حوار معه

سلام زواهرة*

جلست أمامه بكامل زينتها وحزنها.،أحكمت ربط الشال الأسود حول شعرها الفاحم ووجهها الأسمر ابتسمت ما أن ألمحت طيفه وهي قادمة من بعيد. كان المكان يغص بالأسماء. ذلك النوع من الأسماء الذي يفقد ملامحه ،ولا نكاد نستبين منها إلا ما ترسمه لنا مخيلتنا المتعبة، ونحن ننسج ملامحهم وفق أسمائهم وأعمارهم التي نقشت بعناية. دأبت على قراءة الأسماء وهي تتقدم نحوه." محمد...أحمد...أم ابراهيم...محسن....مجدي....صبحة ". كانت تترنم بأسمائهم الغريبة القريبة، وأخيراً وصلت. تنهدت بأسى وحزن..وحب وتماهت معه وهي تقرأ اسمه منقوشاً بعناية ، بعناية فائقة "سائد محمد الخال". جلست ووضعت بقربه ورداتها التي اختارتها بلهفة لأجله بألوانها التي يحبها ويفضلها... ابتسمت وقالت له:

-         هذه لأجلك...احترت وانا أنتقيها.

-         ..........

-         جئت لأطمئن عليك...كانت ليلة الأمس ماطرة جداً، رجوت الله أن لا يؤذيك البلل والبرد والرطوبة.

-         ..............

-         لقد بقيت وحيدة ليلة الأمس. لم نخرج معا لنمشي تحت المطر كعادتنا..وأنت ماذا فعلت ؟هل خرجت أم بقيت وحيداً حزيناً مثلي ؟.

-         .................

-         أعرف...أعرف ذلك وأنا اشتقت لك كثيرا.هل تصدق لقد فقدت قهوتي مذاقها الخاص بدونك. أين أنت، لماذا رحلت،لماذا تركتني؟.

-         .........................

-         لا تدافع...سائد أرجوك لا تدافع، أعرف أنك رحلت رغما عنك  لكنك رحلت وقد وعدتني ألّا  تفعل..

-         ...............

-         أحمق أنت، وهل سيملأ ذلك الفراغ الذي خلفته وراءك أحد...أحمق أنت ولا تعرفني أيضاً وتلك السنوات التي قضيناها معا أين ستذهب؟.

-         ............................

-         سائد لقد اشتقت لك.اشتقت كثيراً.أتذكر تلك اللحظات التي كنا نسترقها من الدنيا ورغما عن أنف الجميع. هل تذكرها؟ هل تحن لها كما أحن؟ أتذكر مطر نيسان.ذلك المطر الذي داهمنا ذات مساء، في مساء جميل كان خفيفاً رائقاً ناعماً أتذكره..بعكس مطر ليلة الأمس؛ أنت وحيد هنا وأنا وحيدة هناك..كان المطر كثيفاً غزيراً جائعاً لشيء، آه لو تعرف كم قلقلت عليك ليلة الأمس. هل شعرت بالبرد،هل شعرت بالتعب؟. أعرف أن البرد لا يواتيك، كم كنت أسخر منك وأنت ترتجف تحت المطر وتسعل بشدة، وعندما أطلب منك أن نعود للمنزل أو نختبئ، ترفض وتقول" لا أستطيع إلا أن أكون ريشة تحت هذا المطر...أنا سعيدبالمطر وسعيد لأني بجوارك" والآن هل كنت سعيداً بالمطر وأنا بعيدة عنك ولست بجوارك .

       ظل سؤالها عالقاً في الهواء بلا جواب.

  تلفتت حولها يمنة ويسرة  وحانت منها التفاتة الى الخلف، ولم تصادف وجود أحد. نهضت متثاقلة ، نفضت تراب المقبرة عن ملابسها ولفّها الطريق.

 

* كاتبة من الأردن