حوض مالح *

حسين نشوان**

هذه الأوراق ليست لي، ولا أستطيع ادعاء أن أيا من حروفها يعود لشخصي، سوى أنني بدافع الفضول تصفحت الأوراق الرطبة التي تحوَّل بياضها إلى اللون "الكركمي"، الذي يشبه وجه الميت، فانسرقت إليها.

وللحق لقد أرعبتني بمقدار ما أوقعت الدهشة في داخلي!.

صحيح أنها مرتبة بعناية ومتتابعة بترقيم في الصفحات، إلاّ أن الخط كان باهتاً، ومتشابكاً، وهو ما ينضاف إلى أن طريقة الكتابة تشير إلى أن الكاتب "الراوي" لم ينج من تشتت ما، أو أنه كان مريضاً.

ما يحمل الراوي على مثل هذا القول: إن الهوامش تغلب على المتون، وأحياناً تقضم الحواشي رؤوس الكلمات في النص، ولسبب ما أو سهو أودع الكاتب خطاطاته عند شاهد قبر، ولم يترك ما يفيد عن هويته أي شيء.

أغلب الظن أنني لن أضيف إلى قرطاس عُني صاحبه بتزويقه كثيراً سوى تحقيقه بتدخل طفيف، خصوصاً عند الجُمل التي حاول الكاتب إخفاءها بالكشط والشطب إلى الدرجة التي أحدثت خدوشا في الورق، ما دفعني إلى الاعتقاد أن ما أسرَّهُ الكاتب الغائب/ الراوي ينطوي على أهمية تفوق ما أعلنَه.

وظنا مني  أن ما أخفاه يمكن أن يقود إلى معرفة هويته من خلال تلفون أو اسم أو عنوان لمكان، إلا أن ما ظننت ذهب في طيش توقعاتي وخاب، لم يبق سوى القارئ الذي ربما تحمله الصدفة لمعرفة ضالتي.

بدوري أدعوه أيضاً- القارئ - أن يتحسس وجهه، وأستميحه عذراً إذا ما وجد أن الراوي قد أضاف ما أثقل النص أو أدى إلى تزييفه.. فله أن يشطب ما شاء أو يضيف ما يرى متمماً لهذه الأوراق.

فهي كما أسلفت: رواية/ حكاية، أردت منها أن تكون دليلاً على وجود شخصية حقيقية للكاتب/ الراوي، وأنها من لحم ودم، ولسبب ما ترك "هذه الأوراق".

 وإذا ما رأى أي من القراء أنها تعود له.   فليوقع اسمه في أسفل الصفحة.  بوصفه مؤلفاً:

ينفذ الضوء من سطح يشبه الغربال إلى مؤخرة رأسي فأُصاب بإغماءة ويجفُّ ريقي، فأشعر أنَّ الأرض مَركبٌ صغيرٌ يسير على تَلّة من الأمواج Kينحدر إلى القاع فتداهم العتمة محجر العينين فلا أسمع سوى ما يجري في عروقي يخفق نقيقَ ضفادع ثم يتلاشى بعيداً.

صوت النساء اللواتي تجمَّعن حول السرير البارد يقرص العظم بحدة، فأهرب من الجلبة إلى غرفة معتمة.

لا أعرف أين أنا، سوى ما أراني دودة في كون يفيض بسحب الغبار والحمم وصهارة بركانية تجري في جسدي وتهبط من رأسي إلى أخمص قدميّ.

آخر ما أتذكّر، عتمة تحلُّ على الكون فتصيبني رجّة تشبه الزلزال، تدور الجدران بسرعة لم أميز لونها، الأثاث تحوّل إلى كومة كراكيب، قطع صغيرة تركض في خط يشبه السهم وراء مغنطيس متبوعاً بسحابة من العتمة.

يهتز جسدي. سمعت انهياراً فوضعت يدي على رأسي، لم يكن غير العرَق حاراً. آخر ما تذكرته عندما غادرت سارة الغرفة.

شَهقْتُ، وقع فنجان القهوة من يدي، سمعت سقوطاً مدوياً. أظن أنه أغمي عليّ. ربما أحلم.. كوابيس تقـع علـى رأسي. لا.. ليست أحلاماً، فالأمر لا يخلو من شيء واقعي وثقيل يمكث على صدري.

