جنة وآدم (رياض العشاق)*

عبدالله المتقي**
حوالي العاشرة صباحا :
الغرفة مبعثرة ، قنينة ماء معدني ممددة على سجادة حمراء قديمة،
معطف جنة وسروالها ، ملابسي الداخلية ، أوراق ممزقة على الطاولة ، غطاء السرير الجاف وهاتفها المغلق .
ضحكنا من هذه الفوضى المنظمة ، وانسحبنا هكذا :
(ذراع جنة يلف كتفي ، وذراعي تلف كتفها).
الأزقة ضيقة للغاية ، باردة ، رطبة  وتكاد تجعل كل اليوم ليلاً ، فوقنا أسطح مطلية بالأبيض، على يميننا وعلى يسارنا حيطان موغلة في التاريخ وقابلة للانهيار في أية لحظة وكثير من القطط وقمامات الأزبال .
كنت أشرب الشاي وكانت جنة تحتسي عصير ليمون، وهي تتصفح مجلة ثقافية اقتنتها قبل قليل ، قرأت لي :
( لكي نعرف كيف نكتب كلمة حب ،
ينبغي ، في كل مرة نكتبها ، أن نجدد الحبر،
ليس لأن هذه الكلمة لا تنفذ أو لا تستنفذ،
بل لأنها هي نفسها تتجدد ،
كلما استحمت بين شفتين عاشقتين).
كنت أركز تماما وأنا أسمعها تقرأ لأدونيس بصوتها الغجري، كنت أتمنى من أعماق قلبي أن يتوقف نبض الحياة في هذه المقهى، وأنام بين شفتيها .
- والآن إلى أين ؟ تقول جنة.
استفقت من سكرتي ، ترددت ثم حسمت الأمر بأن أجبتها:
- إلى الميناء.
اقتربت مني ، قبلتني على جبيني ، وهمست بغنج:
- هيا حبيبي
)تعالي نلتقط صورا للنوارس قبل دخول الميناء ، تعالي نلتقط صورا للصخور والزبد ، تعالي نتأمل القوارب الزرقاء التي تعطلت عن عناد الموج ، تعالي نلتقط صورا للنوارس ثانية وهي تحلق فوق أكوام أحشاء السمك ورؤوس أرامل البحارة ، تعالي نشم رائحة السمك،  تعالي ألتقط لك صوراً قريبة من سفن الصيد ،تعالي نغمض عيوننا، ونسترق السمع للبحر يتنفس بإيقاع هادئ ، تعالي نحس بنا نهبط ونعلو فوق الموج كما النوارس، و تعالي نستريح في مقهى البحارة المتقاعدين).
ذلك اليوم كانت الريح قوية ومحملة بالرمال التي تلوث الأسنان ، وكان يجب أن نحتمي بالصقالة ، التي كان درجها باردا ، وينتشر فيه ضوء خافت لمصابيح قديمة ، كانت جنة ترتعش من البرد ، تتشعبط في تلك الحبال المفتولة كما طفلة في سن التمدرس، وكان قلبها يطفح بالفرح .
شعرت برغبة في اللعب معها ، إلا أني كبحت نفسي من أجل أن أفسح لها المجال كي تشعر بالسعادة لوحدها ، وكي تنسى ندمها .
في فضاء الصقالة  وقفت جنة مسحورة : مدافع تطل على البحر من كل الجهات، سياح يهود يلتقطون صورا للذكرى، قطط تتحين الفرصة كي تنقض على النوارس، جنة مسرورة جداً الآن ، تجلس فوق مدفع ما ، تغازل قطة، تطل على البحر، وتلتقط الصور لها ولمدينة النوارس من هاتفها النقال .
في فضاء الصقالة شعرت وجنة بتأثير نقاء الهواء وسهولة التنفس وبسعة الأفق على الروح .
- ” الجو منافق هنا يا آدم ” تقول جنة
- ” ……. ؟”
(حوالي العاشرة، كان هادئا، قبل قليل كان قويا وباردا ، والآن يبدو نقيا كروحينا، قالت لي جنة في فضاء الصقالة).
غمزتها ، حييتها بانحناءة ، ثم التقطت لها صورة وهي تركض كي تختبئ خلف عربة المدفع.
كنا، كما يبدو ، نقترب من مطعم شعبي  لأن جنة تعشق السمك المشوي ، عندما وصلنا  جلست فوق كرسي بلاستيكي ونكست رأسها ، وضاعت في تفكير عميق ، وأنا لم أنبس بكلمة ، فقط ، أكلت طبقي بنهم، وأخيرا فتحت فمها كي تأكل السمك بهدوء قاتل .
(هي : ربما ذكرتها رائحة السمك المشوي بتمثال منقوش في ذاكرتها المتعبة والملأى بالعصافير المترنحة
أنا : كنت أقلد صديقتي الفلسطينية وهي تأكل السمك بمطعم مقهى الغروب، الذي ترك قصيدة موشاة بالحلي والحلل، وشاعرا يفكك الصدفات ،وينثر الدرر….).
 
