"خبز وسمك وحشيش" للروائي عبد الرحيم لحبيبي تخييل ذاتي لحياة واقعية

محمد يوب*
ذات يوم كنت كعادتي أتجول في سوق القريعة بالدار البيضاء،أنتقل كالنحلة بين ردهات المكتبات التي تبيع الكتب البالية،وأنا أفتش في الرفوف المتراصة أثارني عنوان رواية "خبز وحشيش وسمك" للروائي المغربي عبد الرحيم لحبيبي،الصادرة عن إفريقيا الشرق.رايتها تئن تحت ركام من كتب التي أكلتها الأردة وأصبحت رائحتها تزكم النفوس،وقلت في نفسي لاشك أن هذه الرواية تبحث عن منقذ يخرجها من داخل هذه الوراقة، وينقلها من عتمة الظلام إلى واضحة النهار لتأخذ حقها من الدراسة.
مددت يدي لأخرجها من تحت أنقاض الكتب المتهالكة فإذا بصاحب المكتبة يقول لي: أما زلت كعهدك تهتم بالكتب القديمة؟،أومأت إليه برأسي مجيباً إياه بأنني مازلت، وسأظل أقتني الكتب القديمة وأقرأها إلى أن أموت. كنت أكلمه وعيني على الرواية التي استفزني عنوانها واللوحة التي اختارها الروائي بذكاء لتلائم موضوع الرواية،أديت له ثمنها البخس الذي لا يغطي ثمن أي شيئ من متاعب صاحبها.
خرجت في اليوم التالي إلى المقهى،شرعت في قراءة "خبز وحشيش وسمك"رواية من الحجم الكبير مؤلفة من 232 صفحة تجري أحداثها في أحد أحياء مدينة أسفي الذي يسمى بحي السينية.وسمي هذا الحي بهذا الاسم نسبة إلى السانية، جمعها السواني، وهي كلمة تطلق على مجرى الماء العذب الذي يستغله الأهالي في الشرب والسقي والغسيل، وغيرها من متطلبات الحياة.
يبدو أن الروائي بعد عودته من السفر وبعد ما أكمل دراسته في الخارج، كان مولعا ًبمدينة أسفي إلى درجة الهيام،وقد خصص الفصل الأول للحديث عنها، واعتبرها "هبة البحر" وأن البحرهو المورد الرئيسي لسكان مدينة أسفي، وأنه يتصف بصفتين صفة العطاء وصفة الأخذ، فهو يعطي الناس من خيراته لكنه في كثير من الأحيان يسلبهم حياتهم (كان البحر جحيمه ونعيمه،سعادتها وشقاؤها) ص5 .
رغم ذلك كانت المدينة محطة اهتمامه ولا يفكر في مغادرتها، بل أكثر من ذلك لا يمكنه مغادرة حي السينية الذي كبر وترعرع فيه، وهذا ما سنعرفه في نهاية الرواية، لأن جميع أصدقائه غادروا السينية وآخرهم صديقه "الحامض" الذي هاجر الحي، وهجر الأصدقاء  من دون توديعهم.
خصص السارد في هذه الرواية فصلين للحديث عن مدينة أسفي، إلى درجة أن القارئ يشعر أمام هذا الانبهار، وكأن العمل رواية تسجيلية أو دراسة معمقة في تاريخ المدينة وجغرافيتها واقتصادها، وأثر معمل الجرف الأصفر في تغيير بنية المدينة وعقلية سكانها.وعند وصفه لتفاصيل مدينة أسفي سعى أن ينقل نبدة ولو موجزة عن هذه المدينة، التي تقبع على تلة تطل على المحيط الأطلسي .
عشقه للمدينة ولحومته التي ولد وترعرع فيها ، دفعه إلى الاستفاضة في الحديث عنها، وعشقه وولعه بها (لم أعد إلى أسفي وحدها،عدت أيضا إلى حومتي، فهي الضرع و الحضن و الدفء) ص17 .
لكن قارئهذه الرواية يتساءل: هل رجوع السارد البطل إلى أسفي مبعثه حبه للمدينة؟ أم حباً في حياة اللهو والمجون التي غرق فيها عندما شكل مجموعة تنغمس في حياة المخدرات والمجون إلى درجة الغرق في متاهاتها، والهيام بملذاتها الوهمية التي تزول بزوال دخانها؟ (عدت أيضا إلى البيت و الصحبة و الأهل والطفولة و المراهقة و الشغب و الذكريات المدفونة تحت ركام السنين)ص16.
أم هدفه من هذه الرواية نقل واقع متردٍ لمجموعة من الشبان اختاروا طريق العبث في الحياة، ظنا منهم أنها ستبعدهم عن هموم ومشاكل الواقع، من خلال معاقرة الخمر وتعاطي الحشيش؟.
أم أن السارد أراد من خلال نقل هذا النمط من الحياة، تبيان الجوانب السلبية لها، ليدفع أمثال هؤلاء الشبان إلى الاقلاع عن هذه السلوكيات المضرة بحياتهم وحياة الأشخاص المحيطين بهم؟، ولهذا فضل الروائي أن يكون هو السارد الراوي الذي ينقل الوقائع والأحداث  بطريقة غارقة في الوصف،لإطلاع القارئ على حقيقة هذه الحياة التي تؤدي في النهاية إلى موت بطيء.
إن ما يميز هذه الرواية هو أسلوبها الواقعي الذي يعتمد الوصف المباشر والتقريري، ويبتعد عن المساحيق اللغوية التي تغطي الواقع وتنقله مزيفا للمتلقي، وهذه الواقعية تبين بأن الروائي يمتلك ناصية الأحداث، ويعرف كيفية إيصالها إلى القارئ بنوع من الحرفية االتي تراقب سير الأحداث وتسلسلها بكل تفاصيلها ،كما أنه يتحكم في خصوصيات الشخصيات التي تحكي وتمارس لعبة الحكي الروائي،ويمنحها  الحرية في التعبير الفاضح لهذا الواقع الذي تعيشه على مضض،وتحاول البحث عن وسائل ممكنة تساعد على خلق واقع أحسن صورة وأبهى حالة.
هذه العفوية في نقل أحداث الرواية وهذه الطريقة المباشرة في نقل الوقائع، تكشف عن رغبة الراوي في التعبير عن ذاته وذات شلته، لنقلها للقارئ من أجل أخذ العبرة والموعظة ، وفتح كتاب الماضي لفضح لا أخلاقية هذه الحياة المتعفنة التي يمقتها الراوي ولا يرضى عنها، لكن ظروف الحياة ومعاشرة أصدقاء السوء تفرض عليه قبولها، وأخذ المزيد من جرعاتها.
إنها رواية تدخل في إطار تخييل ذاتي، ينقل نبدة عن السيرة الذاتية التي تنهض وتتحرك على أحداث الماضي، لكنه من حين لآخر يعبر عما يتطلع لتحقيقه في المستقبل، إنها رحلة تنتقل من الزمن البعيد للدخول إلى مشارف المستقبل، مستخدما أفعال المضارعة للدلالة على السيرورة/الصيرورة والرغبة في معانقة المستقبل، وتحقيق حياة أفضل.
ونلاحظ بأن الراوي يتابع أحداث الرواية "من خلف"، يحرك الشخصيات بالطريقة التي اختارها، بل يتدخل في سيرها وفي مواقفها وغالبا ما نجده متعاطفا مع الشخصيات المثقفة التي تريد خوض عالم السياسة ،من خلال رؤية مخالفة،رؤية شمولية إلى العالم.ويظهر هذا من خلال مواقفه السياسة(كل ما حولنا كذب في كذب،حرب الستة أيام،في ستة أيام دمرتنا إسرائيل و استولت ىعلى عروشنا و أرضنا ومقدساتنا)ص68 ومن خلال إعجابه بشخصيات مثقفة وخاصة شخصة "جلال رجل التعليم الوسيم المثقف"(صورة جلال الباسم النضر البشوش الفتان....)ص241.