أسمع خطى أقدام تدور كرحى تجرش عظامي، أصوات تزعق، يضيق المكان حتى خيل لي أنهم أعادوني إلى زنزانة انفرادية. ربما في الأمر التباس، غير أن تَتابُع الضجيج وأصوات النساء والجلبة خفف من ظني باحتمالات اعتقالي التي تلاشت بمجرد مراجعة ميزان أفعالي. أحضر أفكاري للكتابة قبل أن تدخل سارة وتضع الأوراق على الطاولة.

 - هذه أوراقك.

ألفيت نفسي محاصراً في مربع أقرب ما يكون إلى القبر، أو الحفرة التي لا تتجاوز بظني المترين في أبعادها السبعة. حفرة باردة تنتشر في أركانها رائحة نفاذة، تغرق بالأوراق والحبر. ما الذي جاء بكل هذه الأوراق بجواري؟.

رائحة الحبر ثقيلة، تندلق في رأسي العتمة، منذ كنت صغيراً أخاف الليل والوحدة. أحاول الهرب، أحدهم يمسك بقميصي من دبر ولا تحملني قدماي أسقط كدودة عن غصن لاعبه جنون الريح..

يمتصني التراب إلى الأسفل فأختنق، أقلب عيني إلى جورة الرأس وأركض في متاهات مظلمة تقودني إلى ما كنت فتنهدم عريشة الذاكرة مرة واحدة. تسقط كسقف البيت على الناس نياماً فيختنقون بالخوف والضجر.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

الكوابيس تمزق عقل الإنسان. الأفضل للخروج من حبائلها أنْ أعيد قراءة ما كتبت، بالأمس كنت قلقاً، وثمة زوائد تفيض على الهوامش.. أقلّب الأوراق التي تركتها سارة، رسائل، كتباً، قصائد، سلاسل فضية وضعتها في صندوق وأحكمت عليه الرباط؟ أشياء كثيرة، ولكل منها حكاية وذكرى.

أركنت الأوراق جانباً، وعدت للكمبيوتر. أضع يدي على الفأرة، أنقر على الملف. أصابع سوطية تشبه أذرع الأخطبوط، تمتد من الشاشة، تلتف حول رقبتي وخاصرتي وتقيد رجليّ وترمي بي إلى حفرة، تترك جسدي لعبث الفئران التي تغرز مخالبها في صدري. تشم الفئران ملابسي، تدخل تحت القميص تسبح ثم تهبط، تعض أسفل السرة.

أصرخ، تتعارك الكائنات فوق صدري، لا أستطيع طردها، تقف على رجليها، تمد يديها إلى عيني وأنفي وتبول. أحاول إبعادها بلا جدوى. أحاول جاهداً أن أنظر حولي فأرى طفلاً صغيراً، يشبهني تماماً، بل هو أنا، طفل نحيل بعينين تشبهان ثقب النمل، حزينتين، لا يتكلم بشيء، تجول عيناه المكان ويدقق كثيراً في الأشياء الصغيرة.

رجع قليلاً عن الحافة، دفع التراب على الكائنات المقرفة، أقصد الفئران، فأمست أوراقاً صفراء تشبه جلد الماعز سُطرت بخط أنيق وعناية وترتيب، بعضها سقط في الهامش بكتابة تشبه خربشات الحجب والتمائم:

 الناس تصحو في لجة الموت ولا تصحو من خدر الحياة.

"الناس سكارى وما هم بسكارى".

 الناس نيام فإذا ماتوا أصابهم الصحو.

 يهيل الصغير التراب بكعب قدمه، يضحك:

 - تريد الكتابة، هذه هي الحكاية.

 يشير بالسبابة إليّ:

 - انهض.. لن تستطيع، أنت مجرد دودة لا تقوى على الهرب من قدم القدر.

تركني، أدار ظهره شابكاً يديه خلف ظهره. صرخت:

- حنظلة.. حنظلة..

لم يسمعني، تلاشى في العتمة.

 

***

عتمة كاملة.. تركض المشاهد أمامي بسرعة كما يحدث في السينما. إضاءة في الزاوية. ليست إضاءة بل ارتعاشة تقاوم جيوش الليل. تسقط على وجه الرجل الذي لا أعرف من أين أو متى جاء، يظهر نصف الوجه حاداً كالفولاذ، خلفه جدران صماء وظلال تتكسر على الأرض، ينهض فيتبعه ظلُّه. الصور تشبهني تماماً، لكن ها أنا ذا أمامي، أنقب في سطور الرواية، أما هو فقد ضاق بالظل، يريد أن ينزعه.