***
جنة تتلمظ السمك، أنا أتلمظ السمك،  ويأخذنا النوم لبرهة بالغرفة ثم نصحو ، وحين أشعر بشيء دافئ يلعق ظهري، ألتفت لأجد جنة تلعق عمودي الفقري بلسانها، أداعبها فتهتاج،  ونصل إلى النشوة في وقت واحد، ويتعرق جسدانا.
يأخذنا النوم ثانية ثم نصحو، أضع أصابعي على حلمتها اليسرى ، و.. يرن هاتفها النقال ست رنات، عفوا مازال هاتفها مغلقاً، وهذا ما يشعل الغيرة في قلبي.
جالسا على حافة السرير بعد أوبتنا من تحت الدش، تقترح جنة زيارة السوق لاقتناء بعض الهدايا لملائكة أختها حنان .
-” نعم ، اتفقنا ” أقول بترحاب
تجولنا في السوق ، السوق كبيرة ولا تنتهي ، مزدحمة بالسياح  فاليوم عطلة رسمية ، ندخل الحوانيت معا ، وتقتني جنة لعبا من العرعار .
تجولنا مايكفي في مدينة النوارس ( القصبة ، باب البحر ، باب مراكش ، الكنيسة البرتغالية.
وفي الطريق يرن هاتف جنة في ذاكرتي :
- ” أين كنت مختفية طوال هذا الوقت ؟” يسألها باحتجاج
تغلق الهاتف ، تصمت لحظة ، وأشعر أنا بشيء مختلف يزعج تناغمنا ، أحاول فهم معنى ذلك ، ابتلع ريقي ، وأكتفي بتقشير المكالمة بيدي اليسرى.
عندما عدنا إلى الغرفة ، كان المطر ينقر خفيفا زجاج النافذة، وأنا أتأمل ماء السماء بنشوة، انتابتني رغبة محمومة في الكتابة، لكنها لم تنصع لي، ولم أجد غير البياض والصمت، تسمرت في الكرسي، ولم أفهم نفسي جيداً .
( كانت جنة ، تكتب ، تفتح حقيبتها ، تغلقها ، تقرأ في مذكرتها، تلعب الكلمات المتقاطعة ، وأحيانا تحدق في الفراغ ، ولا تنظر إلى شيء محدد ، فقط  تحدق في الفراغ ).
حاولت أن أقرأ ، لكن لا يبدو أن شيئا يدخل إلى دماغي ، أنهض من الكرسي ، وأتجه إلى النافذة ، مازال المطر ينهمر بغزارة ، ألتفت حولي ، كانت جنة نائمة ، وتدفن وجهها في الوسادة .
لمع البرق بغتة ، امتلأت الغرفة بومضات عجيبة، المذكرة أمامي على الطاولة ، والقلم أيضا ، و…وجدت نفسي مدفوعا إلى الكتابة والانغماس فيها، وكانت الساعة العاشرة ليلاً عندنا.
فتحت جنة عينيها، تثاءبت، نظرت إلي بذهول ، ثم أخبرتني أنها رأتني في المنام جامورا أخضر  فوق قبة بيضاء، وأنها صعدت كي تمسك بي ، بيد أنها لم تجد شيئا بين أصابعها، لتعود إلى الأرض بيدين فارغتين .
- ” خير وسلامة ” أجبتها بذهول
- ماذا تكتب ؟ قالت جنة وهي تبتسم ابتسامة خفيفة
- ” تفاصيل جنوننا”
و.. تسدل ستائر النافذة ، تقفز إلى السرير ، ونمارس الجنس نفسه الذي مارسناه تقريبا.
تعود جنة من الدش ، تمسح جسدها ، تقترب مني ، تضع يدها على كتفي ، وتقول وهي تبتسم لي :
- ماذا لو تحدثنا قليلا ؟
- ” واخا”
- “آدم ، هل تحبني” ؟
- “نعم .. وبجنون”
- “وتريد أن تنجب مني توأمين ؟”
- ” بل مدينة بكاملها ”
- “أرأيت كيف تسخر مني ؟”
وأجهشت بالبكاء ، ووجدت صعوبة كبيرة في الحديث إليها وإسكاتها ( كل شيء تغير تلك الليلة ، جنة لم تعد جنة ، لم تعد شفاها نشطتين وحيويتين ، لم يشتعل جسدها، لم تشهق ، لم تنشب أظافرها في ظهري ، ، ولم نلعب تلك اللعبة التي نتقنها بامتياز).
في ذلك الصباح لم يتعرق جسدانا، ولم يتعرف واحدهما إلى الآخر أكثر،اكتفينا بجمع حوائجنا  وانسحبنا من الغرفة بهدوء متجهم .
نافذة :
( بحركة سريعة قفزت إلى السرير، أغمضت عيني تاركة جسدي مستسلماً لقبلات آدم، وحلمتي اليسرى للمساته الكهربائية ، لكن ، كلما دخلني ، كان يدعوني أن أنبض من أنفي حتى يصل إلى قمة ذروته ، عرق آدم طري وندي ودوماً أتذوق ملوحته.).
لم أكن أدرك إذا كنت أشعر بالجنون مع آدم ، بالاطمئنان ، بالفرح ، بالخوف ، حكيت ذلك لأختي حنان التي كنت اخبرها كل أسراري .
- ” إنه حبك الذي لم يتحقق ياجنة ” تقول حنان وهي تبتسم ابتسامة محببة.

 فصل من رواية قيد الطبع

** قاص وروائي من المغرب