلاحظ استخدام صورة الرياح التي تنفخ في ناي أو مزمار، أكثر من مرة، للدلالة على دورها في بعث الحيوية، ونشر الفن والموسيقى كإيقاع جمالي للحياة.

يشير المتكلم في القصيدة الى الريح عدة مرات، على أنها هائجة، متوحشة، برية ومتمردة لا تخضع لعنان أحد، وهذا أحد دوافع هيامه بها وتمنيه أن يكون على شاكلتها، أو أن يكون مجرد ورقة ميّتة تحملها. ينتقل الى صورة أخرى، حيث تقوم الريح ليس ببعث الحياة في بذور النبات على الارض، بل النظر اليها بما هي أساس الحياة في أعماق المحيط، وتتبدى حركتها في السماء بتحريك الغيوم كالضفائر. وهنا يلاحظ توظيفه أسطورة المرأة المتوحشة البرية، مينيد، في الأساطير اليونانية، التي كانت ترافق ديونيسيس في رحلاته. مينيد ترقص بكل نشوة وصخب ووحشية، وترفع شعرها للأعلى. وفي المقطع الثالث يتحدث عن دور الريح الغربية في إيقاظ البحر الابيض المتوسط من أحلامه الصيفية الهادئة، فالريح أحالت الهدوء والأحلام الى تيارات عنيفة وأمواج عاتية. ويلاحظ تردّدُ صور الموت والذبول والجفاف والقبر والأوراق المحطمة الميتة في القصيدة، مما يتفق مع المزاج الرومانتيكي الذي يستشعر الحزن حتى في أكثر اللحظات فرحاً كما قال شيلي في قصيدته الجميلة الأخرى "الى قبّرة": "إن أجمل أغانينا هي تلك التي تحكي عن أكثر الافكار حزناً"، ويذكرنا أيضاً بما قاله الشاعر الانجليزي الرومانتيكي الآخر، وصديق شيلي، جون كيتس في قصيدته الشهيرة "دعاء الى العندليب" Ode to the Nightingale حيث ترد الى خاطر الشاعر لحظات الحزن والالم والتفكير بالموت في أكثر اللحظات سعادة:

أنني أستمع اليك يا عزيزي، وكم من المرات

كنت مغرماً بمعانقة الموت السهل

لقد ناديته بأسماء لطيفة في أشعار موزونة الموسيقى

لكي يأخذ أنفاسي الهادئة في الهواء

لم يكن الوقت مواتياً مثل الآن من قبل للموت

 

تتبدى فكرة قصيدة شيلي "دعاء الى الريح الغربية" بشكل أوضح في المقطعين الاخيرين، حيث يعبر المتكلم في القصيدة عن أمنياته التي يرجو الريح أن تحققها له. لو أنه يصبح ورقة ميتة تحملها، أو لو يصبح سحابة تطير معها، أو موجة تشاركها عنفوانها. وهذا يتفق مع قصيدة كيتس الآنفة ويعكس المزاج الرومانتيكي الذي يستعذب الموت والحزن والكآبة ويحتفي بها في التعبير عن اليأس وذاتية الشاعر المقهورة التي تجد خلاصها في التحرر من آلام الواقع والتعالي عنه. لهذا يدرك شيلي أن هذه الأحلام تبدو بعيدة المنال، فيتمنى لو أنه يعود كما كان في صباه ـ وهو ما عبر عنه أيضاً رائد الرومانتيكية ومنظرها الأول وليم ويردزورث ـ فيكون رفيق الريح في تجوالها، وساعتها، يبدو حلمه بتجاوز سرعتها أمراً ممكن التحقيق. وتتضح مكابدة المتكلم ومعاناته في الجزء التالي من المقطع الرابع، إذ يتحدث عن أرزاء ساعات ثقيلة حنت ظهر إنسان شرود فخور بذاته مثل الريح، حتى صار ينزف دماً من أشواك الحياة. ويتمنى فيها أن يغدو قيثارة الريح التي تعزف بها، مثلما تعزف الريح بأشجار الغابة حين تصفر خلالها. يرى شيلي أن أفكاره ميتة ذابلة مثل أوراق الشجر، التي تنتظر من يحملها، ويبعث بها الحياة مرة أخرى كالريح. بل إن حلمه يتعدى ذلك ليتمنّى أن يكون الريح ذاتها! ويحمل البيتان الأخيران التساؤل عن الوعد الذي لا يكذب صاحبه، فبعد زوال الشتاء هل سيتأخر قدوم الربيع، الذي يمثّل موسم الحياة، من جديد؟.
طرحت القصيدة فكرة الرغبة في التحرر الذاتي من قيود الواقع المؤلم، والتحولات نحو كينونة أكثر قدرة على التغيير، كما عرضت علاقة الانسان بالطبيعة في إطار الحديث عن الموت والخلود. وتناولت الرؤى الرئيسة للأدب الرومانتيكي الذي يعلي من شأن الفرد وذاتيته، ويطرح همومه كإنسان معذب، يركب الخيال الجامح، ويفجر العاطفة الثائرة، ويحتفي بها وبالتعبير عنها بألحان حزينة تستحضر صور الطبيعة. كما قدمت فكرة التغيير والنبوءة التي يحملها الشعر في سعيه لبناء عالم أكثر جمالاً وشفافية ورقة يصون الانسان من معاناة الواقع، ويعيد اليه البراءة المفقودة.