للحقيقة حاول بسذاجة أن يتخلص من ظلِّه بنزع ملابسه، لكن الحراس سخروا منه، بعضهم ظن أنه جُنَّ أو.... في النهار يحكي للجدران أسراره، وفي الليل يستحلفها الكتمان. هو نفسه لا يعرف متى يجيء النهار أو يرحل الليل، لكنه يتحسس الأمر يإيقاع جسده أو قل بحيوية الفحولة، القراءة ترتبط بالضوء، وعندما يدخل منطقة الهلوسة يعرف أنَّ النهار غَرُب، هكذا يتعامل مع الزمن، ولفرط ألفته مع الحائط لم يعدْ يميِّز بين قلبه وصمتها. مرات يحضنه، ولطول إقامة ينسى مخارج الحروف وحس اللغة، فيلثغ. يظن أنه ينهر الصبح كما الديك، لتخرج الشمس إلى النافذة بملابس النوم طرباً لصوته، وأن الجبال كائنات نسيها التاريخ وراء المدن والقرى بيوتاً لنوم الغولة، والجدات ولدتهن أمهاتهن على ما يراهن، جدائل بيضاء مضمَّخةً بالحناء وخرز وآذان مشرومة.

أراجع مبتدأ الرواية، أقلب الصفحات سريعاً إلى الفصل الثاني مباشرة دون المرور بالتفاصيل. أعود إلى البداية مرة أخرى لإحساسي أن ثمة سطوراً مفقودة. أقرأ الجملة مرة ثانية. أضحك من استنتاجي المتسرع بيقين العارف العليم. تغيرت الأشياء تماماً، تغير الزمان والمكان والشخصيات، لا بد من تغير طريقة الكتابة وأسلوب الروي. الكتابة من الذاكرة لا تخلو من تحيز ما، لا بد من حيلة تفتح للبشر كوة لما أغمضوا عنه، يقلبون عيونهم إلى داخلهم قبل أن يكتشفوا في المحطة الأخيرة أنهم اختاروا الطريق الخطأ، وعندما يحاولون العودة يكون الجسر الذي تركوه وراءهم انهار تماماً.

 

يكتب على الهامش:

الزمان مضلل، المكان ليس حيادياً، كلّ شيء في القرية/الرواية له ظلال من الأسطورة- سلالات الأشجار والجبال والأودية والحجارة تكتب على الناس مصيرهم، وبعرف أهلها من لا ينتمي لغصن أو جذر أو ساق شجرة يعيش ويموت غريباً.

الكتابة رحى تدور على فم البئر وساقية الغيم، حكاية شيطانية لا يتعظ بها البشر.

"الناس تغيب وتبقى الخراريف".

هذه بداية جميلة. لكن سيقولون: أين الحكاية؟ معهم حقّ.. أنا الحكاية.. والنص.

***

 أضع رأسي على الوسادة فتندلق الذاكرة كالنزيف، تعود إلى غبش الماضي، وقت كانت تعلن الطبيعة عن صباحاتها بأصوات الماعز. رائحة الطوابين، روث الدواب، همهمات الرجال وسعالهم. أتخيل المشهد. يمرّني كل مساء عندما أعود من العمل منهكاً لفم الجدران الباردة. تفوح الحكاية من رطوبة الزوايا، تعود الصور.. عبد الله، جابر، وضحا، يوسف، فاطمة ورابعة. لم تبق غير الصور. أصبح رأسي مقبرة للأموات، لكنهم يعودون عندما أغمض عينيّ، يتسللون في العتمة أشباحاً.

يفتح عبد الله الزريبة، يمشي وراء السخول الصغيرة، شاكياً- السخول تعذب الرعيان، تتقافز بعيداً، عندما تشعر بالوحدة تضج بالثغاء. قبل أن يرد الباب الخشبي الثقيل يقول لجابر:

 - وضحا تسلم عليك. تقول لك الرمان اشتاق للمطر..

وتلعثمت الجملة في فمه. ضحك جابر، وأشار له أن يسبقه إلى خربة جناتا.

