ثلاث قصص قصيرة جداً

حسن البقالي*

1) "بيسوا" والآخرون

سيكون مريحاً الزعم بأن الأسماء المختلفة التي وقع بها "فرناندو بيسوا" أعماله هي أسماء مستعارة،

 

لكن بالأناة المطلوبة في تتبع الحالات الشائكة، يتضح أنها أسماء أشخاص حقيقيين، تمتعوا بوجود مادي، وتقاطعت حيواتهم في فترة أو أخرى بحياة الشاعر، فتساكنوا الجسد نفسه.
يتم التساكن بداية بشكل طريف ومشجع، لكن بيسوا بالقلق الذي يميز المبدعين في العادة، سرعان ما يمل وضعية التجاذب تلك، ويحن إلى جسد لا يتنازعه فيه أحد.
لبلوغ ذلك يضطر إلى تقديم رشوة للطرف الآخر:
يهديه عملاً من أعماله، ينشره باسمه فيعرف به.
للتأكد يكفي إجراء دراسة مسحية لمقابر البرتغال، حيث القبور المتفرقة لكل من ألبرتو كايرو، برناردو شواريس، ريكاردو رييس، ألفارو دي كامبوس.. وفرناندو بيسوا، طبعا.

 

 

2) أحلام

كان أولَ ما رأيت حلم حكته امرأة بدوية لابن سيرين،

 

بدا خاطفا وملفوفا في الغموض كنبوءة.
بعد ذلك
صارت الأحلام أكثر وضوحا واكتمالاً:
رأيت الحلم 14 من أحلام أنطونيو تابوكي العشرين، حيث ينتهي تشيخوف فوق السحاب، بعربة مجنحة وحوذي لا يطلب سوى أن ينصت أحد إلى حكايته..
رأيته تماما كما يُفترض أن تشيخوف رآه، قبل أن يحوله تابوكي إلى مادة حكائية..
ثم رأيت أول حلم في تاريخ البشرية
ذاك الذي رآه آدم في الزمن الفردوسي الذي سبق مباشرة خلق حواء، ومهد له.
في النهاية، تجاوزت إعادة إنتاج أحلام السابقين، إلى تخيل الأحلام التي لم تحلم بعد.هكذا عشت ذات ليلة مضطربة حلماً سيراه شامان إفريقي يزعم  فيه أنه يسقط المطر، ولن يهنأ بعده أبدا.
الأكيد أن هذا الانتهاك المتتالي لشرانق حلم الآخرين لم يكن ليتأتى، دون التحول الذي مس شكلي الفيزيقي:
لقد بدأ رأسي يكبر طبقا لمتوالية هندسية.
هو الآن ملقى في الغرفة بحجمه المعادل لحجم شاحنة، بينما باقي الجسد يتدلى منه كثؤلول تافه
وأنا أحلم..
أحلم.

 

 

3) النهد

 

لقد اعتبر على الدوام أن النهد أروع أشياء العالم،
لذلك تخصص في التجميل، يتوسل بالسليكون أو الماء المالح وآخر التقنيات ومقاسات الجسد، في تكبير نهد و تصغير آخر.
الآن.. في عمره المتقدم،
يعرف أنه بلغ نهاية الرحلة، مثلما يعرف أن المرأة التي قصدته البارحة لتصغير نهديها العظيمين، فرصته الأخيرة.
أوصى مساعديه،
وبذلك التواطؤ اللذيذ الذي يصل بين رفاق الرحلة الطويلة، عملوا على تيسير انتقاله البهيج:
شق النهد بضربة مشرط عاشق
وببطء.. ومتعة لا يقاسان، تدلى عبر الشق
ومن موقعه الدافئ ذاك.. بين جدران من قطن ومخمل، جعل يتابع دبيب الخيط يرتق الشق، وعلى الشفتين بسمة خاثرة.

 

* قاص من المغرب