 

أنشودة الى الريح الغربية

-1-

أيتها الريح الغربية المتوحشة، يا أنفاس الخريف

من وجودك الخفي تُساق الأوراق الميتة،

مثل أرواح هاربة يطردها ساحر،

صفراء، وسوداء، وشاحبة وحمراء قانية

مثل حشود منكوبة بالوباء! يا أنتِ

يا من تحملين البذورَ المجنحة َ مثل عربة،

الى مثواها الشتوي المظلم،

حيث تستلقي باردة هامدة،

كل واحدة منها، مثل جثة في قبرها، حتى

تنفخ أختك رياح الربيع اللازوردية

في نايها فوق الأرض الحالمة، وتملأ

السهول والتلال بأشكال حية، وروائح

(دافعة البراعم الحلوة مثل القطيع لتغتذي في الهواء)

أيتها الروح المتوحشة، يا من تتحركين في كل مكان

أيتها المدمرة، أيتها الحافظة، إسمعيني.. يا أنتِ إسمعيني

-2-

أنت يا من بتيّارها وسط اضطراب السماء العنيف

تدفعين الغيوم الواهية مثل أوراق الارض الذابلة،

فتهتز وتسقط عن أغصان السماء، والمحيط، المتشابكة

ملائكة المطر والبرق! فتنتشر عندها ضفائر العاصفة الآتية

فوق سطح هوائك الأزرق المندفع،

مثل الشعر اللامع حينما يُرفع للأعلى فوق رأس

مينيد المنتشية، من حافة الأفق المعتمة

الى أعلى كبد السماء!

أيها اللحن الجنائزي

للسنة المائتة، وحيث ستصير الليلة الداهمة هذه

قبة قبر واسع،

صنعها جبروت قوتِك المتجمعة

من أبخرة، ومن أجوائك القاسية

سوف ينفجر وابلٌ من المطر الأسود والنار. يا أنتِ إسمعيني!

-3-

أنتِ يا من أيقظت الأزرقَ المتوسط َ

من أحلامه الصيفية، حيث كان يغفو هادئاً

في خضم تياراته البلورية،

بجوار جزيرة بركانية، في خليج بايي،

وكان يرى في منامه قصوراً وأبراجاً قديمة،

تهتز في يوم الامواج العاتية،

وقد كستها الطحالب اللازوردية والزهور الرائعة

فيتخدّر الاحساس بتصورها.

أنت يا من تجمعُ قوى أمواج الاطلسي نفسها،

في دواماتٍ في إثرِ مساركِ، وتَسْمعُ في القاع بعيداً

أزهارُ البحر وغاباتُه الرطبة التي ترتدي

حطامَ أوراقِ الشجرِ الكثيفةِ الميتةِ في المحيط

صوتَـَكِ، فتصيرُ فجأة رمادية ًمن الخوف

وترتجف وتسقط عنها أشياءها: يا أنتِ إسمعيني!

-4-

لو أنني كنت ورقةً ميتة تحملينها،

لو أنني كنت سحابةً سريعة تطير معك،

أو موجة تتنفس تحت قوتك، وتشاركك

نبض قوتك، ولكن أقل حرية

منك، يا أيتها المتمردة،

لو أنني عدت، كما كنت في صباي، رفيق

تطوافك فوق السماء،

حتى يبدو تجاوز سرعتك السماوية

حلماً يكاد يتحقق- لما كنت كابدت مثلما

أنا الان في إبتهالي، وأنا في أمس الحاجة اليك.

يا أنتِ، فلترفعيني كموجةٍ، أو كورقةٍ، أو كسحابةٍ!

إنني أقع على أشواك الحياة! إنني أنزف دماً!

أرزاء ساعات ثقيلة قد قيّدت وأحنت ظهر

إمرىء مثلك أيضاً- شرودٍ، نشيطٍ وفخور.

-5-

فلتجعليني قيثارتك ، كما جعلتِ الغابة َ كذلك.

وماذا لو سقطت عني أوراقي مثلها؟

فصخبُ ألحانكِ القويةِ

سوف يأخذ من كلينا لحناً خريفياً عميقاً،

لكنه جميل في حزنه. فلتكوني أيتها الروح الجبارة

روحي! فلتكوني أنا أيتها الثائرة!

فلتحملي أفكاري الميتة فوق الكون،

مثل الأوراق الذابلة، لتعجّلي بولادةٍ جديدة

وبسحر هذه الأبيات،

أنثري كلماتي بين البشر،

كما تنثرين الرماد والشرر من قاع موقدة لم تنطفىء!

كوني مزمار نبوءة من خلال شفتي

لأرض لم تستيقظ بعد! يا أيتها الريح!

حينما يأتي الشتاء، أيتأخر الربيع بعده كثيراً؟

(ترجمة إياد نصار)

inassar98@hotmail.com

 * قاص و مترجم من الاردن