أركض خلفه في المكان، أقصد المكان يركض خلفي متلبساً الحكاية، وعورة الجبال وكثافة الأشجار التي تتسلق التلال تقف على ضلع الصخر وفم الكهوف نساء أساطير كنعانية، توحي بها وترتب كلماتها: "بين زيتا وجناتا مغارة ملانا ذهبانا".

يقع الخوف في قلب الصغير الذي كانه عبد الله حين يتذكر ما يقول الرعاة عن امرأة تخرج في الليل عارية، لها وجه أنثى وقدمَا بقرة. يقسم بعضهم أنه رآها وسمعها، تغني، يصيبه الرعب، يؤنس رحلته بأنفاس الشبابة، يجرح الصمت ويلوذ به.

تقاطعه وضحا من وراء زيتونة بحجم أكتاف الرجل:

 - أوف أوف أوف..

 - أدخلتِ في قلبي الرعب، ظننت أنك جنية.

 - يا شاطر الجنيات لا يخرجن إلا في الليل، نحن جنيات النهار، وإذا خفت اشربْ من "طاسة الرعبة".. أين جابر؟

 - سليحقني على الفرس، يضع القصبة على فمه.

 - أسمعنا أغنية مشعل.

 - لا أعرفها، سأعزف جفرا.

 - يا شاطر، مشعل كان راعي مثلك، عندما يضع الناي على سنه ويعب النفس، يذوب الصخر.

 - يعنى هو ليس أغنية.

 - لا.. كان شاباً مثل البدر، وحبيبته مثل الشمس اسمها قطر الندى، اتهمها أهل القرية بشرفها، أهلها سدوا أفواه الناس بتراب القبر. قالوا: موتها يغلق باب جهنم الذي انفتح علينا. ذبحها شقيقها وهي تحضنه، وتقبل رأسه، تقول: أنا بريئة ومظلومة. صارت قصتها حكاية وأغنية. بعد زمن، رأى الناس في المكان الذي قتلت فيه درجاً يصعد من الأرض إلى السماء، وقطر الندى على فرس بيضاء، تلبس الطرحة وثوب العرس، تغني "أوف مشعل"، وصار المكان مزاراً.

- يعني مثل جفرا.

- نعم، لكن جفرا صبية جميلة تحب ابن عمها، وابن عمها مع الثوار، قسامي.

جفرا أخت الرجال تُهَرِّبُ السلاح للثوار، حبسها الإنجليز عشرين سنة وصارت جدائلها بيضاء، ظل حبيبها ينتظر، زفوها على الفرس أمامها عشرين أصيلة وخلفها عشرين مثلها.

***

يختلط الكلام والوقت والأشخاص والصور، الأصوات تطن حولي كالنحل، هل هو يوم القيامة؟

أنا أحلم. لا.. أنا ميت. لا أعرف. ربما كابوس. كابوس خانق، ثقيل يربض على صدري صخرة.

تقول جدتي "الموت في الحلم، طول عمر".

لا أستطيع التركيز، الشخصيات والكلمات تفر من الرواية، تلسع وجهي وعيني فأنتفخ كالبالون، أشعر بالغثيان والهواء الذي يملأ جوفي يسخن بسرعة فأطير وأرى البيوت مثل علب صغيرة والناس يدبون كالحشرات، أشعر أنني تحولت إلى فراشة.

الفراشة عندما يحين أجلها تغادر إلى قبرها في بطن السماء، تحلق إلى أعلى مسافة حتى تفارقها الروح، تعيش سبعة أيام وتكابد سبع ساعات لتموت.

الرواية حياة تعيد الموتى بحيلة الحكاية، لكنها لا تستطيع إعادة سارة التي تركتني منذ يومين لقدر لا نستطيع رده. قالت:

 - حدود مقاومتي تلاشت، وأنت لم تفعل شيئاً.

 - امنحيني فرصة.

 - عندما أمتلك ذلك.

 وأدارت ظهرها.

 تحول النهار إلى عتمة، احترق الهواء في الغرفة التي غرقت بالصمت، لم يكن حولي غير ما يسيل جواري من همس، وظلَّين يرتعشان على الأرض. جابر ووضحا يبرد صوتهما حرارة المكان:

 - أحضرت لكِ من الخليل منديلاً وسوار فضة، مقدم المهر.

 - أنت يا جابر مَهري، تضمني تحت عباءتك، أسند راسي على صدرك وسادة لروحي، تحكي لي عن بحر يافا لأغفو، أمنية أن أرى البحر.