 "خبز وحشيش وسمك" رواية تنقل الواقع المرير للوصول إلى أهداف تربوية وأخلاقية لم يفلح في إيصالها الخطاب الوعظي المباشر، بل وصل إليها البطل من خلال تناصه مع مجموعة من النصوص الدينية التي وظفها توظيفا أدبيا يليق بتقنيات الكتابة الروائية.
بقيت الرواية مفتوحة على جميع الاحتمالات،هل انتهت احداثها  بتفرق شلة الاصدقاء(رحلوا جميعا،ضاقوا بالسآمة والملالة والمكر والنفاق، فهاجرواعلى صهوات الرموز )ص230 ؟ هل سيعود البطل إلى رشده ويبتعد عن هذه العادات السيئة؟ أم أنه سيبحث عنهم وخاصة عن صديقه "الحامض" ليستمر معه في حياة المخدرات والمجون ؟وهل الرسالة التي كتبها يريد توجيهها إلى الحامض؟ أم هي رسالة إلى القراء لمعرفة مصير من يسلك هذه الحياه الغارقة بين الخبز والحشيش و السمك؟ كل هذه الأسئلة تفتح المجال للقارئ للتساؤل عن البعد الدلالي لهذه الرواية، والحمولة الفكرية العميقة التي يحملها الرؤائي ويحاول إيصالها للقارئ .

 

27/02/11

* ناقد من المغرب