 - البحر غدار يغوي الجميلات.

 يتركان صدى ضحكات تسبح في المكان.

في اللجة صوت جدي عبد القادر، كأنَّ السنين عادت به شابّاً. منذ عرفته لم يتغير، عجوزاً محني الظهر بلحية بيضاء وطربوش من بقايا بني عثمان ومسبحة تتدلى في رقبته، ولا يملك غير الحكاية. أعادها علينا مئات المرات. يقول: يا أولاد تعالوا، كان يا ما كان.. ذاع خبر استشهاد جابر، ضاقت الساحة المحاذية للبيت بالرجال، صهلت الفرس الصهباء: ربنا يستر. ركب عبد الله الصهباء، سابق الريح ليعود بالخبر من حدود مدينة السبع، يلكز الفرس، يقول حيلك فـ"تُربع"، يرى الأرض تركض خلفه، يصرخ "يا بلاد اخلي لي". يطرق برأسه: "اليهود خرجوا من جحورهم كأفاع في الصيف، يلقطون النمل عن الأرض، ورابعة اللافي أم جابر تنشل الكلام من قاع بطنها تلومني: "ضاع الكبير وتريد يا عبد القادر أن تضيّع الصغير؟".

في الطريق إلى بئر السبع أصاب الولد الرعب، تذكَّرَ قصصَ جدته حلوة عن الجنيات والغولة والضباع: "الضبع يبلل ذيله ببوله ويرشق "البني آدم".... يصير الزلمه المضبوع مثل "الخرخيشة"، يركض وراء الوحش وينادي .. وقف يابا. يظن أن الضبع أبوه، يدخل إلى كهف الوحش مثل طفل يسبح ويناغي. تهز رأسها .. تفكر الموضوع لعبة.

الضبع مرة سرق عقل أحد من الحراثين، رجل كبير بلحية وشارب مثل جناح الغراب، ولما وصل المغارة قام ضرب رأسه بالصخرة على الباب، لما سال دمه صحي، الله لطف به، كان طحن عظامه. ولما صحي الزلمه، قال: "إخص، إخص يا أبو الفطايس، ونزع ملابسه مثل ما ربنا خلقه". الوحش لا يقترب من الإنسان العاري ويخجل من الحرمة إذا رفعت ثوبها، يوطي عينه في الأرض.

هذا الزلمة ظل يمشي، والوحش يمشي وراءه ويضرط، حتى وصل البلد، وصرخ بالصوت. قامت الزلام تصرخ: "طلع جدك طخ الضبع"، وتضع يديها بين ساقيها، " طخ الضبع سبع فشكات، وقلب على ظهره".

أمسكت بالصغير، دقت ظهره بالأرض ونامت على صدره وهي تضحك.

"طخ الضبع سبع فشكات".

لم أكن أعرف أن جدي بخفة الدم هذه، ظننت أنه "لا يضحك للرغيف السخن"، يحكي عن خياناته لرابعة:

أمسكت بي مسك اليد في طور خربة الرسوم، تركت الأغنام في بطن الجبل، ولحقت شفا الراعية، كانت تصهل مثل الفرس وأنا أهصر جذع النخلة ويهر الرطب..

كنت مرتبكاً وأنا أستمع إليه وأبتسم. أستعيد صورة الرجل الصارم. لكزتني جدتي محبوبة: "ما بك تصمت طوال الوقت؟ أنت لا تتغير، الأدب هنا لا ينفع. هناك حياة، وهنا حياة، فك قيدك. بعد هذا لن يكون لك ما تبحث عنه، يشبعك التراب ويعبئ عينيك".

***

الذئب والبومة فأل شر يتشاءم الناس منهما، ويتعوذون بالله، ونباح الكلاب التي تبحث عن رائحة "الفطايس" بلا طائل لا تثير سوى النزق، تنبح حتى تتشقق مؤخراتها، أما الزغاريد فتثير الفضول والفرح، وتحديداً للأطفال الذين خرجوا يتراكضون حفاة وهم ينغمون كلماتهم:

 جابر رجع..

 جابر رجع..

 عاد السبع.. عاد السبع

تقاطر الرجال والنساء إلى بيت عبد القادر: "الحمد لله على السلامة، كُتب لك عمرٌ جديد".

مدّ عبد القادر يده مصافحاً ثم طوقه بيديه ومال عليه: "الحمد لله على السلامة، أمك تريد أن تراك، حرقت قلوبنا يا بني".

غاب جابر قليلاً، ثم عاد. لم يعرف عبد الله ماذا يقول، شعر بزهو يمكّنه من الجلوس بين الرجال، ويمنحه حكاية يقصها على الأولاد، وجائزة من وضحا، تعبئ جيوبه "حامض حلو". يتوسط الجميع، يطعم النار الحطب، ويصب القهوة، ويرخي أذنيه للكلام. يتمتم: لو كنت مكانه، أقصد جابر، لجلست في صدر البيت ووضعت البارودة في حِجري، غلظت صوتي، تكلمت مثلَ أبو زيد الهلالي:

البارودة امرأة، ينبض جوفها بالدفء والحرارة عندما تشعر بالبرد، تسند ظهرك بها، "البارودة والفرس والمرأة لا تعار"، تضعها على جورة الكتف وترمي فتتهيج باللذة.

يرفع عبد القادر يديه، يتوسط الساحة، فيرتخي الصمت: يا رجال، عودة جابر بالسلامة غنيمة، أحيت قلوبنا، نريد أن يكون فرحنا بفرحتين، نخطب وضحا بنت أبو كايد. غداً بعد صلاة الجمعة نتناول طعام الغداء، ونمشي إلى دار العروس، لا يتأخر أحد، الحاضر يعلم الغائب.

قطع تخيل الصغير لمشاهد العرس صوت من بعيد.

 - صحيح يا جابر اليهود قطعوا خط السبع الخليل؟

أتخيل جابر يلبس عباءة العريس البيضاء، يزف على الفرس، سبعة أيام بلياليها نلعب الدبكة والسامر، طراد خيل في السبق.. جابر فارس، يسابق الريح، قناص عينه مثل عين الصقر لا تخطئ، في الدبكة مثل الحجل،

الرجال ليس لهم سوى الحديث عن النساء والحرب، حتى هذا العجوز الذي لا يستطيع المشي على أقدامه، يصيح: اليهود جبناء يخافون السلاح الأبيض.

 - لعنة الله عليهم، خون، لا يقدرون العِشرة، طول عمرهم يعيشون بيننا، تقاسمنا الحلوة والمرة، في التالي "يخونون العيش والملح".

 - في يافا وحيفا كانوا يختبئون في "الكبانيات" مثل الفئران في الجحور.

 - اليهود اليوم مسلحين بـ"البرنات" ومدافع "الفكرز" والدبابات والطائرات، وضعوا أيديهم على مستودعات البريطاني، و"الكبانيات" مليئة بالأسلحة.

 - نحن لا نملك غير العثماني والبنادق الألماني، عندما نطلق طلقة يبذرون الأرض بالرصاص.

 - الجيش المصري لديه سلاح ومدفعية وعتاد، لماذا لا يتحرك، وجيش الإنقاذ مدرب جيداً

 - لا يعنيهم طرد اليهود، همهم بطونهم، وليس لديهم إرادة، ينتظرون القرار من القاهرة، و"ما بيجي الترياق من العراق إلا المريض ميت"، وذخيرتهم "فشنك" طلق فاسد، بعيني رأيت وهج الرصاص يرد من بطن الطيارة اليهودية، وهي تتغندر مثل العروس، .. يا عمي سلاحهم وعتادهم مبرّد، وفاروق عميل إنجليزي.

 - "لماذا لا نقول للباطل باطل في عينه"، السيف، "الشبرية" لا تقابلان المدفع والدبابة، العصابات تصب النار وهي تتحصن بالحديد.

 - الموضوع فيه خيانة.

 - بأم عيني رأيت المدرعات تزحف من جهة بيت جبرين، وتسبح في الوادي مثل السحالي، وسيارات من جماعة الهدنة تتجه شرقا، العصابات سيطرت على أطراف القرية ومداخلها، وطوقوا البلد من ثلاث جهات.

قال عبد الله:

-    لا أعرف ما الذي جرى، كان عمري عشرة أعوام، سمعنا إطلاق نار وقامت القيامة، ركضت إلى البيت، وعند الظهر توقّف الرصاص، ظن الناس أن العصابات انسحبت، لكنهم عادوا. وقعت المجزرة.

 

*فصل من رواية للمؤلف بالعنوان ذاته.

** كاتب وتشكيلي من الأردن